; منافسة أم لعبة نزيهة؟ | مجلة المجتمع

العنوان منافسة أم لعبة نزيهة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989

مشاهدات 85

نشر في العدد 900

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 17-يناير-1989

في خطابه في الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي قال زعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غور باتشوف إننا لن نتخلى عن معتقداتنا أو فلسفتنا أو تقاليدنا، كما أننا لن نكره أحدًا على ترك معتقداته، وليس في نيتنا إن نحصر أنفسنا داخل قيمنا لأن ذلك يؤدي إلى إفلاس فكري ورفض لأي مصدر قوي يدعو إلى التطور ورفض الاستفاده مما خلفته أية أمة من إبداعات.... ثم يضيف «دعوا كل أمرئ يبرهن على مزايا نظامه الاجتماعي ومنهج حياته وقيمه ليس بالكلمات والدعاية ولكن بالأعمال والوقائع ولتكن هذه الطريقة سبيلًا إلى المنافسة النزيهة بين الأيديولوجيا» انتهى.
إن قول غور با تشوف هذا الذي يبدو جذابًا باعتباره دعوة للسلام العالمي ونبذًا للعصبية الأيديولوجية وفتحًا لأبواب الوفاق من أجل منافسة شريفة يقدم من خلالها كل فريق خير ما عنده من إبداعات يجب أن لا يأخذه المسلمون على ظاهره لعدة اعتبارات أولها وأهمها أنه يختزل الفرقاء في من يعتنقون الشيوعية وسليلتها الاشتراكية من جهة ومن يعتنقون الرأسمالية الليبرالية من جهة أخرى، وكأن الصراع قائم بين قطبين لا ثالث لهما، ومن هنا يفهم من دعوة غور باتشوف إلى التسامح والتنافس الشريف أنها موجهة للكتلة الغربية بالذات في نطاق مؤامرة الوفاق الدولي التي لا تقرأ حسابًا إلا لمصالح القوى العظمى بل التي تطبق على حساب الدول الصغيرة.
مع غور باتشوف لكن
إننا نشاطر غور باتشوف دعوته إلى نبذ العصبية وإلى التنافس الشريف من أجل أن يسهم كل فريق في بناء الحضارة والإضافة إلى مكاسب الإنسانية لكن فقط عندما يعترف بوجود أيديولوجيا ثالثة غفت في فترة من الفترات ولكنها اليوم تنفض الغبار عن نفسها وتكشف عن وجهها في مختلف أنحاء العالم وتحاول أن تقف على قدميها رغم كل العراقيل التي يحاول الشرق والغرب على السواء أن يضعاها على طريقها.
جميل أن نقول بالمنافسة الشريفة وباسهام الكل رغم الاختلافات الأيديولوجية والمذهبية في بناء الحضارة الإنسانية، ولكن هل هذا الكل هم الشيوعيون والليبراليون وحدهم؟
جميل كذلك أن يعلن غور باتشوف عن عدم التدخل في شؤون الآخرين وأنه لن يُكره أحدًا على اعتناق مذهبه وأيديولوجيته ولكن هل كلامه هذا موجه لخصومه التقليديين في الكتلة الغربية أم للجميع؟ أغلب الظن أنه موجه لمعتنقي المذهب الليبرالي باعتبار أن الصراع الدائم منذ الحرب العالمية الثانية إنما هو قائم في نطاق هذه الثنائية.
ونحن نقول لهذا المعسكر ولذاك كيف تكون هنالك منافسة شريفة من أجل خير الإنسان وحضارته وتقدمه وأنتم تغلون أيدي المسلمين وتقفون حاجزًا بينهم وبين ما يريدون من حرية حقيقية وانطلاق من أجل إثبات الذات وإظهار ما يزخر به دينهم من قدرة على العطاء وقدرة على دفع عجلة التقدم والنمو الإنساني لا المتشيء والصحي لا المرضي. كيف تتم المنافسة الشريفة بين ثلاثة أشخاص أدار الأول والثاني ظهرهما للثالث بعد أن قيدا يديه ورجليه؟
متی نصدق غور باتشوف؟
إننا سنصدق غور باتشوف يوم يرفع السوفيات أيديهم الظاهرة والخفية عن الشعوب المستضعفة في العالم الثالث ومن ضمنه العالم العربي والإسلامي ويوم يتركون هذه الشعوب تخوض تجاربها وتقرر مصيرها وفق مبادئها ومعتقداتها.
أما وهذه الشعوب لا تفلت من أخطبوط حتى يتلقفها آخر ولا تفلت من طاغية من أبنائها ارتمى في أحضان الشرق أو الغرب حتى يطبق عليها طاغية آخر بدعم شرقي أو غربي أيضًا، فإن الحديث عن المنافسة الأيديولوجية الشريفة يظل حديثًا ظاهره شيء وباطنه شيء آخر مختلف تمامًا.
وليسمح لنا غور باتشوف بأن نذكره بأن المسلمين عندما كانوا في أوجه قوتهم وعزتهم لم يفرضوا أيديولوجيتهم على أحد ولم ينكلوا بأحد ولم يستغلوا شعبًا لفائدة الشعب العربي مصدر الدعوة الإسلامية بل احترموا كل الشعوب المفتوحة وعقائدها وتراثها وحضارتها وحافظوا على تلك الحضارة ونقلوها وأضافوا إليها ونموها من دون تعسف أو إكراه أو طمس للحقائق أو نسبة ما ليس لهم إليهم؛ فأين تسامح الإسلام من تدخلات الشرق والغرب في شؤوننا وشؤون الآخرين الشيء الذي جر للشعوب التي تصنف بشعوب العالم الثالث مزيدًا من الويلات والحروب والاضطهاد والتخلف والشقاء والتعاسة.
إننا سنصدق أي زعيم كبير في الشرق أو الغرب يتحدث عن السلام والأمن والرخاء والمنافسة الشريفة والبناء الحضاري الإنساني دونما تعصب أو طمع عندما تتركوننا وشأننا وعندما تبتعد أساطيلكم عن مياهنا وشواطئنا وعندما تطابق أقوالكم أفعالكم عندئذ لن نصدقكم فقط بل سنصفق لكم ولكن متى سيأتي ذلك اليوم؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل