; مناقشات ودودة حول مفهوم المجتمع الجاهلي | مجلة المجتمع

العنوان مناقشات ودودة حول مفهوم المجتمع الجاهلي

الكاتب نبيه عبد ربه

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1972

مشاهدات 208

نشر في العدد 100

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 16-مايو-1972

الأنظمة والتشريعات نعم

الجغرافيا والناس لا

التحديد الواضح للأسس العقائدية والحركية للدعوة الإسلامية ضرورة من ضرورات هذه الدعوة، لأن وضوح هذه الأسس يوضح الرؤية أمام جنود هذه الدعوة ويحدد لهم معالم الطريق الذي سيسيرون فيه، مما يساعد على وحدة الصف وتدعيم الجبهة الداخلية عقائديًا وفكريًا وحركيًا، وكما يوفر على الدعوة الكثير من الجهود في محيطها الداخلي، فتستفيد منها في مواجهة وتذليل الكثير من العقبات التي تعترض طريقها في المحيط الخارجي.

ومن الأسس العقائدية التي تحتاج إلى توضيح، نظرة الحركة الشاملة إلى المجتمع الذي يعيش فيه، هل هــو مجتمع إسلامي، أم مجتمع جاهلي، أم ماذا؟!

وهذا الوضوح ضروري لأنه تترتب عليه بعض الأمور الشرعية والحركية التي يتحتم على جنود هذه الدعوة الأخذ بها، لأن المجتمع الذي تعيش فيه الحركة الإسلامية يعتبر الرصيد الأساسي الذي تعتمد عليه في تقوية نفسها عضويًا وجماهيريًا، ومن هنا كان لابد أن يكون واضحًا أمام الجنود حقيقة هذا المجتمع وطبيعة النظرة التي ينظرون بها إليه والمعاملة التي يعاملون بها.

كان الشهيد سيد قطب رحمه الله قد تعرض لهذا الموضوع في كتاباته التي كتبها أثناء المحنة التي تعرض لها في الفترة من ٥٤ - ١٩٦٥.

وترددت عبارة «المجتمع الجاهلي» كثيرًا في كتابات سيد قطب، وهذه العبارة واضحة إذا ما قيست بعبارة أخرى هي «المجتمع الإسلامي» إذ أن الأولى تعتبر عكس الثانية، ومع ذلك تبقى كلمة «المجتمع» بحاجة إلى شيء من التحديد حتى يحكم على الأمور من خلال مدلولاتها المحددة.

فإذا قصد سيد بكلمة مجتمع «الدولة» ككل على اعتبار أنها تتكون من «أرض، وشعب وتشريع وحكومة» فمعنى هذا أن هذه الأركان الأربعة كلها «جاهلية» أما إذا كان يقصد بكلمة مجتمع «التشريع والحكومة» فقط فهذا يعني أن هذين الجزءين من الدولة فقط هما اللذان تنطبق عليهما صفة «الجاهلية»، أما الأرض والشعب فهما غير ذلك، يقول رحمه الله «إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم، وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده، متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التقليدية وفي الشرائع القانونية وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلًا المجتمعات الشيوعية، والمجتمعات الوثنية، والمجتمعات اليهودية والمسيحية، وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة» (۱) والذي يهمنا بحثه في هذا المجال تلك المجتمعات القائمة في العالم الإسلامي «والتي تزعم بأنها مسلمة».

فمما لا شك فيه أن الأنظمة القائمة اليوم في العالم الإسلامي هي أنظمة جاهلية بنص القرآن الكريم حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (سورة المائدة: آية ٥٠).

كما أن جميع «القوانين والتشريعات» التي تحكم بموجبها هذه الحكومات هي تشريعات جاهلية لأنها ليست مستمدة من كتاب الله ولا تمت بأية صلة إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما «الأرض» التي يقوم عليها العالم الإسلامي فهي أرض إسلامية بحكم الأصل التي وجدت عليه والتاريخ الذي تنتمي إليه والشعوب التي عاشت عليها، والدولة التي قامت عليها، فالأصل أن ملكية الكرة الأرضية كلها لله استخلف فيها عباده المؤمنين فالإسلام الذي هو دين الله صاحب الحق الأصلي إذن في هذه الأرض فالأرض كلها أرض إسلامية، لأن الكفر طارئ عليها، إذ أن ما اغتصبه منها في غفلة أهل الحق أو في فترات ضعفهم وتفرقهم كان اغتصابًا ولم يكن حقًا، فلما جاء الإسلام قويت به شوكة أهل الحق فانطلق المسلمون الأوائل من الجزيرة العربية لينشروا دين الله في أرض الله وليستعيدوا أرض الإسلام التي اغتصبها أهل الباطل من قبل، ففتحوا معظم العالم القديم وأقاموا فيه دولة إسلامية جمعت تحت لوائها شعوب هذه المنطقة باسم الإسلام أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، ولا ينقص من «إسلامية» هذه المنطقة أنها وقعت تحت حكم الاستعمار الغربي فترة من الزمن، إذ إن المدة التي قضاها الاستعمار في هذه المنطقة كانت ضئيلة بالنسبة لحكم الإسلام فيها، وقد اتصف حكم الاستعمار بأنه سيطرة مصالح وليس سيطرة شعوب سكنت المنطقة وكأنها أرضها ومسقط رأسها ولعل عدم تمكن الاستعمار من تثبيت أقدامه في هذه المنطقة دليل آخر على أنه كان طارئًا عليها وليس أصيلًا فيها.

ثم إنه لا يستطيع إنسان أن ينكر أهمية «الأرض» بالنسبة للحركة الإسلامية التي تعمل على إقامة «المجتمع المسلم» و «الدولة الإسلامية»، إذ ليس من المعقول أن يقال عن أرض المسلمين الذين استردوها من الكفر بدمائهم وجهودهم أنها أرض جاهلية أو أنها ليست أرضًا إسلامية لأن معنى ذلك أننا كحركة إسلامية تطالب بأرض ليست للإسلام فتكون حجتنا ضعيفة لأننا نظهر بمظهر المغتصبين والمعتدين، ونحن في الواقع أصحاب الحق الشرعيين فإذا سلمنا أن الأرض التي يقوم عليها العالم الإسلامي هي أرض إسلامية فهل الشعوب التي تسكن العالم الإسلامي شعوب إسلامية، أم جاهلية؟ يجب أن نفرق أولًا بين هاتين الكلمتين «جاهلي» و «كافر».

• «فالجاهلي» هو كل شخص لم تصله دعوة الإسلام ويرجى لو وصلته أن يؤمن بها ويصبح في عداد المسلمين العاملين، ولهذا وصف الإسلام العرب الذين عاصروا رسول الله عليه السلام «بالجاهلية»، كما أن هذا الوصف ينطبق على «أهل الفترة» التي سبقت رسول الله عليه السلام إذ أن هؤلاء لم تصلهم دعوة الإسلام فأمرهم متروك إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء رحمهم وصدق الله العظيم ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا. (سورة الإسراء: آية ١٥).

• أما «الكافر» فهو شخص عرف الإسلام فأنكره عن علم وحاربه عن إيمان «أولئك الذين ختم الله على قلوبهم فأصمهم وأعمى أبصارهم» كأبي جهل وغيره من سادة قريش والعرب، ولهذا وصف القرآن هؤلاء بالكفر، بينما كان رسول الله عليه السلام يدعو لبقية قومه ممن تحتمل هدايتهم فيقول «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، وعلى هذا فإن كلمة «جاهلي» لا تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة «كافر»، لأننا لو سلمنا - جدلًا - أن شعوب العالم الإسلامي شعوب جاهلية فليس معنى هذا أنها شعوب كافرة، ولو عنينا هذا لساوينا هذه الشعوب بالشعوب الكافرة الملحدة، وهذا منطق غير مقبول من ناحيتين:

ـ الأولى أن الإسلام لا يجيز تكفير أي شخص نطق بالشهادتين عن إيمان وأدى أركان الإسلام عن قناعة، أما من الناحية الثانية فلا يعقل أن يوضع المسلم الذي يفرد الله بالعبادة ويقوم بأركان الإسلام في مستوى واحد مع العربي الذي كان يعبد الأوثان ويؤمن بتعدد الآلهة ويحارب الله ورسوله، أو مع الشيوعي الذي ينكر وجود الله ويؤمن بأن الدين أفيون الشعوب.

فإذا سلمنا أن المجتمعات التي تعيش في العالم الإسلامي هي مجتمعات ليست كافرة فهل هي مجتمعات جاهلية أم ماذا؟

نحتاج للإجابة على هذا السؤال معرفة «المقياس» الذي ميز به الإسلام «المجتمع الإسلامي» عن المجتمع الجاهلي:

«المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة، ونظامًا، وخلقًا، وسلوكًا، والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام ولا تحكم عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه» (۲).

وأحب أن أؤكد هنا إنني أعالج كلمة «المجتمع» على أساس أنها تعني «الشعب» وبإمعان النظر في النص السابق أستطيع القول بأن «المجتمع الإسلامي» هو المجتمع الذي يؤمن بأركان التوحيد الثلاثة: الألوهية والربوبية والحاكمية، أما «المجتمع الجاهلي» فهو الذي لا يؤمن بهذه الأركان. لأن: الألوهية تعني إفراد الله بالعبادة، والربوبية تعني الإيمان بأن الله هو القادر الخالق الرازق المدبر لشؤون الحياة جميعها، أما الحاكمية فتعني الاحتكام إلى شريعة الله في كل شأن من شؤون الحياة ففي رأي «سيد» أن المجتمع الذي تجتمع فيه هذه الأركان الثلاثة - الألوهية والربوبية والحاكمية - هو مجتمع إسلامي، أما المجتمع الذي لا تجتمع فيه هذه الأركان الثلاثة كلها مرة واحدة فهو مجتمع جاهلي.

«وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار - المجتمع الجاهلي - لأنها تعتقد بألوهية غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر لغير الله أيضًا، ولكن تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله فتدين بالحاكمية لغير الله فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها وكل مقومات حياتها تقريبا» (۳)

وهذا الرأي له سابقة في تاريخ الفكر الإسلامي، فقد قال به الوهابيون، كما قال به بعض الإخوان، إذ اعتبر هؤلاء أنفسهم « جماعة المسلمين » واعتبروا كل من سواهم خارج عليهم وعلى هذه الجماعة، أما جمهور المسلمين ومنهم جمهور الإخوان بمن فيهم المرشدان الشهيد حسن البنا، والأستاذ حسن الهضيبي، فقد اعتبروا أنفسهم « جماعة من المسلمين » وإن سلكوا طريقًا خاصًا للدعوة إلى الإسلام، لأنهم يعتبرون الخلاف في الرأي بين المسلمين جائز، وأن ذلك لا يجب أن يؤدي إلى التفرقة أو المواجهة بينهم، بل يجب أن يؤدي إلى زيادة الأخوة والتعاون والسير مع الحق أينما سار.

ولكن إذا كان الأمر كما سبق، فما نوع المجتمع الذي يؤمن بقسمين من أقسام التوحيد - الألوهية والربوبية - ويعمل بمضمونهما، ويؤمن بالقسم الثالث «الحاكمية».

في قلبه إلا أنه عاجز عن إقامة حكم الله في الأرض لضعف في نفسه أو لأنه مغلوب على أمره بواسطة حكام طغاة يعارضون كل فكرة تريد إرجاع المسلمين إلى حظيرة دولة الإسلام؟!

أركان التوحيد الثلاثة هي أركان الإيمان فإذا ما جمعها قلب عبد مؤمن كان إيمانه قويًا ولكن الناس متفاوتون في قدراتهم وإمكاناتهم كما أنهم متفاوتون في إيمانهم، فمن المسلمين من يستطيع القيام بأركان الإسلام ولكنه ليس لديه القدرة على الجهاد- مثلًا- لضعف في نفسه أو هروبًا من الواقع الذي يعيشه المسلمون لكثرة أنصار الباطل وقلة أنصار أهل الحق، ومن المسلمين من يستطيع القيام بجميع شعائر الإسلام كما يستطيع الجهاد لإعلاء كلمة الله، وهذا التفاوت في القدرات والإمكانات المادية والمعنوية عند البشر هو الذي أوجد « الرخص» في الإسلام والتفاوت في الالتزام بالشرائع والأحكام حتى يجد كل مسلم فيها ما يلائم حاله ومـــا يتلاءم مع إيمانه و إمكاناته، وهذه المرونة ضرورية في الإسلام كمنهج حياة لجميع البشر، وهذا تجده واضحا في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. (سورة التغابن: آية ١٦).

وقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا (سورة البقرة: آية ٢٨٦).

وقوله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وقد سأل رسول الله عليه السلام: -

«أيكون المؤمن جبانًا، قال نعم» وعلى هذا فإن الإيمان مع العجز لا يخرج المسلم من حظيرة المجتمع الإسلامي إلى المجتمع الجاهلي.

أما قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. (سورة المائدة: آية ٤٤).

فهي خاصة بالحكام الذين تقلدوا أمور الحكم في البلاد الإسلامية واستطاعوا أن يحكموا بما أنزل الله ولكنهم لم يفعلوا، والشعوب التي خيرت بين الحكم بشريعة الإسلام وبين الحكم بالقوانين الوضعية فاختارت الثانية على الأولى، أما الشعوب المغلوبة على أمرها والتي يحكمها حكام مفروضون عليها، كما تحكمها شريعة مفروضة عليها أيضًا - كما هو الحال في جميع العالم الإسلامي - فأعتقد أن هذه الآية لا تنطبق على مثل هذه الشعوب، لأن الحكم بما أنزل الله فريضة من فرائض الإسلام مثلها مثل الزكاة وكلاهما يستحق على المسلم إذا كان مستطيعصا، فكما أنه لا يمكن أن نصف الفقير العاجز بالكفر أو الجهل لأنه لم يستطع تأدية الزكاة، كذلك لا يمكن أن يوصف المسلم العاجز عن إقامة حكم الله في الأرض بالكفر أو الجهل.

ثم إن شعوب العالم الإسلامي لم تترك الحكم بما أنزل الله بمحض اختيارها، بل نتيجة مخططات استعمارية نفذتها الدول المستعمرة ذات الإمكانات الهائلة عن طريق التبشير والحكام العملاء والمناهج العلمانية ووسائل الإعلام المفسدة، والحزبية، والقوانين الوضعية والمبادئ المادية المستوردة شرقية كانت أم غربية، وكان القصد من كل هذا إفساد هذه الأمة لإبعادها عن دينها والحيلولة دون وحدتها تحت لواء دولة إسلامية تحكم بما أنزل الله، لأن ذلك معناه تصفية جميع المصالح الاستعمارية في المنطقة وقيام دولة قوية ذات رسالة عظيمة من خلفها خير أمة أخرجت للناس فهي بذلك تستطيع القضاء على جميع الأطماع الاستعمارية في العالم الإسلامي بل إن التاريخ قد أثبت لنا أنه لما كانت الأمة الإسلامية قوية ولم يكن هناك دول تعرف مواطن القوة فيها، أو كانت تعلم لكنها لم تكن تستطيع أن تخطط للقضاء عليها كانت هذه الأمة كلما ابتعدت عن الإسلام لا تلبث أن تعود إليه لأنه الأصل الذي قامت عليه والأساس الذي تكونت منه شخصيتها ومقومات حياتها خلال ثلاثة عشر قرنًا أو يزيد. 

ثم إننا لا نستطيع أن نتهم هذه المجتمعات «بالجاهلية » ونحن لم نوصل لها دعوة الإسلام، إذ ما ذنب هذه المجتمعات إذا كانت لا تسمع إلا بالصوت القوي - صوت الغواية والإفساد بينما تسمع بصوت الحق ضعيفًا خافتًا، وصوت الباطل قد طغى عليها في كل حياتها فهو يصاحبها بالغاوية ويماسيها فلابد إذًا أن يؤثر في حياتها وأفكارها، وقد أثبتت الأيام أنه كلما قوي صوت الحركة الإسلامية كلما وجدت مـــــــن المسلمين إقبالًا عليها وتفهما وتجاوبًا مع أهدافها مما يدلل على أصالة الإسلام في نفوسها ولو وجدت حرية الفكر والعمل العقائدي في هذه المجتمعات لاندحرت أمام الإسلام جميع الأفكار والمبادئ الدخيلة على هذه « الأمة » ولو استفتيت هذه الأمة استفتاء حرًا بين أن تحكم بما أنزل الله وبين القوانين الوضعية لاختارت الحكم بما أنزل الله لأنه ـ على الأقل - ليس غريبًا عنها بل هو مستمد من تاريخها وكيانها وشخصيتها ومقومات حياتها.

ورب قائل يقول: لماذا لا تطالب هذه المجتمعات حكامها ليحكموا بما أنزل الله؟! الواقع أن الأمة لا يمكن أن تسير إلى هذا الهدف بدون قيادة، والقيادة التي تقودها إلى هذا الهدف هي «الطليعة المؤمنة» ولهذا بمقدار نشاط هذه الطليعة وتفاعلها مع أهدافها بمقدار ما تستطيع أن تقترب بهذه الأمة من هذا الهدف.

ثم إن الشعوب عادة ترضي بالواقع إذا لم يوجد أحسن منه، أو إذا لم تجد من يقودها إلى ما هو أفضل منه، فهل قامت دولة الإسلام وحكمت هذه الشعوب بما أنزل الله ثم وجدت منها معارضة أو رفضًا لحكم الله؟!

وليس معنى هذا أن هذه الشعوب كل أفرادها مسلمين كما أراد الله، إذا أن هذا الهدف بعيد المنال حتى في المجتمع الإسلامي، بل إن فيها مسلمين متفاوتين في إسلامهم فكما فيها المسلم القاعد والمسلم الآثم فيها أيضًا المسلم العامل والمسلم المجاهد وقد تغلب إحدى هذه الصفات على هذه المجتمعات للظروف التي تقدم ذكرها - المخططات الاستعمارية – إلا أن ذلك لا يجب أن يخرجها عن الإسلام وإذا قلنا أن مجتمعات العالم الإسلامي هي مجتمعات جاهلية لأنها ليس لها دولة تحكم بما أنزل الله، فإننا بهذا نلصق صفة الجاهلية أيضًا بالمجتمعات الإسلامية الأولى التي قامت في مكة والحبشة، والمدينة « قبل الهجرة » لأن هذه المجتمعات لم تكن لهـــــا دولة إسلامية أيضًا لهذا فنحن لا نستطيع أن نصف بعض هذه المجتمعات أو كلها بالجاهلية حتى تقوم للإسلام دولة تمثله وتحكم بشريعته، وحتى توضع هذه المجتمعات على المحك، فمن هاجر منها إلى هذه الدولة وانضم إليها فهو ضمن المجتمع المسلم، ومن بقي على حاله يرضى بأن يقيم في أرض تحكم بغير ما أنزل الله فهو «جاهلي» أما قبل ذلك فإن هذه المجتمعات تبقى «إسلامية» بفعل أصلها وتكوينها، ولا يخرجها عن الإسلام إنها آثمة أو مغلوبة على أمرها، لأن الإسلام حينما وضع الشرائع والأحكام وضع في حسبانه «المراحل» والظروف التي تمر بها الدعوة الإسلامية:

فإذا نظرنا إلى فريضة «كالجهاد» وهي الوسيلة التي يقيم بها المسلمون دولة الإسلام نجد أن الإسلام قد تدرج في تطبيقه بحيث فرض على المسلمين منه ما يناسب المراحل التي كانت تمر بها الدعـــــــــوة الإسلامية، فقد اقتصر الجهاد في مكة على مجاهدة النفس والصبر على البلاء وتحمل أعباء الدعوة وتبليغها للناس بالحكمة والموعظة الحسنة فقال تعالى لرسوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا.

(سورة الفرقان: آية ٥٢).  (٤) ـ أي جاهدهم بالقرآن ثم فرض القتال في أول مرة في المدينة دفاعًا عن النفس لأن الرسول كان مشغولًا بتدعيم جبهته الداخلية، ثم فرض القتال في السنة الثالثة للهجرة لنشر الدعوة وحماية الدولة، ثم أمر الله المؤمنين - في سورة التوبة - لما صلب عودهم وقويت دولتهم أن يقاتلوا الكافرين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

والملاحظ من هذا أن الشارع الحكيم قد قرر لكل ظرف من الظروف التي مرت بها الدعوة الإسلامية حكمًا يتناسب مع إمكانات تلك المرحلة فإذا وجدت الأمة الإسلامية في ظروف مشابهة للظروف التي مر بها المسلمون في عهد رسول الله عليه السلام فإن لها أن تأخذ من الأحكام ما يتناسب مع ظروفها وطبيعة المرحلة التي تمر بها على أن تعتبر ذلك ليس نهاية المطاف، ولكنه مرحلة لتحقيق بقية أهداف الإسلام وقد علق سيد قطب على ذلك بقوله:

«إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد - عن طريق الاجتهاد المطلق - أي الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف وفي زمان من الأزمنة وفي مكان من الأمكنة مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام كما كانت حالها عند نزول سورة التوبة»

«فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام، فهم - اللحظة مؤقتًا- غير مكلفين بتحقيقها - ولا يكلف الله نفســـــــا إلا وسعها، ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عندما يكونون في الحال التي يستطيعون تنفيذها» (٥).

وأخيرًا فليس من مصلحة الحركة الإسلامية أن تصف المجتمعات التي تعيش فيها بأنها جاهلية، لأن تحقيق أهداف هذه الحركة مرهون بنصر الله أولًا ثم بتجاوب هذه الشعوب معها، فالدولة الإسلامية لا تقوم إلا إذا توفرت لها بعض الإمكانات ومنها « وجود رأي عام إسلامي » مؤيد لها ويرضى بحكم الإسلام وهذا الرأي العام منعه هذه المجتمعات، كما أن هذه المجتمعات هي النبع الذي يمد الحركة الإسلامية بالدم المؤمن الذي يقويها عضويًا وحركيًا وجماهيريًا، فإذا ما وصفنــا هذه المجتمعات بالجاهلية فإننا سنخسر تأييدها، وبمقدار تفاعل الحركة مع هذه المجتمعات، وبمقدار تجاوب هذه المجتمعات مع الحركة وأهدافها بمقدار ما تستطيع الحركة الإسلامية أن تقترب من أهدافها في إقامة المجتمع المسلم الذي تحكمه دولة الإسلام.

وإكمالًا لهذا البحث، لابد أن نقف على الأسباب التي دفعت «سيد قطب» عليه رحمه الله أن يصف هذه المجتمعات بالجاهلية؟!

لا شك أن «سيد» كان أديبًا قبل أن يكون أديبًا إسلاميًا، إذ إن كتاباته قد مرت بعدة مراحل تأثرت كل مرحلة منها بالبيئة التي كان يعيشها وبالأفكار التي كان يتلقاها، فقد بدأ كتاباته على طريقة العقاد، بل كان من أشد المعجبين به، ثم شاء الله له أن يعمل في ميدان العمل الحركي الإسلامي، فاستغل طاقاته الفكرية لمصلحة الإسلام فبدأ كاتبًا متحمسًا للإسلام يذود عن حياضه بقلمه ولسانه ويهاجم أعداءه تارة ويوضح الإسلام للأمة تارة أخرى، وكان في هذه المرحلة - مرحلة انطلاق الحركة الإسلامية - متأثرًا بالواقع الذي يعيش فيه هذا الواقع الذي كان يتصف بتجاوب الشعوب الإسلامية مع الحركة الإسلامية، ولهذا كان يعتبر تلك الشعوب شعوبًا إسلامية أو على الأقل لم يرد في كتاباته أية عبارة تدلل على أن هذه المجتمعات مجتمعات جاهلة كما فعل بعد ذلك، إلا أن الظروف قد تغيرت على « سيد » فالحركة الإسلامية قد أصابها الانحسار بعد الانطلاق ونزلت بسيد وبقية إخوانه المحنة التي استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا، عاش فيها « سيد » في سجن رهيب بين أيدي جلادين قساة يستعملون معه ومع إخوانه أشد ضروب التعذيب والإذلال، ويعاملونهم معاملة تأنف الحيوانات أن تعامل بها بعضها البعض، ووجد بعد ذلك هذه الأمة تقف مكتوفة الأيدي لا تحرك ساكنًا في وقت يقاد فيها فلذات أكبادها إلى المشنقة أو السجن الرهيب أو المعتقل، في وقت تسام فيه الحركة الإسلامية التي تعمل لتحريرها من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ضروب الإذلال والفناء، ومن هنا كانت نقمة سيد على هذه المجتمعات، وله الحق في أن ينقم.

للبيئة أثر واضح على كتابات سيد و آرائه، إذ إن الإنسان يتأثر بما يدور حوله فينعكس ذلك على آرائه وأفكاره، فقد تأثر الإمام الشافعي ببيئة العراق فكان فقهه « العراقي » يختلف عن فقهه « المصري » حينما عاش بعد ذلك في مصر، وهكذا تأثرت كتابات سيد بالظروف والملابسات التي أحاطت به قبل المحنة وأثنائها ولكنني أعتقد ـمع ذلك أنه لم يكن يدور في خلد « سيد » أن ينشئ مدرسة فكرية جديدة داخل المدرسة التي أنشأها الإمام الشهيد حسن البنا أو خارجها، لأن المعروف عن « سيد » أنه كان معجبًا بقائده « البنا » وبآرائه وبأسلوبه الحركي، كما كان جنديًا شديد الالتزام بالأسس العقائدية والتنظيمية للجماعة فقد ثبت عليها وقضى نحبه شهيدًا في سبيلها، كما أعتقد أنه لو طالت « بسيد » العمر وانجلت عنه المحنة وعاش في جو عادي لتراجع عن بعض آرائه، وكيف لا يفعل والمعروف عنه أنه كان يدور مع الحق حيثما دار، ويتراجع عن رأيه إذا لم يوافق روح الإسلام وواقع الحركة الإسلامية، وقد تراجع فيما مضى عن آرائه التي بثها في كتابه « العدالة الاجتماعية »، كما أعتقد أنه لو طالت بسيد العمر لتراجع عن رأيه في المجتمعات الحاضرة إن لم يكن عن اقتناع فسيكون على الأقل انسجامًا مع الأسس العقائدية والحركية التي وضعها المرحوم « حسن البنا» والتي تعتبر المجتمعات التي تعيش في العالم الإسلامي مجتمعات إسلامية يشوبها الإثم والقعود ولكن ذلك لا يخرجها عن الإسلام .

وبعد؛ فإن أعداء الحركة الإسلامية كثير عددهم عظيمة إمكاناتهم لا يقعدون عن العمل ضدها آناء الليل وأطراف النهار وأمام هذا كله ليس لهذه من سلاح تقابل به هؤلاء الأعداء سوى إيمانها وقوة جبهتها الداخلية، فإذا ضعفت من هذا الجانب فلن تستطيع الوقوف في وجههم أبدًا، ولهذا فهي بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة الصف عقائديًا وحركيًا وتنظيميًا وليس لديها - إذا كانت جادة في العمل لأهدافها - متسع من الوقت كي تقضيه في ترف فكري قد يؤدي إلى إضعاف صفها وخلخلة جبهتها الداخلية مما لا يستفيد منه سوى المتربصين ومادام الأعداء هدف هذه الحركة العودة بالمسلمين إلى الإسلام الصحيح فلن يغيرها في مسيرتها هذه سواء كانت هذه المجتمعات إسلامية أم جاهلة، والخير أردت، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وعليه فليتوكل المؤمنون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

202

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية