العنوان مم يخاف الأطهار؟
الكاتب عمر التلمساني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
مشاهدات 57
نشر في العدد 744
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
إذا افترضنا أن حد السرقة أو الزنا مثلًا هو تقطيع الجسم إربًا إربًا، فمِمَ يخاف الذين لا يسرقون ولا يزنون، إنما يخاف ويعارض في الحدود الذين يسرقون أو يزنون أو يسكرون؟! فهل الذي ينهب أموال الناس بالسرقة لنزوة طارئة، أو هل الذي ينتهك حرمة الناس، ويعتدي على أعراضهم، يكون محلًا للرحمة والإشفاق؟ وهل من التسامح أن ينتشر الفساد في المجتمعات بحجة الرأفة بالمفسدين فيها أو الفاسقين؟!
إن القرآن إذا قال لي لا تسرق، فإنه يحميني قبل أن يحمي غيري إذا أقلع كل إنسان عن هذه الموبقات، تنفيذًا لهذه الأوامر ذوات الحدود، فماذا يبقى من الفساد في صفوف المجتمعات؟؟ لا شيء قطعًا، فماذا أقول لمن يهاجمون الإسلام من ناحية الحدود، هل هم يحبون أن يسرقوا أو يسرقوا مثلًا؟! وماذا أقول لهم، وأقص ما أستطيعه التزامًا بقواعد اللباقة والأدب أنتم تدافعون عن قضية خاسرة، اللهم إلا إذا رأيتم أن المنكرات أمر محبب إلى المجتمعات ويجب ألا تحرم منه، وما أظنكم أو أظن عاقلًا يهدف إلى ما ينتهي إليه هجومكم على الإسلام من ناحية الحدود.
أنا لا أدافع عن الحدود في الإسلام، فهي أمر قرره رب العزة والملكوت، الذي خلق الخلق وهو أعلم بما ينفعهم ويضرهم، وهو أرحم بهم من أنفسهم لأنهم عباده الذين خلقهم، فالذي يدافع عن الحدود في الإسلام، ربما يفعل ما يسمونه تحصيل الحاصل، وليس هذا بشأن أي أريب، اللهم إلا إذا ادعينا أننا أعلم بما ينفع الناس وما يضرهم، ممن أوجدهم ورزقهم، وصورهم فأحسن صورهم، وهذا مما لا يمكن أن يقوله حتى الملحدون، إذا أرادوا أن يستمع إلى هرائهم أحد.
إننا نتحدث فقط عن فوائد الحدود، ولا نتحدث عن الواقع من تشريعها، فهي تنزيل من لدن حميد مجيد، أليس من السعادة أن يعيش المجتمع أمنًا عن طريق إقامة الحدود؟؟ ألم نقرأ عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما معناه، أنه من بات آمنًا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، ومن منا لا يسعده أن تحاز له الدنيا بحذافيرها؟! وعندما نزلت الآية الكريمة ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: 8).
سأل الصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن هذا النعيم الذي سوف يسألون عنه وهم يأكلون الخشن البالي، ويرتدون ثيابًا يعلم الله ما هي، فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «الأمن والعافية» فالأمن نعيم الحياة، وكلما شعر المواطن بالأمن كلما ازداد حبه لهذا الوطن والتمسك بالانتماء إليه، والتضحية في سبيل حمايته ورفع شأنه، من أجل ذلك حد الله هذه الحدود لتكون رادعًا زاجرًا لمن يتجرأ على تخطي حدود الله.
كنت أفهم أن يتجه الكتاب والأدباء إلى تربية المواطنين، وتنفيرهم من السيئات وتحذيرهم من غضب الله، الذي هو السبب فيما نحن عليه من ضعف وهوان.
كنت أظن أن هذا هو المنهاج الذي يتجه إليه وسائل الإعلام، أما ترك الفساد، والتعرض للحدود ووصفها ظلمًا وافتراءً بالقسوة، فهذا يوحي بمعانٍ كثيرة لا نحب أن تعلق بأذهان الشعب نحو هؤلاء الكتاب والأدباء.
إنهم بوقوفهم ضد الحدود، إنما يناسبون الله العداء، ولا شك أن من ناصب الله العداء، انتهى أمره إلى الخسارة والبوار، وها نحن نرى اليوم، نتيجة تلك الحملات الضالة المضللة، من انتشار المخدرات بين شباب اليوم، ولو أنهم حذروا الشباب من غضب الله ومخالفة أوامره، لما رأينا اليوم ما نشكو منه من انتشار السموم بين الشباب الذي نعده للدفاع عن وطنه والسمو به إلى أعلى الدرجات، لو أنهم أحسنوا توجيه الشباب، وتعرضوا لحل مشاكله وأزماته النفسية وغيرها، لما تورط الشباب لما يعانيه اليوم بحجة التخفيف عن مشاكله، وما هي إلا أزمات نفسية أهملنا علاجها، وتفرغنا لمحاربة الحدود التي سنها العليم الخبير الحكيم.
ولا شك أن الحكومات المتتالية كانت السبب، لإهمالها التصدي لمن يحارب تشريع الله، كما كانت السبب في اتهام الشباب بالعنف والإرهاب، وما بالشباب من عنف ولا إرهاب، ولكنه ضحية تضييق عارم يحس به كل من سارِ في التيار الديني السليم، وما تزال الفرصة سانحة أمام المسؤولين في مكافحة هذه المفاسد، بإفساح الطريق أمام التيار الديني العاقل الرزين، ففيه وحده الإنقاذ بفضل الله.
إن كل دولة لها قوانينها الجنائية، وهذه القوانين من وضع البشر، وهي عرضة للتغيير بالزيادة أو النقص حينًا بعد حين، ورغم ذلك يتغنى كتابنا بحضارة تلك الأمم، حتى بلغ الأمر بأحد المتعلمين الأزهريين رحمه الله، أن تغنى بحضارة الإغريق والرومان، الذين كانوا يتسلون بإلقاء الأسرى والعبيد إلى الوحوش الضارية.
فلماذا الإسلام وحده هو الذي يهاجم من ناحية قانونه الجنائي وهو لم يتغير منذ نزوله إلى اليوم، ولا شك أن استقرار القوانين في أمة ما دليل على الأمن والهدوء والاستقرار في تلك الأمة.
إني أشفق على هؤلاء حقًا، فمهما شحذوا أذهانهم أو شرعوا أقلامهم، أو فتحت الصحف اليومية لهم صدورها، رغم هذا كله، فجهودهم ذاهبة هواء.
وها هو الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا هجريًا لم يتغير من أحكامه حكم واحد، وسيظل محفوظًا بفضل الله إلى أن تأتي الأمة المسلمة المخلصة الوفية لتضحي في سبيله بكل شيء حتى يعود إلى مكانته السامية.
إن أحكام الإسلام باقية على الدهر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل