; ملوك الآخرة: صفات «النار» | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة: صفات «النار»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1870

نشر في الصفحة 59

السبت 19-سبتمبر-2009

تناولنا في العدد السابق الصفة السادسة من صفات عباد الرحمن وهي «الخوف من النار»، ونتناول في هذا العدد صفات النار التي ذكرها عباد الرحمن في الآية..

المستقر والمقام: لقد ذكر عباد الرحمن في دعائهم لله تعالى أن يجنبهم النار، وذكروا صفتين من صفاتها: «الغرام، والمستقر والمقام»، والغرام: هو الملازمة الدائمة والهلاك والخسران، ويوضحه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور﴾ (فاطر:36).

والصفة الثانية التي ذكروها «المستقر والمقام»، يقول الإمام الرازي: «فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين:

الأولى: الغرام

والثانية: المستقر والمقام.

فما الفرق بين الوجهين؟ وأيضًا ما الفرق بين المستقر والمقام؟

قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يحب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (الفرقان:65) إشارة لكونه مضرة خالصة عن شوائب النفع وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (الفرقان:66) إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان، فإنهم يستقرون في النار، ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار» (1).

فعباد الرحمن لا يغترون بعبادتهم، وقيامهم لليل، وكل صفاتهم التي ذكرت في بداية الآيات، ولا يغترون بالثناء عليهم، ولا الإشارة بالصلاح لهم؛ لأنهم أعرف بأنفسهم من غيرهم، بل يخافون من الله تعالى، ويطلبون من مولاهم عتق رقابهم من النار في كل حياتهم.

يقول سيد قطب يرحمه الله: «وهم يتوجهون إلى ربهم في ضراعة وخشوع ليصرف عنهم عذاب جهنم، ولا يطمئنهم أنهم يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، فهم لما يخالج قلوبهم من التقوى يستقلون عملهم وعبادتهم، ولا يرون فيها ضمانًا، ولا أمانًا من النار، إن لم يتداركهم فضل الله وسماحته وعفوه ورحمته، فيصرف عنهم عذاب جهنم» (٢).

صفات لم يذكروها

إن عباد الرحمن وهم يبتهلون لربهم أن يجنبهم عذاب جهنم قطعًا لم يقصدوا أن لجهنم صفتين فحسب، بل يعلمون أن لها صفات كثيرة لم يغفلوها، ولكنهم ربما ذكروا بعضًا منها، أو البارز فيها.. ولجهنم صفات كثيرة ذكرها القرآن الكريم والسنة المطهرة منها:

درجة حرارتها: حيث تعدل نار الدنيا بتسع وستين مرة، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (٣).

وهذا يعني أن درجة حرارة جهنم تعدل أعلى درجة حرارة في الأرض بتسع وستين مرة وعلى سبيل المثال، فلو كان الحديد يعتبر من أصلب المواد، والذي يحتاج إلى «1500 درجة مئوية» حتى ينصهر؛ فإن ذلك يعني بأن درجة حرارة نار جهنم تعادل ١٥٠٠×٦٩= ۱۰۳,۵۰۰ «مائة وثلاثة آلاف وخمسمائة» درجة مئوية تقريبا، فكيف لا يخافون منها؟!

قعرها: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن عمقها: «لو أن حجرًا مثل سبع خلفات (4) ألقي عن شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفًا لا يبلغ قعرها» (٥).

فهذا الحجر وزنه سبع من النوق الحوامل، وقد ألقي منذ سبعين سنة، ولم يصل إلى قاعها، فكم هذا العمق؟!

زقومها: ففي نار جهنم الكثير من ألوان الطعام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن ذلك شجرة تنبت في أصل الجحيم تسمى شجرة الزقوم ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (الدخان:43-46).

يقول الإمام القرطبي: «وشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب» (6).

ويبين الرسول طعم تلك الثمرة الملعونة عندما قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه» (7).

ما تُجربه النار يقول الرسول : «يؤتى بجهنم يوم القيامة، لها سبعون ألف زمام (۸)، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (9)، وليتخيل القارئ هذا المخلوق المرعب الذي يسحبه تسعة وأربعون مليون ملك، وهي تصيح وتقول عندما يلقى فيها أصحابها: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (ق:30).

هذه بعض صفاتها، فكيف لا يخافون منها؟! أعاذنا الله وإياكم من عذابها.

الهوامش

(1) التفسير الكبير 24/109.

(۲) في ظلال القرآن 5/2578 ط. دار الشروق.

(۳) رواه البخاري ومسلم «مختصر مسلم ١٩٧٦»

(٤) مفردها خلفة، وهي الحامل من النوق أنثى الإبل.

(5) رواه الطبراني، وصححه الألباني (ص ج ص ٥٢٤٨).

(٦) تفسير القرطبي ٩/5969.

(۷) رواه أحمد وصححه الألباني (ص ج ص٥٢٥٠)

(۸) الزمام ما تقاد به من حبال وسلاسل ونحوه.

(۹) رواه مسلم رقم ۲۸٤٢.

(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 245

70

الثلاثاء 15-أبريل-1975

دروس من أُحُد (245)

نشر في العدد 268

211

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

تقوى الله -  الحلقة الأخيرة