; حسن البنا بعد ثمانين عامًا من مولده | مجلة المجتمع

العنوان حسن البنا بعد ثمانين عامًا من مولده

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1984

مشاهدات 61

نشر في العدد 665

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-أبريل-1984

ولد الإمام الشهيد حسن البنا في نفس العام الذي توفى فيه الشيخ محمد عبده وشهد في مطالع حياته مظاهر اليقظة الإسلامية التي كانت دعوة التوحيد بقيادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بدأتها في الجزيرة العربية ونماها المصلحون والعلماء؛ في سبيل تحرر العقيدة الإسلامية من الجمود والجبرية، في جاوه والهند ومصر والشام، وكانت «مجلة المنار» التي يصدرها الشيخ رشيد رضا نبراسًا على حركة الإصلاح التي قادها جمال الدين ومحمد عبده حيث انتشرت الدعوة السلفية إلى تونس والجزائر والمغرب، واتسع نطاقها في كل مكان وأصبحت تنتظر إمامًا يدفع مسيرتها إلى الأمام ويصحح خطواتها ويحررها من العقبات التي بدت تتجمع في طريقها كان المجتمع الإسلامي ينقصه أمران هامان:

أولًا: الالتقاء بين الطائفتين المختلفتين: أهل العقيدة وأهل التصوف.

ثانيًا: بروز الدعاة إلى الإسلام الاجتماعي وتجلية الشريعة وإعداد جيل من الشباب المثقف يؤمن بالإسلام «منهج حياة ونظام مجتمع» هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد مرت البلاد بدورين في مقاومة الاستعمار والنفوذ الأجنبي:

الدور الأول: هو الدور الوطني الذي قاده مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش وأمين الرافعي، وهي دعوة «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء» قبل الحرب الأولى.

الدور الثاني: هو الدور السياسي الذي قادته الأحزاب السياسية الذي قام على مفاهيم الالتقاء مع الإنجليز في منتصف الطريق.

وكانت الحياة السياسية الحزبية قد تدهورت في الثلاثينيات ولم تلبث أن وقعت أضخم مأساة في تاريخ الإسلام في العصر الحديث وهي سقوط الدولة العثمانية وقيام دولة أتاتورك العلمانية التي لم تلبث أن أسقطت الخلافة؛ فتمزق العالم الإسلامي إلى دول وأقاليم دفعها الإسلام إلى إحياء تاريخها القديم السابق للإسلام؛ فظهرت الفرعونية والفينيقية وغيرها وأستأسد النفوذ الاستعماري؛ فبدأت عمليات التبشير تجري على نطاق واسع داخل الجامعات والمؤسسات العلمية الأجنبية ومعاهد الإرساليات؛ كل هذا هز وجدان «الأستاذ حسن البنا» هزًا شديدًا؛ ودفعه إلى العمل؛ وكانت جمعية الشبان المسلمين قد ولدت وتشكلت؛ لتقاوم هذه التحديات وقامت بعدهما جمعية مصر الفتاة، ولكن كل هذا كان دون مستوى الأحداث التي كانت تتطلب مواجهة حاسمة في مختلف الميادين، وهكذا كان حسن البنا شأن الإخوان المسلمين هو: الثمرة الحقيقة لهذا الخطر الزاحف وقد استطاع هذا الرجل أن يحقق عددًا من الأعمال في مجال الدعوة الإسلامية كانت بمثابة الركائز الأساسية للبناء والأعمدة الكبرى للصحوة الإسلامية التي نشاهدها اليوم وكان أبرز ذلك كله أطروحته الخالدة: «الإسلام دين ودولة، عبادة، وقيادة مصحف وسيف» وبذلك أمكن تحقيق اللقاء بين عناصر الإسلام الثلاث: في نفوس الأجيال الجديدة.

  1. العقيدة «التوحيد» وكانت له جماعات مستقلة «الجمعية الشرعية وأنصار السنة».
  2. الشريعة الإسلامية.
  3. الأخلاق وهي التربية وتزكية النفس «وكانت لها جمعيات الطرق الصوفية»؛ وبذلك توحدت دعوة الإسلام في جيل جديد من المؤمنين بأمتهم ووطنهم الفقهين لدينهم القادرين على كشف الشبهات ودحضها وبناء المنهج الإسلامي عمليًا، وهم الذين حملوا السلاح في حرب ٤٨م وفي معارك القناة ١٩٥٢م بشجاعة مذهلة وإيمان بالاستشهاد في سبيل الله. 

وقد قامت الدعوة مرة أخرى على غرار الدعوة الأولى؛ تدعو إلى مفهوم الإسلام النقي، ويجتمع الناس حوله ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  (سورة النحل:١٢٥) ثم تحدثهم عن التاريخ الشامخ: تاريخ البطولة وبناء الحضارة الإسلامية، ثم تدعوهم إلى إحياء الوحدة الإسلامية التي عمل الاستعمار على تغريقها بالأقليات والقوميات، وإحياء التاريخ الوثني القديم، والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وجلاء مظاهر عظمتها، وتقديم شهادات خبراء القانون العالمين لها، والدعوة إلى فهم تربوي إسلامي سابق ومرافق للتعليم، وإقامة الاقتصاد الإسلامي ببناء مؤسسات غير ربوية وكان أول من أطلق اسم «المعاملات الإسلامية» على منشآت اقتصادية وتجارية فضلًا عن إنشاء المنشآت والمستوردات. ويمكن تلخيص شخصية الإمام حسن البنا في عشرة عناصر أساسية:

أولًا: منهج الدعوة الجديد المستغرب في ظاهره والذي لا ينتظر الناس حتى تأتي إلى المساجد أو دور الجمعيات، بل يذهب إلى الناس في مقاهيهم ونواديهم فيحدثهم و يهز مشاعرهم و يوقظهم من غفلاتهم، هذا في المدن، أما في القرى فتلك جولات واسعة في أربعة آلاف قرية من أسوان إلى الإسكندرية يتحدث فيها إلى الناس في المساجد فإذا مضى اليوم وضع عباءته على جسمه ونام في زاوية من المسجد حتى الصباح وطعامه لقيمات قليلة، فإذا أصبح الصباح انتقل إلى بلد آخر؛ حتى يفتح الله له دربه، قلوب المسلمين، وقد عمد إلى ذلك سنوات طوال دون كلل أو ملل أو ضيق في أيام الصيف شديدة القيظ تكون رحلة إلى قنا وأسوان، لا يبتغي من ذلك إلا وجه الله خالصًا.

ثانيًا: تقديم الإسلام في يسر وبساطة بعيدًا عن اختلافات المذاهب، وتعقيدات المتأولين والتماس مفاهيم الإسلام الأصيلة قبل وقوع الخلاف والابتعاد عن تعسيرات الكلام والاختزال والفلسفة وغيرها، وجمع الناس على كلمة الحق، وتوجيه أنظارهم إلى الأخطار التي تحيط بالعالم الإسلامي وبالمسلمين.

ثالثًا: توجيه كل مسلم إلى عمل يقوم به في خدمة الدعوة الإسلامية على قدر مقدرته وفي حدود تخصصه واختيار الشباب القادر على صناعة المفاهيم الإسلامية في القانون والاقتصاد والتجارة والتربية والاجتماع وفق أسلوب عصري وهي أولى الخطوات للكشف عن عظمة الشريعة الإسلامية وتميزها عن القانون الوضعي وبناء «المعاملات الإسلامية» عمليًا بإنشاء المؤسسات التي تقدم وفق مفهوم الإسلام.

رابعًا: القدرة على إقناع المثقفين بالأخطار التي تواجه البلاد الإسلامية من التبعية الفكرية، وذلك بالعودة إلى المنابع وإعلاء شأن الوحدة الإسلامية على الأقليات والدعوات القومية الغربية النهج، والتماس مفهوم الإسلام الأصيل والربط بين الوطنية والعروبة والإسلام ورعاية أهل الكتاب وحماية عباداتهم ورعاية إخوتهم وكيانهم.

خامسًا: الأخذ بالتدرج والمراحل والاستفادة من متغيرات الزمن والعصر والبعد عن مطامع الحكم، ودعوة القادة إلى العمل بالإسلام ومؤازرتهم في سبيل إصلاح المجتمع والدعوة إلى خلق المسؤولية الأخلاقية في العمل الاجتماعي، وتحريم الطمع والجشع وحماية مقدرات الأمة بالابتعاد عن الحرام والترف والإسراف.

سادسًا: البدء في نقطة الواقع وتحويله شيئًا فشيئًا إلى تحرر المجتمع الإسلامي من التبعية للتعدد الأجنبي في مجال الاقتصاد أو الاجتماع أو التربية والعودة إلى المنابع.

سابعًا: عدم مهاجمة القوى المعارضة ومحاولة كسبها وإقرار قاعدة كريمة تتفق فيما نلتقي عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه، والإيمان بأن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

ثامنًا: اصطناع أسلوب الإسلام الكريم في كل نقاش ومساجلة والبعد عن الجدل والعبارات غير المقبولة والارتفاع فوق النقائص والصغائر والسخرية والهجاء، والحفاظ على حد معين من فتح الطريق أمام الالتقاء فيما بعد.

تاسعًا: إقامة المجتمع الإسلامي في بيوت أنصاره والتماس عادات الإسلام في الزواج والوفاة والتعامل الفردي والاجتماعي، وسعي كل مسلم إلى أسلمة أسرته وأهله وأولاده والانتفاع بتعامل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه. 

وقد تابع الأستاذ حسن البنا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- في إقناع الناس واختيار أصحابه، والتعامل معهم وبناء المجتمع الإسلامي؛ فأحب أبناءهم وسماهم ودعا لهم وعاود السؤال عنهم كلما ألم بقراهم وساعدته طبيعة مرنة وذاكرة حية على حفظ الأسماء ومتابعة قضايا الأسر كلها سواء فيما يتعلق بأمور الحياة أو بالمدارس التي يدخلونها أو بالأعمال التي يلونها.

عاشرًا: مناداة الوجدان المسلم واستثارة الفطرة والصدق في أحاديثه الخاصة والعامة؛ فكان بذلك يكسب أكثر الناس خصومة للإسلام أو المختلفة معه.

حادي عشر: الاستعلاء عن المطامع المادية وبناء أنصاره على هذا المفهوم فيكون العمل كله خالصًا لله -تبارك وتعالى- محتسبًا المشاق والمتاعب عند الله في سبيل حماية كلمة الله وإعلائها في عصر غلبت فيه الماديات. هذه هي ملامح الصورة بعد ثمانين عامًا من مولد الإمام الشهيد وبعد خمسين عامًا من قيام الدعوة الإسلامية -رحمه الله- رحمة واسعة وأجزل مثوبته.

الرابط المختصر :