العنوان ملوك الآخرة (35) الصفة الحادية عشرة : التوحيد الخالص
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010
مشاهدات 100
نشر في العدد 1885
نشر في الصفحة 51
السبت 16-يناير-2010
تحدثنا في المقالات الثلاثة السابقة عن صفات: «الاعتدال»، و«الإنفاق»، و«ترك الإسراف والإقتار»، وفي هذا المقال نتناول الصفة الحادية عشرة، وهي التوحيد الخالص..
ما هو التوحيد؟
يقول تعالى واصفًا «عباد الرحمن» «أهل التوحيد»: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتَلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أناما﴾ (الفرقان: 68) ، يقول الشيخ السعدي: «بل يعبدونه وحده، مخلصين له الدين، حنفاء، مقبلين عليه، معرضين عما سواه»(١).
وفي تعريف التوحيد يقول الشيخ بن عثيمين: «التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحدًا»، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له، فمثلًا نقول: إنه لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله الله؛ فينفي الإلوهية عما سوى الله عز وجل، ويثبتها لله وحده»(۲).
وهذا التوحيد يقتضي عدم الشرك مع الله سبحانه وتعالى وحتى نفهم هذا لابد لنا من معرفة الشرك.
ما هو الشرك ؟
يقول الراغب: «الشركة والمشاركة خلط الملكين - بكسر الميم وسكون اللام ونصب الكاف - وقيل: أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، والشريك المشارك، وجمعه شركاء»(۳)
ويقول الإمام المناوي: «الشرك إما أكبر، وهو إثبات الشريك لله تعالى، أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور» (٤)، والشرك أقسام إلا أن من أسوأ أقسامه «دعاء غير الله»، ولهذا السبب فإن الله تعالى عندما ذكر صفات عباد الرحمن، فإنه ذكر أنهم يتصفون بالابتعاد عن نوع عظيم من أنواع الشرك، وهو دعاء غير الله.
دعاء غير الله
إذن فمن تمام التوحيد، ترك الشرك، ومن تمام ترك الشرك، ترك دعاء غير الله تعالى، وهذا ما يتصف به عباد الرحمن.
يقول الإمام ابن تيمية: «من أعظم أنواع الشرك دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم، وعند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم والاستغاثة بهم وطلب الشفاعة منهم، وهو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولًا، ولا أنزل به كتابًا، وليس هو واجبًا ولا مستحبًّا باتفاق علماء المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين(٥)»
الأصل الرابع عشر
ويؤكد أحد أبرز رجال الإصلاح في العصر الحديث، الإمام حسن البنا هذه الصفة من صفات عباد الرحمن ، وتماشيًا مع المنهاج الصحيح الذي سار عليه الأنبياء وأتباعهم والصحابة الكرام والتابعون ومن تبعهم، فيقول في الأصل الرابع عشر من «الأصول العشرين» التي وضعها لأتباعه لفهم الدين، فيقول: «وزيارة القبور أيًّا كانت، سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيًّا كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب، أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور، وسترها وإضاءتها والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدًا للذريعة(٦)».
تساؤل الفخر الرازي
ومن أجمل ما قرأت في تفسير هذه الآية التي تتحدث عن هذه الصفة، ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره من تساؤل حين قال: السؤال الأول: «أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزّه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة، مثل: الشرك، والقتل، والزنا، أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى»؟
الجواب : « إن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمسكًا بالشرك تدينًا، ومقدمًا على قتل الموؤودة تدينًا، وعلى الزنا تدينًا، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانبًا لهذه الكبائر »(٧)
لماذا ذكر الدعاء؟
لماذا اختار الله تعالى من صفات عباد الرحمن صفة ترك الشرك في الدعاء، عن غيرها من صور ترك الشرك ؟ ! ذلك لأن الدعاء من أعظم صور العبادة، سواء لله أو لغيره، والداعي لا يتوجه للمدعو إلا أنه يؤمن بمقدرته على قضاء حوائجه، وتلبية ما يريد، لذلك جاء في الحديث الذي رواه أحمد : «الدعاء هو العبادة »(۸).
ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس: «لما ثبت أن الدعاء عبادة، فالداعي عابد، والمدعو معبود، والمعبود إله، فمن دعا شيئًا فقد اتخذه إلهه، لأنه فعل له ما لا يفعل إلا للإله، فهو وإن لم يسمه إلهًا بقوله، فقد سماه بفعله»(۹).
وضوح الطريق
فعباد الرحمن يعرفون الطريق ومعالمها، ويدركون تمامًا الغاية التي خلقوا من أجلها وهي العبادة، لذلك فهم يختارون الوسائل الصحيحة التي تتناسب مع هذه الغاية العظيمة، ويستحضرون على الدوام هذه الغاية، فيتوجهون لخالقهم بكل شيء، ولا يتوجهون أبدًا للمخلوق مهما علا شأنه، لأنهم يعلمون ويؤمنون أن المخلوق ليس له حول ولا قوة، مهما ملك من الأموال والأتباع والمناصب والعدة والعتاد، يبقى مخلوقًا لا يملك من أمر نفسه شيئًا، فلماذا يتوجهون لمن لا يملك، ويتركون المالك لكل شيء؟ إنه المنطق الإيماني القويم، الذي يدفعهم لترك الشرك في الدعاء لغير خالقهم، وموجدهم.
الهوامش
(1) تيسير الكريم الرحمن 3/ 451 .
(2) مجموع فتاوى ابن عثيمين 1/ 17 ط. دار الثريا للنشر 1994 م.
(3) المفردات للراغب 259 .
(4) التوقيف 203 .
(5) مجموع الفتاوى 1/ 159 .
) 6( مجموعة رسائل الإمام حسن البنا ص 358 ،
ط. المؤسسة الإسلامية.
(7) التفسير الكبير للرازي (24 / 110 - 111)، ط. دار إحياء التراث العربي.
(8) رواه أحمد في المسند 4/ 271 ، وصححه الألباني، ص ج ص 3407 .
(9) تفسير ابن باديس ص 362 ، ط. دار الفكر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل