; ملوك الآخرة (31).. خطورة التطرف | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (31).. خطورة التطرف

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1876

نشر في الصفحة 56

السبت 07-نوفمبر-2009

ذكرنا في المقال السابق صفة الوسطية والاعتدال والتوازن عند عباد الرحمن، وفي هذا رأيهم، وحينئذ تكون الفرقة، ويكون العدد نذكر خطورة التطرف والابتعاد عن صفة الاعتدال.

نتائج خطيرة: الأحداث التاريخية وتراجم الرجال على مر الأزمان والأعصار وتاريخ الأمم، كلها تدل على أن الابتعاد عن الوسطية والاعتدال والتزام التطرف والغلو ينتج عنه نتائج خطيرة، وعواقب مدمرة للمتطرف نفسه، وللمجتمع الذي حوله؛ حيث إن لكل خلق معتدل طرفين كليهما خلق ذميم، يقول الإمام ابن القيم: «فإن النفس متى انحرفت عن «التوسط» انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلق «التواضع» انحرفت: إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة. وإذا انحرفت عن خلق «الحياء» انحرفت: إما إلى قحة وجرأة، وإما إلى عجز وخور ومهانة، بحيث يطمع في نفسه عدوه، ويفوته كثير من مصالحه ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء، وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس.

وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود، انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط، وإما إلى غلظة كبد، وقسوة قلب، وتحجر طبع، وإذا انحرفت عن خلق «الحلم» انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذل والمهانة والحقارة، ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز/ وبين من حلمه حلم اقتداء وعزة وشرف» (1).

دماء بريئة

لقد نتج عن التطرف والابتعاد عن الوسطية والاعتدال الذي دعا إليه الإسلام، سفك دماء بريئة في طول العالم الإسلامي وعرضه، ليس في العصور السابقة، بل حتى في زماننا هذا تفجرت الدماء البريئة في الأسواق والمدارس، والحدائق، وحتى في بيوت الله تعالى. فمات الآلاف من المسلمين ليس برصاص الكفار، بل برصاص وقنابل المسلمين أنفسهم.

عيوب ملازمة

يذكر فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي ثلاثة عيوب تلازم الغلو في الدين:

 العيب الأول: أنه منفر لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه قليل منهم، لم يصبر عليه جمهورهم.

العيب الثاني: أنه قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، فالإنسان ملول وطاقته محدودة، فإن صبر يوما على التشدد والتعسير، فسرعان ما تكل دابته أو تحرن (2) عليه مطيته في السير.

العيب الثالث: أنه لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن ترعى، وواجبات يجب أن تؤدى، وما أصدق ما قاله الحكماء: «ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع» (3).

سلسلة العيوب تتوالى

وزيادة على العيوب التي ذكرها شيخنا د. القرضاوي يذكر العالم الرباني د. سيد نوح يرحمه الله عيوبًا أخرى منها:

العيب الرابع: تضييع العمر، وتبديد الجهد في غير ما طائل ولا فائدة وذلك أن جهد المتنطع أو المغالي إنما هو مصروف إلى ثانويات الأمور فكرًا وسلوكًا، دون أصولها وهو بهذا يضيع عمره، ويبدد جهده في غير ما طائل.

العيب الخامس: القلق والاضطراب النفسي وذلك أن المتنطع أو المغالي إنما يريد حمل الآخرين على ما يوافق هواه وما يريد وما الآخرون بمستجيبين له، ولا بموافقيه فيما يهوى، وفيما يريد، وتكون العاقبة حينئذ القلق والاضطراب النفسي، بل العدوان على الآخرين.

العيب السادس: الفرقة والتمزق ذلك أن المغالين أو المتنطعين لقصور الفهم لديهم لا يلتقون على رأي واحد، ولا يقبل الآخرون رأيهم، وحينئذ تكون الفرقة، ويكون التمزق (4).

أسباب التطرف والغلو

لا شك أن للتطرف والابتعاد عن الوسطية والاعتدال أسبابًا كثيرة، قد تتعلق بالفرد نفسه ونشأته وتعليمه، وقد تكون دينية أو اجتماعية أو سياسية، أو نفسية أو فكرية أو خليطا بين هذا وذاك، ويجمل د. القرضاوي الأسباب فيقول: «قد يرجع السبب عند التحليل والتعمق إلى المجتمع ذاته وما يحمل في طيه من تناقضات صارخة بين العقيدة والسلوك، وبين الواجب والواقع، وبين الدين والسياسة، وبين القول والعمل، وبين الأمال والمنجزات، وبين ما شرعه الله وما وضع البشر. وقد يعود السبب إلى فساد الحكم، وطغيان الحكام، وجريهم وراء شهواتهم، وتفريطهم في حقوق شعوبهم، واتباعهم أهواء بطانة السوء في الداخل، والحاقدين على الإسلام في الخارج، مما جعل القرآن والسلطان، أو الدين والدولة في خطين متوازيين لا يلتقيان» (5). 

وقد ذكر الشيخ د. سيد نوح المزيد من الأسباب والعلاج لهذه الظاهرة (6).

الهوامش

  1.  تهذيب مدارج السالكين، ص ٤١٧، ط. أوقاف الإمارات.
  2. حرنت الدابة حرانًا وحرونًا وقفت حين طلب جريها ورجعت القهقري المعجم الوسيط ١٦٩/١. 
  3. الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ص ۲۹ - ۳۳ بتصرف.
  4. آفات على الطريق، ص ١٤٨/٣-١٥٠ بتصرف، ط. دار القبلتين.
  5. الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ص ٦١.
  6. للمزيد من المعرفة يراجع كتاب د. القرضاوي، وكتاب د. سيد نوح المذكوران في الهوامش.

 

 

الرابط المختصر :