; ذكرى الرسول صلى الله عليه وسلم باقية ما بقي الدهر | مجلة المجتمع

العنوان ذكرى الرسول صلى الله عليه وسلم باقية ما بقي الدهر

الكاتب د. عبدالله الاندونيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981

مشاهدات 58

نشر في العدد 518

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-مارس-1981

لقد أثلج فؤادي انعقاد مؤتمرات السيرة النبوية، فتم لأول مرة في الإطار الإسلامي بباكستان فتركيا، فنتريث قدوم مؤتمر آخر في قطر بإذن الله تعالى.

فهذه تأتي عقب يقظة إسلامية شاملة، التي توحي بالوعي الإسلامي التام، وبالنهضة الإسلامية جمعاء. فمهمة الأديان السماوية قيادة شعبها وبذل الاستعداد التام من الناحية الثقافية والعلمية لتولي التوجيه والقيادة الفكرية والعقلية والروحية للمجتمع البشري.

وهذه الالتفاتة تؤذن من الأهمية بمكان، كما تدل على أنهم يولون الاهتمام بعبقرية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكل رجل على اختلاف طبقاته كرجل القوة مثلًا، سواء كانوا ممن يعملونها وبها صلة خاصة بأهم جوانب العزة التي كان الرسول يعمل لها وبها.

وقد كانت ذكراه في قلوب المسلمين الأولين ماثلة لا تخفى، حاضرة لا تغيب، يرونها في تاريخه، وفي جهاده، وفي أخلاقه، وفي إيمانه وشرعه، وكانوا يترسمونها بأنفسهم.. في حياتهم وأخلاقهم، وفي جهادهم، وفي إيمانهم وأعمالهم، فهي معهم أينما كانوا وكيفما كانوا، ولكن حينما طال الأمد وبعد العهد، ولمع زخرف المدنية الكاذبة، وتغلب الهوى، أخذت هذه الذكرى العملية تتقلص شيئًا فشيئًا حتى نسيت أو كادت، وصارت لا تذكر إلا إذا دخل شهر ربيع الأول وأعلن أنه شهر ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى كل فإني أرجو أن يجعل الله من هذه الذكريات الكلامية الوقتية سبيلًا إلى الذكرى العملية العامة في جميع الأوقات، وفي جميع الأعمال، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات: ٥٥).

الواقع أيها الإخوان أن ذكرى الرسول لها جانبان: جانب عام يشمل المؤمنين جميعًا، وهي ذكرى أخلاقه، وحسن معاملته التي أجملها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، وأجملها الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: ٤)، وجانب خاص، وهذا الجانب له في شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جهات متعددة قد اجتمعت كلها في شخصيته عليه السلام، وهي لا يمكن أن تجتمع في غيره، وإنما توزع على الناس توزيعًا.. فهو صلى الله عليه وآله وسلم قد كان عاملًا بالأجر يرعى الغنم لغيره، ويتجر لغيره، فيحسن رعيه، ويحسن أمانته، وهو بذلك كان خير قدوة للعمال.

وهو قد كان داعيًا إلى الإسلام، يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن، وهو بذلك كان خير قدوة للدعاة والمرشدين.

وهو قد كان مجمعًا لإخوانه وأتباعه، مؤلفًا لقلوبهم، حريصًا على خيرهم، رؤوفًا بهم، وهو بذلك كان خير قدوة للزعماء الذين يقفون في خير أمتهم.

وهو قد كان قاضيًا عادلًا، وحاكًما منصفًا.

لا ترده عن عدالته أبوة أو بنوة، وهو بذلك كان قدوة للقضاة والحكام.

وهو قد كان محاسبًا لعمال المصلحة العامة يأخذ منهم ما أخذوه باسم الوظيفة، ويترك لهم ما اكتسبوه باسم أشخاصهم، وكان يدير توزيع ماليته على مصارفها دون حيف ولا محاباة، وهو بذلك كان خير قدوة للمحاسبين والمديرين.

وهو بعد ذلك كله كان يرتب الجيش، ويعين المواقع، ويختار الأماكن الأنسب، وكان يستعرض الجنود، ويستعرض السلاح، ويتقدم الصفوف، ومواقفه في غزوتي أحد والخندق لا تخفى على أحد، فقد كان في أحد أقرب المجاهدين إلى العدو، وكان يتقي به أصحابه، وكان في غزوة الخندق -وهي المعروفة بغزوة الأحزاب- يعمل مع أصحابه في حفر الخندق الذي أشار به سلمان الفارسي في شمال المدينة، وكان ينقل التراب بنفسه متمثلًا بشعر ابن رواحة:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا 

فأنزل سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا *** وإن أرادوا فتنة أبينا

فإذا وصلنا إلى هذا الجانب، عرفنا الجانب الذي يخصكم كرجال جندية من ذكرى الرسول عليه السلام، ويا حبذا لو أن كل طائفة ذات اختصاص معين من جوانب ذكراه، اتخذت من ذكراه الجانب الذي يمسها ويتصل بها؛ فالعمال يعرفونه كعامل محسن أمين، والدعاة يعرفونه كداع مؤثر حكيم، والزعماء يعرفونه كزعيم مؤلف حريص، والقضاة يعرفونه كقاض عادل منصف، والمشرعون يعرفونه كمشرع نافذ البصيرة، والمحاسبون يعرفونه كمحاسب دقيق، والبلغاء يعرفونه كبليغ يمتلك القلوب، والمحاربون يعرفونه كمحارب ظافر منتصر.

لو عرفناه هكذا لوجدت ذكراه ماثلة عند جميع الطوائف في أعمالها واتجاهاتها في الحياة، وإذا وصلنا إلى التوزيع في نواحي الاعتبار بذكراه عليه السلام هكذا، ودخلنا مصنع الطيران عرفنا تعاليمه التي تضمنها وحي الله إليه فيما يختص بإعداد القوة التي أمر الله بها في أبرز آية من كتابه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (الأنفال: ٦٠) والتي أصبح الطيران من عناصرها الأولى، بل أصبح هو العنصر الوحيد الذي تتنافس فيه اليوم الأمم، وبالتالي عرفنا كيف ذكر الله في كتابه «القوة» ومادتها، وهي الحديد الذي سميت باسمه في القرآن سورة كاملة، وفيها يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (الحديد: ٢٥) ثم تختم بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد: ٢٥) عرفنا كيف يقص الله علينا خبر ذي القرنين «الملك الصالح» إذ قال لمن شكوا إليه إغارة المفسدين عليهم: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (الكهف: 94، 95) ويذكرهم بمادة الحديد، مادة القوة وحاجته إليها: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ  (الكهف: ٩٦- ٩٨).

ولعل هذا لا يبعد كثيرًا عن كيفية إقامة الحصون المعروفة الآن لرد غائلة المعتدين، وعرفنا كيف يمتن الله على نبيه داود بوسائل القوة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ (سبأ:10) الدروع الواقية، ويمتن على سليمان بما هيأ له من وسائل تسخير الريح: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ (سبأ: ١٢).

إذن فمعمل الطيران، ومعمل القنابل، ومعمل المصفحات.. إلى آخر ما تعرفون، إنما تعمل في جانب من جوانب ذكرى الرسول وحياته عليه السلام، وإذا ربطت طوائف المؤمنين أنفسهم في أعمالهم بما يخصهم من جوانب هذه الذكرى عظمت ثقتهم بأنفسهم، وعظمت مكانتهم عند الله، وكانت لأعمالهم النتائج التي ترضي صاحب الذكرى، وكانت حياتهم كحياة الأولين كلها ذكرى، وكانت الذكرى دائمًا حية في القلوب وماثلة في الحياة.

الرابط المختصر :