; الانطلاق من الأصالة | مجلة المجتمع

العنوان الانطلاق من الأصالة

الكاتب عمر بهاء الدين الأميري

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984

مشاهدات 51

نشر في العدد 675

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-يونيو-1984

إذا نظرنا بتعمق وتجرد، إلى وضع أمتنا الإسلامية في هذا العالم الصاخب المتجبر، نجدها تبدأ الصحوة بعد الغفوة ونلمس لانبعاثها الإسلامي ألف دليل ودليل رغم الخطر الكثير من المؤامرات والعراقيل، التي أهمها تسليط بعض الأمة الإسلامية على بعض، وجعل بأسها بينها، في فتن وحروب تؤجج الثارات وتستهلك الطاقات، ولا حول ولا قوة إلا بالله...

على أننا ندرك رغم كل شيء أن الزمن يتقدم بالإسلام وأمته إلى الأمام بين مد وجزر، يذهب الجزر كالزبد جفاء ويبقى من المد ما يمكث في الأرض وينفع الناس. 

وإننا لنرى رواسب تسلط أعدائنا علينا فتاكة البقايا، خبيثة الجراثيم، ولا سيما في مجالات السياسة والإعلام والتعليم فلابد من مواجهة هذا الواقع الأليم بحكمة ماضية وبعزم أبي مقدام حر؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…

استرجاع الذات

سلوكنا بعد الاستيعاب والنظر والإدراك يتحتم أن يتوجه في معركة استرجاع الذات إلى الثقة بالله والثقة بالنفس واليقين المبين بأن النجاة لا تأتي اعتباطًا وأملًا ودعاء؛ لأن أقدار الله مرتبطة بنواميسه فلا بد من عظيم العمل لتحقيق عظيم الأمل. 

حضارتنا ربانية نفحها الإسلام من خصائصه الفذة بمزايا البقاء والنماء والارتقاء، إنها كون كامل مستمر الزمان ممدود المكان سوي الإنسان، ولذا كانت فعاليتها في حياة أمتها بل والإنسانية جمعاء أكبر من أن يجحدها جاحد أو يخنقها طاغوت، فلا بد أن تستنطقها اليوم تجارب الأمس لنستنبط مناهج الغد في ضوء المعادلة النبوية الهادية الخالدة: «رحم الله امرءًا عرف زمانه واستقامت طريقته».

الانطلاق من الأصالة 

إن علماء الاجتماع والنفس والتاريخ والحضارات يجمعون على أن الانطلاق من الأصالة هو الشرط الأول للنجاح، والنجاة في معركة استرجاع الذات. 

يقول «فون كرونباوم»: «إن حركة إحياء دين في بيئة ثقافية تكون عاملًا منشطًا فعالًا في إعادة تنظيم أنموذج الحياة كله لتلك الجماعة، وتكون أكبر أثرًا من الاتصال بمدنيات أخرى مهما كانت الأفضلية الحقيقية أو المتخيلة لها، ومهما كان الحرص على التكيف بها. 

وكلام «فون كرونباوم» مطلق، فكيف إذا كان الدين دين الله الذي يعلم من خلق، وما يصلحه ويصلح به، وهو اللطيف الخبير؟ على أن هذا لا يعني بالنسبة للإسلام وحضارته بخاصة أن نكف أيدينا عن المعطيات الخيرة للحضارات الأخرى فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها وكان أولى بها.

أمتنا اليوم بين الواجب والواقع

إن في ديننا وأمته وحضارته من الجدارات والقدرات والطاقات ما ليس في سواه، وهو وحده القادر على أن يمد العالم بالنظام الجديد الذي يتطلع إليه لإنقاذ البشرية، ولكننا لن نستطيع أن نسترد وجودنا في ذاتنا ونستأنف رسالتنا الرائدة في العالمين إلا بالإسلام الواعي المترجم إلى خطى حركية عملية تقيمنا في مقامنا الأصيل الحق «خير أمة أخرجت للناس»، وتلبي بنا كل الأشواق والأذواق السوية، متكيفة مع ظروف الإنسان في كل زمان ومكان.

فهل لنا أن تتلاقى جهودنا لنستبين الحق أولًا، ولنمضي في سبيله على منهج واع ثانيًا، وبالحكمة والصبر والحزم والعز ثالثًا، لا نكتفي بإطلاق الشعارات، ولا بالنقد الهادم، ولا بالسعي الفردي؟

إننا ننادي بالانبعاث والاتحاد والتعاون... ولا نسير إلى ذلك على صراط مستقيم!. فرقنا أمتنا دولًا وأحزابًا وشيعًا وحظرنا على المسلم السليم أن يمارس حياته المعطاء في دار الإسلام الواحدة، وأقمنا حول خطاه المخلصة العديد من الأغلال والقيود!

أين نحن من التضامن الإسلامي؟

لقد خرج محمد بن بطوطة من طنجة بانتمائه إلى الإسلام فقط، وسافر إلى الهند، فعينه سلطانها محمد شاه قاضيًا في العاصمة دلهي، ثم ترحل بجنسيته الإسلامية وحدها حتى جزر المالديف بالمحيط الهندي، وتولى القضاء أيضًا، وزار جميع دول وأقطار وجزر الوطن الإسلامي في القارات الثلاث، وقضى أكثر من خمسين عامًا متجولًا أو مقيمًا أو متزوجًا أو قاضيًا دون أن يمنعه أي قانون محلي أو أن يحجزه حاجز إداري أو أن يحدد إقامته ويعوق حركته أي تدبير سياسي... فأين نحن من ذلك اليوم؟ لقد تضمنت قرارات مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في مكة المكرمة والطائف حثا للدول الأعضاء على «تدعيم التضامن الإسلامي بينها على قاعدة تعاليم الإسلام في مناصرة قضايا الحرية والمساواة والتقدم والسلام»، وهذه إشارة مشكورة وهي جهد المقل- ولكن السؤال هل ازداد التضامن الإسلامي منذ المؤتمر حتى الآن أم ما نزال نمضي في متاهات التنافر والتهاتر؟

الوحدة الإسلامية

إن أمتنا مدعوة أولًا إلى إيجاد شكل جامع ما، يعيد لها وحدتها التي هي من صميم خلقتها ومن حتميات وجودها ورسالتها، على أساس إسلامي- إسلامي، لا قومي ولا عنصري، ولا رأسمالي ولا اشتراكي، وهي مدعوة بعد ذلك وخلاله إلى بذل كل معطياتها الإيجابية والحضارية والحركية للإنسانية جمعاء لإنقاذها من تخريب الأنظمة العالمية الراهنة التي تسوق البشرية إلى الشقاء والفناء.

وإننا لعلى ثقة وطيدة بأن سير الزمن يقود إلى هذا طال الزمن أم قصر، وأن السعيد السعيد، بل والعاقل العاقل، هو الذي يضع نفسه من ربه ودينه وأمته وبلده والإنسانية جمعاء في هذا الاتجاه السديد الرشيد، بكل قناعة وطاعة وعلم وعزم، وثقة وإخلاص مهما كانت العواثر، ومهما ادلهمت المخاطر.

تحول الخط الحضاري للإنسانية

أيها الأخوة الأعزة، 

إن البشرية اليوم تخوض معركة تحول الخط الحضاري للإنسانية جمعاء: من السامرية اليهودية التي تحرك الحضارية المادية الصناعية إلى الربانية الإسلامية، وأن الساحة الحساسة للمعركة هي فلسطين، ولذلك فإننا نعتقد أن قضية فلسطين في الواقع أكبر من أرضها، وزمانها وسكانها... إنها قضية إنسانية في مداها الواسع، إسلامية في قدسيتها ومسؤوليتها، وعربية أخيرًا في جغرافيتها واستراتيجيتها، ويجب أن تكون في سائر انتماء أنه وساحاتها ومواجهاتها: إيمانية حضارية، لا بد لها من صبر عنيد، وسعي مديد.

* * *

بيعة للجهاد شقت من القد

س إلى الخلد دربها الوعر شقًا 

قد يطول الطريق لكن نصر الـ 

له آت، وعروة الله وثقى

* * *

الإيمان سيحرر فلسطين

لا بد أن يحرر الإيمان فلسطين.

ولا بد أن تستعيد العروبة مقامها المسؤول: «نورًا في الإسلام وعزًا»، «فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون....».

ولا بد أن تستعيد الأمة الإسلامية جدارتها وصدارتها، وأن تمارس هدايتها وريادتها في الوجود الإنساني لابد للإسلام أن يتصدى لأزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة، وأن ينقذ العالم من مهاوي الشقاء والبلاء التي تنذر بالفناء.

«إن هذا لهو حق اليقين، ولتعلمن نبأه بعد حين...».

الرابط المختصر :