; ملوك الآخرة (43).. صفة العفة | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (43).. صفة العفة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2010

مشاهدات 79

نشر في العدد 1899

نشر في الصفحة 52

السبت 24-أبريل-2010

تناولنا في المقال السابق الصفة التي بسببها ترك عباد الرحمن الزنى ألا وهي صفة العفة، وقلنا: إنها ترتكز على ثلاث دعامات، الأولى: غض الطرف، والثانية: عدم اتباع الشهوة والثالثة المراقبة، وقد ذكرنا غض الطرف في العدد الماضي واليوم نستكمل الحديث عن الدعامتين الأخريين اللتين تقوم عليهما صفة العفة.

عدم اتباع الشهوة

والله تعالى خلق في كل واحد منا الشهوة، وهي ولا شك نعمة من نعم الله علينا، حيث إنها السبب الرئيس في الميل للمرأة، واستمرارية النسل البشري، ومن غيرها يكون من الصعب وربما من المستحيل أن يستمر العنصر البشري، ولكن الإسلام أمرنا أن نتحكم نحن بشهواتنا، ونضعها في المكان الصحيح الذي أمرنا، وبينه لنا الله تعالى، لا أن تتحكم شهواتنا بنا وتأخذنا إلى ما حرم الله من الزنى وغيره.

والناس اثنان واحد : تطرأ عليه الشهوة، فلا هم له حينها إلا تصريف هذه الشهوة في حلال أو حرام، ويكون في قلق وهياج حتى يصرفها، لأنه لا حل لديه سوى تصريفها.

والثاني: هو الذي يعرف كيف يصرف هذه الشهوة عندما تطرأ عليه، فإن كان متزوجًا وضعها في الحلال، وإن لم يكن متزوجًا، فإنه يبددها بالصيام وذكر الله وغض الطرف، والدعاء بصرفها عنه، وإشغال نفسه بالرياضة والصحبة الصالحة، والابتعاد عن جميع المثيرات.

 خادعة العقول

 يقول الإمام الماوردي: «وأما الشهوة فهي خادعة العقول، وغادرة الألباب» ومحسنة القبائح، ومسؤولة الفضائح، وليس عطب إلا وهي له سبب، وعليه ألب» (۱) ، ومن ملك نفسه عند الشهوة، كان مرشحًا أن يكون من زمرة عباد الرحمن ودخول الجنة بسلام، فليس سهلًا أن يملك المرء نفسه عندما تثار شهوته، خاصة في مثل هذه الأيام، التي تعرت فيه المرأة في الشارع، وفي البيت، والصحيفة، والتلفاز ومكان العمل، والأسواق.. لذلك قال الإمام الحسن البصري: من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار، وأعاذه من الشيطان من يملك نفسه عند الرغبة والرهبة وعند الشهوة، وعند الغضب» (۲).

 ثالثًا: المراقبة 

والمراقبة كما ذكر الإمام ابن القيم: «دوام علم العبد، وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه. فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس، وكل طرفة عين» (۳).

ولهذا السبب، فإن غياب الشعور والعلم واليقين بمراقبة الله سبحانه وتعالى لظاهره وباطنه، ولو للحظات من شأنه أن يمنح العبد الجرأة على اقتراف المعصية ولو تذكر رقابة الله سبحانه وتعالى عليه أثناء اقترافه للمعصية لما أقدم عليها.

 ارتفاع نور الإيمان

 لذلك يقول الرسول صلي الله عليه وسلم : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن» (4)

قال ابن عباس: « ينزع منه نور الإيمان في الزنى» (٥)، وكان يدعو غلمانه غلامًا غلامًا فيقول: ألا أزوجك؟ ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان». (6)

وجاء في الطبراني قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه».(7)

يقول الإمام المناوي معلقًا: «ليس بمستحضر حال تلبسه به جلال من آمن به، فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها عليه الشهوة، والمعصية تذهله عن رعاية الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه نسي من صدق به، أو أنه يسلب الإيمان حال تلبسه به، فإذا فارقه عاد إليه»(8).

 وهكذا يصمد عباد الرحمن أمام فتنة الزنى باستعانتهم بالله تعالى وغضهم للبصر، وعدم اتباعهم لشهواتهم، ودوام مراقبتهم لله تعالى باستعفاف عظيم، يعقبه حمايتهم من الله تعالى عن الوقوع في جريمة الزنى ومن يستعقف يعفه الله» (9)

المراجع

(1) أدب الدنيا والدين، ص ۳۱۰

(۲) حلية الأولياء لأبي نعيم، 2/166، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 2002م.

(۳) مدارج السالكين، 2/65 ، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.

(٤) رواه البخاري، فتح الباري ، ١٢ (٦٧٧٢)، كتاب الحدود.

(٥،٦ ) فتح الباري، 12\59.

(۷) رواه الطبراني، وصححه الألباني «ص ج ص ٦٢٧٤».

(۸) فيض القدير 6/142، طبعة دار المعرفة، بيروت.

(۹) رواه البخاري، الفتح، ٣ (١٤٦٩) ومسلم، (١٠٥٣ ) واللفظ له، وهو جزء من حديث.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 44

110

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 119

117

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

طريق المستقبل (119)