العنوان ماذا نفهم من الإسلام؟
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984
مشاهدات 81
نشر في العدد 664
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-مارس-1984
إن الإسلام منهاج شامل للتحرر أو هو ثورة تحررية شاملة، إنه تحرير للبشرية من الطاغوت، طاغوت الشهوة والخرافات والاستبداد والاستغلال، وهو دعوة إلى التوحيد وما ينتج عنه من معاني المساواة، والعدل، والأخوة، والحرية، وحب الحق، إنه منهاج شامل للحياة، يوجب على المؤمنين ليكونوا صادقين في إيمانهم، وأن ينظموا حياتهم الخاصة على تنظيم الحياة عامة وفق إرادة الله التي كانت دعوة النبي العربي محمد -صلى الله عليه وسلم- آخر وأشمل تعبير عنها، والمتمثلة في القرآن والسنة.
- مبررات الدعوة للإسلام في مجتمعنا:
تنطلق هذه المبررات أساسًا من التناقض الصارخ الذي يحس به المؤمن إحساسًا حادًا بين الصورة المشرقة للإسلام التي تغمر كيانه، وبين الواقع الآسن الغارق في الوحل ميوعة، وانحلالًا، وتغريبًا ثقافيًا، وحيفًا اجتماعيًا، واستبدادًا سياسيًا، وولاء لا لله ولرسوله وللمؤمنين، وإنما للأهواء والمصالح والعصبيات والقوى الدولية الشيطانية، باختصار إن المسلم غريب، وإن غربته في هذا المجتمع تزداد على قدر نمو معارفه الإسلامية وانعتاقه من الاستلاب الثقافي، ولأن الإسلام يقتضي من معتنقيه أن يكونوا فعالين، إيجابيين، أصحاب رسالة، خلفاء لأمر الله في دعم قضية الحق والعدل والخير في العالم، ومطاردة الظلم والكفر- كان لزامًا على هؤلاء أن يجتمعوا على هذه الدعوة، ويتفقوا على منهاج في تقويم أنفسهم وواقعهم؛ فكان الاتجاه الإسلامي.
- منهاج الدعوة إلى الإسلام:
وإذا كان الإسلام ربانيًا فمنهاج الدعوة إليه في عمومه لم يترك للاجتهاد الشخصي، وإنما تولى الوحي والبيان النبوي تحديد ذلك المنهاج، ويتلخص هذا المنهاج في مرحلتين:
1 - مرحلة بناء المجتمع المسلم أو إعادة بنائه أو إصلاحه:
ومنهاج الدعوة في هذه المرحلة يتلخص في «البلاغ المبين والصبر الجميل» كما أوضحته عديد الآيات، والمرحلة المكية من السيرة النبوية؛ حيث كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يصدع بالحق في إبطال العقائد والمفاهيم الخاطئة، وما ارتبط بها من مظالم اجتماعية، ومفاسد خلقية، واستبداد سياسي، ويدعو إلى عقائد الإسلام مبشرًا بثمارها في سيادة العدل، والمساواة، والحرية، والسعادة في الدارين، متحملًا بكل صبر ما يلقاه من اضطهاد من القوى المضادة لحركة التغيير، رافضًا كل محاولة من أصحابه لرد العنف بالعنف، داعيًا إياهم لمواصلة الهجوم الفكري على رموز الجاهلية مع تحمل الأذى، والآيات في ذلك كثيرة، منها: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:125) ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر:94) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة:256) ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ﴾ (الشورى:48) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.(المعارج:5)
فكان حرص النبي وكل الأنبياء شديدًا على أن لا تلتبس دعوتهم في هذه المرحلة بأي تهمة عنف أو إكراه؛ تكريسًا لمبدأ حرية المعتقد والرأي، وحرموا بذلك القوى المضادة من أن يقوموا بأي ممارسة عنيفة تستغلها في التشهير بهم، فتقيم حواجز بينهم وبين الرأي العام، ووصفهم بالإرهابية والتآمر، وكان امتناعهم عن مجابهة القوة بمثلها -وهم قادرون على ذلك- تفويتًا للفرصة على الخصوم من ناحية، وآية على صدقهم من ناحية أخرى، إذ لا يصبر على البلاء والعذاب إلا صاحب عقيدة، فكانت مشاهد التعذيب المسلطة عليهم -وهم صامدون في تحدي قوى البغي- بمثابة المفجر للوعي الشعبي، وإقناعه بأن وراء قوة السلاح والمال قوة أعظم هي قوة الإيمان، فيتحول الرأي بدافع الإعجاب بالبطولة والثبات في وجه الطغيان، وبما فطر عليه الإنسان من كره للظلم إلى متعاطف مع أولئك الدعاة ومع ما يؤمنون به، ناقم على مضطهديهم، مستهين بسلطان الجور أمام قوة الحق، وبديهي أن صبر الدعاة على الأذى ليس دافعه استمالة الجماهير، وإنما انتظار الأجر من الله على الالتزام بنهجه.
لقد كان الأنبياء حريصين أن تجرد دعوتهم من كل تهمة إلا تهمة الإيمان ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. (البروج:8) ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر:28).
وهي تهمة تحرج القوى المضادة للتغيير؛ لأن الجماهير ترفض بفطرتها صاحب المبدأ لمجرد إيمانه بمبدأ ودعوته إليه ما تجنب استخدام القوة، فإذا كانت هذه الجماهير إسلامية -ولو من غير وعي- كان ذلك من باب أولى، وعندها ترى القوى المضادة للإسلام -ولو كانت ملحدة- تحرص على إظهار احترامها للإسلام، فكيف تضطهد الدعاة إلى الله؟ إنه لا بد من رميهم عندئذ بأية تهمة عدا أنهم دعاة للإسلام، ومن ثم فكم تكون فرحة تلك القوى عظيمة بتورط الدعاة أو بعضهم في ورطة العنف؟ فتلك فرصتهم الذهبية، وكم يكون ضرر الدعاة بدعوتهم فادحًا؟
فهكذا كان شأن الأنبياء في منهاجهم لإنشاء المجتمع المسلم، وهكذا تكون إعادة البناء كما أكد ذلك الإمام مالك: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، وفي هذا الإطار تجد كثيرًا من التوجيهات النبوية الداعية لتجنب استعمال العنف مع الحرص على الإصداع بكلمة الحق إذا فسدت أحوال المجتمعات، تجد تفسيرها لا على أنها دعوة للاستكانة، وإنما هي دعوة إلى تصحيح المفاهيم وتقويم الموازين مع التسلح بسلاح «الصبر جميل»، حتى يستعيد الشعب وعيه.
٢ - مرحلة قيام المجتمع المسلم: فإذا أثمر عمل التوعية الإسلامية؛ استجابة الجماهير في قطاعها العريض لهذه الدعوة، فرضيت بتحكيم الإسلام في حياتها، قامت للإسلام دولته، وكان عمل تلك الدولة أن تنفذ حكم الله، وتمارس مهامها في نشر العدل، ومنع الظلم بين رعيتها.
- مسألة الجهاد:
وكثيرًا ما ترد شبهة الجهاد عند الحديث عن انتشار الإسلام والدعوة إليه، مما يوهم بأن انتشار الإسلام وانتصاره لم يتم إلا باستعمال القوة.
والحقيقة أن القوى المضادة للإسلام، لإنسانيته، وعدله، ورحمته لم تستغل مبدأ في تشويه هذا الدين وصرف البشرية المضطهدة عنه، كما فعلت ذلك مع مبدأ الجهاد، ولقد ساهم المسلمون في استقرار هذه الشبهة، إما بعدم القيام بالبيان المبين من هذه المسألة، أو بقيامهم بأعمال غير واعية وغير مسؤولة، تتيح لخصومهم الفرصة في تصويرهم على أنهم إرهابيون، مع أنهم في الواقع ضحايا الإرهاب، فكان يكفيهم أن يبينوا للناس معنى الجهاد وهدفه، فالجهاد هو بذل الجهد في نصرة الإسلام، فكل جهد لنصرة الإسلام في أنفسنا أو واقعنا يراد به وجه الله هو جهاد.
والجهاد يتنوع بحسب المرحلة التي تمر بها الدعوة الإسلامية، ففي مرحلة بناء المجتمع الإسلامي أو إعادة بنائه -كما هو حالنا- لا يزيد الجهاد عن مجموعة الأعمال السلمية التي يقوم بها الدعاة من أجل تحقيق الإسلام في أنفسهم، وتوعية الجماهير بحقائقه، وتنفيرهم عن المفاهيم الخاطئة، وما يرتبط بها من ألوان الظلم والاستغلال، وتجميع صفوف المؤمنين، وتربيتهم على التحرر من عبادة العباد لعبادة الله وحده، وليس من عمل الدعاة هنا إقامة الحدود، وحمل الناس على قوانين الإسلام، طالما أن الناس لم يسلموا قيادهم للإسلام، فإذا رضيت الجماهير في قطاعها العريض تحكيم الإسلام؛ فقامت للإسلام دولته، مارست تلك الدولة سيادتها، ونفذت أحكام الله، فنشرت العدل، ومنعت الظلم والاستغلال والفساد ولو بالقوة.
وعلى اعتبار أن الدولة الإسلامية تقوم على رسالة أممية كان عليها أن تعمل على نشر الإسلام عن طريق «البلاغ المبين»، فإذا قامت في طريق الدعاة قوى طاغوتية تستبد بشعوبها، وتحول بينها وبين ممارسة حرياتها ومنها حرية المعتقد؛ كان على دولة الإسلام أن تقضي على العقبات بالأساليب المشروعة، لا لغرض فرض الإسلام على تلك الشعوب، وإنما لتمكينها من فرصة التعرف على الإسلام فتقبله عن بينة، أو ترفضه عن بينة بدون أي إكراه، فهنا ينضاف إلى معنى الجهاد معنى آخر هو القتال من أجل كسر القوى المهيمنة في العالم، وتمكين الشعوب من حق تقرير مصيرها بما فيه الموقف العقائدي.
لقد كانت حركة الجهاد بكل معانيه ثورة ضد الاستبداد والاستغلال، ودفاعًا عن مبدأ عظيم لم يعترف به العالم إلا في هذا القرن هو مبدأ حرية المعتقد والدعوة إليه، ولقد عاشت في ظل الدولة الإسلامية شعوب شتى ومذاهب شتى، لم تحمل على التنكر لعقائدها أو لغاتها.