; منتدى المجتمع.. كيف تخدم وسائل الإعلام المختلفة الدعوة الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان منتدى المجتمع.. كيف تخدم وسائل الإعلام المختلفة الدعوة الإسلامية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1987

مشاهدات 60

نشر في العدد 801

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-يناير-1987

  • المشكلة المادية من أخطر المعوقات أمام إنتاج أفلام أو مسلسلات ذات طابع إسلامي، فلابد من وجود شركات إنتاج إسلامية تستطيع أن تتحمل تكاليف الإنتاج الباهظة.
  • مرتزقة النقد الفني يرفعون أفلامًا هابطة إلى قمة الشهرة مقابل أجور يقبضونها من المنتجين الذين يهمهم قبل كل شيء الترويج لأعمالهم الفنية.
  • الفيديو خدر المواطن العربي وجعله يجلس في بيته ويشاهد الأفلام لينسى همومه وآلامه وأول هدية يختارها الصعيدي لأهله بعد عناء الغربة هي الفيديو.
  • الكنيسة تصرف أموالًا طائلة لإنتاج أفلام ومسلسلات تبشيرية عن طريق طرح فكرة الإخاء والمحبة وغيرها مثل مسلسل سيبستيان، وتقدم الكنائس في أميركا جوائز سنوية لأحسن فيلم يدعو إلى المبادئ النصرانية.

نشرنا في العدد الماضي الجزء الأول من المنتدى الذي دار حول موضوع وسائل الإعلام وشرعية استخدامها في الدعوة الإسلامية، وفي هذا العدد ننشر الجزء الثاني من المنتدى، وموضوعه: كيف تخدم وسائل الإعلام المختلفة الدعوة الإسلامية، وقد شارك فيه كل من الدكتور عبدالعزيز المنصور والأستاذ فاروق عبدالعزيز.

المجتمع: كيف تستطيع وسائل الإعلام أن تقوم بدورها في خدمة الإسلام؟

د. عبدالعزيز المنصور: هذا السؤال قد يكون بسيطًا في لفظه، ولكن الإجابة عنه تعني الكثير.. في رأيي كان المفروض أن يطرح السؤال كالآتي: هل تقوم وسائل الإعلام الحالية بخدمة الإسلام؟ أو بمعنى آخر: هل من أهداف وسائل الإعلام الحالية خدمة الإسلام؟ مثلًا عندنا في الكويت دستور الدولة يقول: دين الدولة الإسلام، وهو مصدر التشريع الأساسي، ولا شك أن مجتمعًا كالمجتمع الكويتي نسبة المسلمين فيه 100% تعني أن وسائل الإعلام يجب أن تكون إسلامية تخضع في مبادئها للقرآن الكريم والسنة المطهرة، لكن هذه المبادئ في التطبيق العملي نجدها تختلف بين فترة وأخرى. حاليًا تمثل البرامج الإسلامية نسبة كبيرة، لكن هناك برامج ومسلسلات تعرضها وسائل الإعلام الكويتية تعتبر في عرف كثير من الناس غير إسلامية. ولكي تكون وسائل الإعلام في خدمة الإسلام يجب أن نحدد أهدافنا من هذه الوسائل.. إلى الآن وسائل الإعلام عندنا في العالم الإسلامي تشتغل في ظل أهداف مرسومة لها لخدمة المجتمع لتثقيفه أو ترفيهه من خلال المنوعات الترفيهية، وأستطيع أن أقول بأن وسائل الإعلام في الكويت تعمل لأن تكون إسلامية 100%، وما نراه بين فترة وأخرى مجرد رؤية شخصية قد يرى العاملون في الإعلام أن ما يقدم من أفلام ومسلسلات ما هي إلا للترفيه على الناس وليس للتدمير كما يراه البعض من الناس. في الحقيقة إن وسائل الإعلام في الكويت سواء كانت إذاعة أو تليفزيونًا تحرص على ألا تخرج عن أهداف المجتمع الكويتي، والتي من ضمنها تربية هذا الجيل تربية إسلامية، إنها تحرص على ألا تبث الجريمة والمخدرات، ولذلك عندما تقدم أعمالًا فنية تشملها جريمة تجد أن الخير ينتصر دائمًا على الشر في النهاية.

أما عن سؤالكم المطروح: كيف تستطيع وسائل الإعلام أن تخدم الإسلام؟ أقول إن القصد من خدمة الإسلام هو دعوة غير المسلمين إلى حظيرة الإسلام، فهذا شيء، وأما إذا القصد هو دعوة المستمعين من المسلمين فهو شيء آخر، وما أستطيع أن أقوله في هذا الصدد هو أن وسائل الإعلام في الكويت تقترب من خدمة الإسلام وأغلب العاملين فيها من ذوي الاتجاه الإسلامي وليسوا من ذوي اتجاه علماني أو إلحادي 100%، فكلهم يصلون ويصومون وليست عليهم شوائب لجعلهم يحيدون عن هدف المجتمع الكويتي.

الأستاذ فاروق عبد العزيز: قبل أن أدخل في صلب الموضوع أريد أن أشير إلى قضية جوهرية وهي قضية الصورة وعلاقتها بالإسلام، فهناك تعارض رئيسي بين المفهوم الإسلامي لهذه القضية وبين المجتمع الإسلامي الذي نعيشه، والأحاديث التي تصور عذاب المصورين يوم القيامة مشهورة، ولم تحسم هذه القضية حتى الآن. وعندما ظهرت الإذاعة سنة 1932 ظهرت فتوى من الأزهر تقول بأن الإذاعة حرام! لكن منذ الخمسينيات استقر الأمر على أن الإذاعة وسيلة عظيمة لخدمة الإسلام. أما قضية التلفزيون والسينما فلم تحسم حتى الآن، وكثير من الناس يقولون نحن لا نشاهد التلفزيون وغيره لأنها من الملاهي التي تلهي الإنسان عن ذكر الله. إذن السؤال المطروح: «كيف نسخر هذه الوسائل لخدمة الإسلام» يخص المعنيين بوسائل الإعلام من منتجين وعاملين في مجال الإعلام، ولكن ما المادة التي يمكن أن نصفها بأنها إسلامية؟ هل هي مثلًا شیخ مثل الشعراوي يظهر على الشاشة ويلقي دروسًا دينية على الناس، أم هي مسرحية دينية عن حدث إسلامي قيم مثل فتح مكة، أم هي مسلسل إسلامي تدور أحداثه في فترة من العصر الإسلامي، أنا في رأيي أن الإجابة الصحيحة هي أنه يجب أن تكون هي جميع البرامج التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة متطابقة مع تعاليم الإسلام وقيمها، أي أن نجعلها تؤدي رسالة إسلامية. هناك بعض المسلسلات التي تسمى إسلامية ولا علاقة لها بالإسلام من حيث صناعتها، بحيث تكون من الرداءة بشكل لا يقنعني بأنني أعيش في عصر إسلامي، فالمسلسلات الإسلامية كي تخدم الإسلام لابد أن تكون على مستوى إنتاج حقيقي ممتاز، في الإذاعة يمكن للمسلسل الإسلامي أن يستخدم المؤثرات الخاصة ليؤدي أهدافه، بينما في التلفزيون أعتقد أن معظم المسلسلات الإسلامية تنتج بشكل تجاري. دعني أذكركم بفيلم الرسالة للعقاد.. إنه فيلم جيد بسبب جودة صناعته الفنية وقد أثمر هذا الفيلم وأدى دوره في خدمة الإسلام، ففي فرنسا أعلن 13 شخصًا إسلامهم بعد مشاهدتهم لهذا الفيلم وعندي أسماؤهم، ولا شك أن هذا كان أول عمل إسلامي حقيقي يشاهدونه، والذي أود أن أقوله هو إن الإنتاج الجيد للأعمال الفنية الإسلامية يعتبر دعاية للقيم الإسلامية يجب أن ندعو له في وزارات الإعلام في العالم الإسلامي أو لدى المنتجين الأفراد، وأتساءل: لماذا لا يدخل المسلمون بثقلهم في مجال الإنتاج وينتجون أعمالًا تكون جيدة وإسلامية فلا تجد فيها امرأة عارية أو قبلات أو أي خروج عن تعاليم الإسلام، إن الإسلاميين مدعوون للعمل في هذا المجال ولا يجوز أن ينتظروا أعمالًا فنية إسلامية من الآخرين دون أن يشاركوا هم أيضًا في الميدان.

المجتمع: ما المعوقات التي تحول دون إخراج مسرحية أو غيرها تعالج القيم الإسلامية بشكل جيد وبإنتاج جيد؟ وبمعنى آخر: لماذا ليست لدينا القدرة حتى الآن على خدمة الإسلام عبر وسائل الإعلام المختلفة؟

د. عبدالعزيز المنصور: أهم معوق أمام العمل في التلفزيون هو المعوق المادي فالعمل في التلفزيون مادة مكلفة تحتاج إلى أموال طائلة، والمنتج العربي أصبح مغامرًا إذا أنتج، فالمال الذي يدفعه في الإنتاج لا يرجع له في الوقت المناسب بل بعضهم ينتظر سنوات حتى يسدد له المبلغ، أما الإنتاج الأجنبي فتموله شركات كبرى لها رأسمال ضخم، فمتى وجدت شركات إنتاج إسلامية نستطيع أن نضمن وجود إنتاج إسلامي جيد يبدأ بالعالم العربي ثم يترجم إلى لغات أخرى تستعمل في بقية بلدان العالم الإسلامي. الإنتاج من أكثر المهن التي تدر أرباحًا، الإحصائيات تثبت ذلك، حيث إن بعض الأرباح قد تصل إلى 100% لكن أرباح الإنتاج تأتي متأخرة جدًا ولابد للإنتاج الرابح من شركات كبيرة.

وقد انتبهت الكنيسة إلى ذلك لأنها تؤدي رسالة فهي تملك الأموال وتصرفها في إنتاج بعض الأفلام للأطفال مثل مسلسل سيبستيان، وتطرح الكنيسة في إنتاجها الفني فكرة الإخاء مثلًا، وتعالجها حسب وجهة نظر نصرانية، وتنتج الأفلام والمسلسلات وتنتظر على مدى عشرين أو خمسين عامًا لكي تربح، وفي الوقت نفسه تؤدي رسالتها التربوية التبشيرية.

إلى الآن لا يوجد في العالم الإسلامي إلا مغامر، وكل الشركات التي تأسست في العالم العربي على مدى ست سنوات هي شركات مضاربة، وكثيرًا ما يخسرون في هذه المضاربة، وستظل وسائل الإعلام من تلفزيون وسينما وإذاعة في العالم العربي والإسلامي تقدم الإسلام بصورة شائهة لأنهم يريدون مسلسلًا مثلًا بـ10 آلاف دينار في حين يطلب المخرج 100 ألف دينار لنفس العمل، فأغلب الذين يعملون في السينما هم تجار يريدون الربح السريع، إذن فالمال هو المعوق الأول أمام إنتاج أعمال تخدم الإسلام. أما المعوق الثاني فهو نوعية العاملين في وسائل الإعلام، فأغلب الذين يعملون في الإعلام ثقافتهم مدرسية، ليست هناك هيئات تهيئ خريج السينما والمسرح وتعطيه دورات في الثقافة الإسلامية ليتبنوا هذه الأفكار.. كليات الإعلام في العالم العربي لم تصل حتى الآن إلى الحرفية، بل تخرج نظريين ولا تتبناهم، فكثير منهم يعملون بعد تخرجهم في العلاقات العامة أو الاستعلامات.. إن الإعلام هو الدراسة العملية، فهذا العامل سيظل معيقًا حتى تتحول كليات الإعلام في العالم الإسلامي إلى حقل تدريب ويتحول رجل الإعلام إلى حرفي، هناك معوقات أخرى لكني لا أعتقد أنها أساسية مثل نظم الحكم في العالم الإسلامي.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: لست متفائلًا من ناحية الإنتاج السينمائي أو التليفزيوني، فغالبية المنتجين في العالم العربي والإسلامي يتدهورون من ناحية المستوى الثقافي ولا يفهمون اسمه رسالة أو حرفة في الحقيقة، فما عليه هؤلاء المنتجون يصيب المرء بإحباط شديد ليس فقط من وجود عمل إسلامي ولكن من وجود عمل متقن على الإطلاق، فأينما تذهب في العالم العربي تجد نفس المادة المكررة، فقد كنت في اجتماع مع نقابة السينمائيين في القاهرة منذ قريب، وقد طالبت النقابة بعدم تصدير هذه الأعمال لأنها ليست مسيئة للمجتمع المصري أو للدين الرسمي للدولة فحسب، بل هي للبشرية جمعاء.. إنها فضيحة.. ولا أدري كيف تبيح الرقابة مثل هذه الأعمال.

إن إنتاج أي عمل متقن عن فترة تاريخية إسلامية يتطلب الكثير من المصاريف والملابس والديكورات حتى تضاهي المعايير الغربية التي تعتبر أنها في القمة.. لا يوجد منتج واحد من القطاع الخاص يستطيع أن يمول فيلمًا بهذا الحجم، فمثل هذا المنتج يستأجر أستوديو لمدة أسبوعين ودون إجراء أي دراسة من الناحية الفنية أو غيرها، لقد رأيت المهازل في تصوير بعض ما يسمى مسلسلات إسلامية، فالمنتج كان واقفًا يراقب ساعته لأنه يدفع للأستوديو بالساعة، فإذا أخطأ ممثل في دوره لا يعاد للتصحيح، لأن ذلك سيأخذ من الوقت.. إنه منطق الساعة والربح السريع!

قديمًا كانت هناك منتجة لبنانية الأصل اسمها «آسيا» وأنتجت فيلم صلاح الدين الذي كلفها مبلغ 180 – 200 ألف جنيه مصر منذ عام 1960، مع العلم أن إنتاج الفيلم في مصر آنذاك ما كان يكلف أكثر من 20 ألف جنيه وإلى هذه اللحظة لم تسدد المبالغ كاملة إلى ورثة هذه المنتجة رغم نجاح الفيلم ومحاولة توزيعه بشكل جيد.

في رأيي أننا إذا أردنا أن ننتج فيلمًا تاريخيًا على مستوى رفيع لابد أن تشارك في إنتاجه الدولة، لأن الأفراد المنتجين لا يتحملون التكاليف الباهظة.. يجب على الرقابة في تليفزيونات العالم الإسلامي والعربي أن تقوم بدور فعال في توجيه المنتجين نحو إنتاج أعمال لا تتعارض مع تعاليم الإسلام.

إن تلفزيون الكويت من التلفزيونات القليلة التي تعرض الأذان مع مشاهد طبيعية وأعتقد أن هذا تطور هائل لأن تلك المناظر الطبيعية تجعل المشاهد يتأمل في خلق الله ويذكر الله دائمًا ولا يكون هذا التأثير إذا عرضنا صورة مسجد مع الآذان، أقصد من هذا أنه يجب أن نطور أعمالنا الفنية الإسلامية من حيث الصناعة والدقة التاريخية.

المجتمع: لا شك أن المال عنصر أساسي في الإنتاج الفني السينمائي، ولكنه يقل كثيرًا في الإنتاج الإذاعي والمسرحي سواء كان تاريخيًا أو حضاريًا.. إن مسرحية مثل «مأساة الحلاج» التي عرضت في 1968 كانت على درجة راقية في المضمون والمعالجة ذكرتنا بالمعالجة والمضمون الذي تناوله فيلم «رجل لكل العصور» والذي يروي قصة توماس مور في مواجهة هنري الثامن. إذن بالإمكان من خلال الوسائل التي لا تكلف كثيرًا أن نقدم عملًا يخدم الإسلام، ألا ترون أن مؤسسة الإنتاج للبرامج المشتركة قد تكون مؤهلة لأن تمارس دورًا في هذا المجال كما نجحت في برنامج «افتح يا سمسم» و«سلامتك».. نريد أن نقول: لماذا لا نجرب الإذاعة والمسرح في إنتاج أعمال ضخمة مع أن لدينا الإمكانيات المالية؟

د عبدالعزيز المنصور:

إن مسرحيات «الحلاج» أو «القضية» أو «الحاكم بأمر الله» مثلت بدعم مالي لا يستطيع المنتج العادي أن يتحمله.. المنتج يفضل أن ينتج مسرحيات كوميدية تدر عليه أموالًا لسنوات عديدة مثل مسرحية «مدرسة المشاغبين» أو «الولد الشغال» أو غيرها. المال هو الأساس في المسرح، فهذا المال يعطي للمخرج الجيد والكاتب الجيد والممثل الجيد الذين على مستويات عالية. كذلك بالنسبة للإذاعة فالتي لا تملك ميزانية كافية لا تستطيع أن تكون على مستوى عال. لأنها لا تستطيع أن تدفع أجور مخرجين أو کتاب أو ممثلين جيدين. فعلى سبيل المثال برنامج نافذة على التاريخ وبرنامج نجوم القمة تكلف ضعف ما يعطي المنتج للكاتب أو المخرج أو الممثل في إنتاج عشر حلقات. فالمال لا يزال العصب الغليظ في المسرح والإذاعة إذا أردنا أعمالًا ممتازة. أما بالنسبة للمؤسسة لإنتاج البرامج المشتركة فإنها أنشئت لتنتج أعمالًا خاصة، فمثلًا تنتج برنامج «سلامتك» على حساب وزارة الصحة، وبرنامج «قف» على حساب وزارة الداخلية وهكذا..

المجتمع: يرى كثير من المتدينين أن الوسط الفني وسط فاسد لا يشجع على الدخول فيه.. فهل هناك خصومة بين الفن والإسلام كدين في رأيكم؟

د. عبدالعزيز المنصور: إن مشكلة مجتمعاتنا الإسلامية هي أنها تضخم القضايا الخلقية، فمثلًا إذا تورط أي فنان في قضية من القضايا تجد الصحافة مادة دسمة لها لأن الفنان تحت الأضواء، وهذا من العوامل التي تساعد على محاربة الفن والفنانين عندنا، لكن في المجتمعات الأخرى تختلف النظرة إلى الفنانين عن مجتمعاتنا حيث ينظر إلى الفنان في تلك المجتمعات على أنه خريج معاهد وجامعات ويحملون مؤهلات عالية، وفي المجتمع الغربي ينظرون إلى الفنان نظرة احترام، على سبيل المثال نشرت مجلة المجتمع عن فنانة كانت تتاجر في المخدرات.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز:

هناك وسائل أخرى للدعوة الإسلامية غير المنابر، والفن أحد تلك الوسائل عندما يقوم برسالته في هذا المجال، نجد الكنائس في أميركا وعلى اختلاف مذاهبها تتفهم هذه القضية جيدًا. فالمركز الكاثوليكي الدولي يقدم في كل مهرجان دولي جائزة لأحسن فيلم يدعو إلى القيم النصرانية. كذلك في مصر تقدم الكنيسة جائزة لأحسن فيلم يدعو إلى الأخلاق على المفهوم النصراني. إذن نجد هنا أنه لا توجد خصومة منهجية بين الفن والدين، لأنه من المفروض أن يدعو الفن إلى الخير والحق وكل القيم والمثل التي يدعو إليها الإسلام، فليس هناك تناقض يذكر بين الدين والفن، ويجب أن نستغل عناصر التقارب بينهما عندما تلاقينا بعض الشبهات حول بعض المواضيع، فالضرورات تبيح المحظورات لأننا نعيش في عصر أصبح الفن يصل إلى كل إنسان بالقوة. فالقضية تتعلق بالتطبيق، أي إن عداء التيار الديني للفن ليس لجوهر الفن ولكنه في التطبيق، فأغلب ما نشاهده الآن يسيء إلى الدين والفن أيضًا، فما نشاهده اليوم فيه تلهية عن ذكر الله وتكريس لأفكار مضادة للإسلام، حيث يعرض التلفزيون حديثًا دينيًا لشيخ من الشيوخ لمدة معينة، ويعقبه مباشرة مسلسل يناقض تمامًا ما كان الشيخ يدعو إليه من أخلاق وقيم. كذلك ما ينشر في المجلات والصحف من فضائح وصور خليعة لممثلات هابطات، فعلى سبيل المثال فضيحة ماجدة الخطيب كانت صدمة لدى رجل الشارع على اعتبار أن الفنان يجب أن يكون قدوة حسنة، لأنه يعيش تحت الأضواء.. إن الفنان عندما تهتز صورته يؤدي ذلك إلى ردود فعل عكسية تجاه الشباب المتدينين خاصة.

المجتمع: هل هناك تجارب فنية جديرة بأن تكون نموذجًا للاستشهاد على نجاح الإعلام في خدمة الإسلام عبر جميع وسائله الفنية من سينما وتليفزيون ومسرح؟

د. عبدالعزيز المنصور: لا شك في أن هناك نماذج جيدة كثيرة لكن هذه النماذج تختفي وتصبح مجرد شواهد على الطريق، فالمفروض أن تكون النماذج الجيدة هي القاعدة وما سواها هي الشواذ، لكن انقلب الميزان والنماذج الموجودة حاليًا أغلبها غربية في الإذاعة هناك أعمال جيدة مثل برنامج «طريق النور» وكذلك برامج إذاعة القرآن الكريم، لكن المشاكل التي تواجهنا تكون عن وضع الموسيقى أو صوت المرأة هل هو حلال أم حرام؟ فهذه المشاكل لم يبت فيها العلماء إلى الآن. إن البرامج الدينية الجيدة التي تقدمها الإذاعة تعتبر غير كافية أمام الكم الهائل من البرامج الأخرى.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: هناك تجربة الدعوة المباشرة كما هو الحال بالنسبة لفيلم «الرسالة»، فهو عمل مباشر موجه للمسلمين وغيرهم، فكلما شاهده المسلمون يشعرون بانبعاث الدين من جديد. وهناك فيلم «عمر المختار» وهو شخصية تاريخية مسلمة، وفيلم «صلاح الدين» كذلك وإن كان لا يصل إلى درجة فيلم عمر المختار من الناحية الإنتاجية، وأنا لي مبدأ وهو أن أي عمل فني متقن يضيف جديدًا إلى رصيد القيم والأخلاق، وفي مجال المسرح هناك نموذج مسرحية الحلاج التي أنتجت عام 1968، وهناك أيضًا مسرحية «بلدي بلدي» عرضت في القاهرة 1968-1969 وكانت عن شخصية السيد أحمد بدوي أحد رجال التصوف في مصر، وفي الكويت توجد نماذج عديدة في أعمال صقر الرشود مثل «حفلة على الخازوق» و«على جناح التبريزي» وهي تدعو إلى تحقيق العدالة والقيم الإنسانية، وكل تلك الأعمال تعتبر نماذج متقنة الصنع.

المجتمع: يبدو أن حديثنا موجه للتجربة المصرية في السينما العربية، ألا ترى أن هناك أفلامًا جيدة في السينما العربية الجزائرية كفيلم «رياح الأوراس» و«سنوات الجمر».. ألا ترون أن بإمكان السينما العربية أن تقدم أفلامًا ذات مستوى رفيع كما فعلت الجزائر مثلًا؟

د. عبدالعزيز المنصور: إننا لا نزال نحلم بمثل هذه الفكرة، ولا يزال المنتج عندنا حتى الآن يحسب حساب شباك التذاكر، قبل أن يقدم على إنتاج أي فيلم. والأمثلة التي ضربتموها هي أعمال قامت بها مؤسسات حكومية، والمؤسسة الحكومية تنفق مليون دينار ولا تسأل إن كان عائد الفيلم 10 آلاف دينار أم أكثر. أما المنتج العربي فإنه يبحث عن أرخص مخرج وأرخص ستوديو وأرخص وسائل إعلام حتى يجمع أكبر كمية من الأرباح.

والتجارب الحكومية بدأت في مصر عند تطبيق النظام الاشتراكي، وكذلك في الجزائر، لكن التجارب الحكومية توقفت في كلا البلدين، لأن البقاء للأصلح والأصلح هو المال واستثماره. ومثل هذه التجارب التي تحمل أفكارًا إنسانية تخلت عنها الحكومات لأنها تسبب لها المشاكل، وفيلم الأوراس لو عرض الآن في الكويت مجانًا لما دخل فيه شخص واحد! ولو عرض فيلم عن سباق السيارات أو الفك المفترس لكان إقبال الشباب عليها جماهيريًا لأنها سمة العصر الحالي، ومثل هذه الأفلام لا يواجهها إلا وجود مؤسسات ذات أهداف سامية، وحتى الآن لا توجد تلك المؤسسات، ولو طلبت من أي منظمة إسلامية أو مؤسسة تتحدث باسم الإسلام أن تنتج فيلمًا إسلاميًا اعتذرت واعترضت فهي تكتفي فقط بإرسال المصاحف والكتب الإسلامية للدول الإسلامية.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: يا ليت المنتجين المسلمين ينتجون أفلامًا جيدة، إنها مجرد أمنيات تكاد تكون مستحيلة في الواقع، إلا إذا قيض الله لنا مليونيرًا يؤمن بإنتاج أعمال إسلامية مباشرة، أو أفلامًا عن قيم إنسانية تخدم مبادئ الإسلام دون انتظار لعائد للربح من الأعمال، لكن لا يوجد في العالم العربي كله أي مؤسسة قادرة على إنتاج مثل هذا العمل حتى في القطاع العام. فمثلًا «وقائع سنين الجمر» أنتج لواقع سياسي وتمويل وطني في الجزائر، وفعلًا كلف أموالًا طائلة، وكان رائعًا ونال الجائزة الكبرى في مهرجان «كان» بفرنسا، لكن الفيلم لم يوزع إلا في الجزائر وفرنسا لأن القائمين على القطاع العام موظفون وانتشار الفيلم وتوزيعه لا يهمهم. وتجارب القطاع العام بشكل عام لم تنجح في العالم العربي، ففي العراق مثلًا عندما أراد القطاع العام إنتاج أفلام إسلامية في عام 1978 تم وضع الخطة على أساس إنتاج أفلام عن التاريخ الإسلامي مثل موقعة القادسية واليرموك وغيرهما، وكان أول أفلام هذه الخطة فيلم القادسية، وكانت الفكرة موجودة قبل الحرب ولسوء الحظ لم يكمل الفيلم، لأن الحرب بدأت بين إيران والعراق ثم فسر الفيلم للصراع الدائر بين الدولتين.

المجتمع: ما هو أثر الإنتاج الفني العربي والعالمي في تشكيل الشخصية العربية والإسلامية اليوم؟ وما أثر الإذاعة وأشرطة الفيديو والسينما على المواطن العربي؟

د. عبدالعزيز المنصور: لا شك أن الشخصية العربية قد تأثرت ما حدث لها منذ الخمسينيات، وأدى ذلك إلى إحداث تغيير جذري على تلك الشخصية حسب خطة مرسومة من الخارج حققت مع الأسف الشديد أهدافها في بداية الخمسينيات، شهد العالم العربي ثورات وطنية جعلت المواطن العربي يعيش في أمل.. أمل الوحدة العربية.. أمل الانتصار على العدو.. أما الآن فالمواطن العربي يعيش ليعرف كيف يضمن قوته وقوت عياله ويغلق باب بيته مرتاح البال، إذن فشخصية المواطن العربي وصلت إلى ما أراده منها الغرب وهو نسيان قضيته المصيرية.. أذكر عندما كنا طلابًا وزرنا القدس.. كنا نعيش بأمل الانتصار والتحرير، أما الآن بعد أن احتلت كل فلسطين وأجزاء كبيرة من العالم العربي فقد تغيرت أمنيات المواطن العربي، وأصبحت شخصية المواطن العربي الآن خانقة مستسلمة لا تريد إلا أن تأكل وتنام! وحتى هاتين الأمنيتين لم يحصل عليهما المواطن العربي.. قد يكون الفيديو وما تسمعه عن أفلام الجنس والخلاعة هي حالات شاذة ونادرة وليست قاعدة.. إن ما يقال عن تأثير الإنتاج الفني المستورد على المواطن العربي ليس بصحيح 100٪ هناك تأثير لهذا الإنتاج في المجتمعات الإسلامية لكنه ليس 100%، فالشخصية العربية مازالت لها مقوماتها، لكن الذي تأثر فيها هو أوضاعها المعيشية، وجاء الفيديو ليخدر المواطن العربي حتى ينسى همومه وآلامه، وقد تأثرت بعض مجتمعاتنا بما تعرضه أشرطة الفيديو مثل مجتمع بيروت، فالناس يغلقون أبوابهم في الساعة الخامسة مساء ويسهرون على أشرطة الفيديو.. فالعامل الصعيدي أول هدية يأخذها لأهله الفيديو.. فبعض القيم قد تغيرت في مجتمعاتنا بسبب هذه الأشرطة لكنه ليس تأثيرًا 100% لكن بعد خمس سنوات قد يكون التأثير بالغرب أسوأ مما هو عليه اليوم، فقد تفتح محطة التلفزيون بعد خمس سنوات على قناة إيطالية أو ألمانية فإذا هي تعرض فيلمًا جنسيًا لا تستطيع الرقابة أن تمنعك من مشاهدته، وذلك نتيجة لتطور أجهزة التلفزيون لتصبح مثل الراديو يجلب كل المحطات في العالم.. هذه المحطات التلفزيونية موجودة الآن لكن بعد سنوات قد تبدأ البث، لكن مادامت القيم الأخلاقية موجودة فلا خوف من ذلك.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: إني أشاطر الدكتور المنصور فيما ذهب إليه من أن الشخصية العربية أصبحت الآن مهزومة فقد تجد مظاهرة تخرج في فلسطين المحتلة ضد مذابح صبرا وشاتيلا، ولكن لا تجد مظاهرة في العالم العربي.. كل ذلك نتيجة للإحباطات المتتالية على الشخصية العربية فأصبح يشعر بحاجته إلى الراحة النفسية، فيأتي دور وسائل الإعلام العربية لتقدم إليه البرامج والمسلسلات الترفيهية مثل «احنا عاوزين نتسلي» نفس الكلام الذي كان يقوله «بدرخان» منذ 50 سنة، وحتى مشاهد العنف أصبحت للتسلية، ففي مثل هذا الزمن زمن الإحباط تصبح ثقافة المواطن ثقافة هروبية! فلا يريد أن يفكر بل يريد فقط أن يتلقى فيذهب إلى محال الفيديو والسينما ليختار البرامج والمواد الهروبية، لأنها أصبحت المخرج الوحيد أمامه، إن وسائل الإعلام انعكاس للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعالم اليوم أصبح يعيش في قرية كبيرة بفضل وسائل الإعلام والأقمار الصناعية، ولذلك خطورتها على تفكير المواطن العربي فوسائل الإعلام الغربية مؤثرة وجيدة يمكنها بسهولة أن تبهر المشاهد فيؤمن تلقائيًا بالأيديولوجية الأميركية رغمًا عنه، ويؤمن بالقبضة الحديدية القوية للرامبو الأميركي، فتأثير هذه الأفلام لا يقتصر على عالمنا العربي فحسب، بل حتى في الغرب نفسه يتأثر بها الناس. ففي ألمانيا الغربية أحدث فيلم الرامبو جنونًا، فأصبح كل شيء يسمى رامبو لدرجة أن رجلًا لبس لباس «رامبو» ودخل على الناس في مطعم وبيده سلاح حقيقي، فأصاب الناس الرعب وأغمي على البعض ولما قبض عليه البوليس وجدوا أنه مجنون مخدوع في رامبو، وحتى الرئيس الأميركي عندما شاهد هذا الفيلم قال إنني سأهتدي بشخصية رامبو في السياسة الأميركية، كما نشر في مجلة «التايم» الأميركية، وبعدها بشهور جاءت الغارة الأميركية على ليبيا، وحتى أوليفر نورث بطل قضية الأسلحة الإيرانية كان مشهورًا في مجلة التايم بـ«رامبو» الأمن القومي، وهكذا أصبح التداخل بين الفن والسياسة.

المجتمع: ما رأيكم بتجربة الفنان حسين صدقي كنموذج للأعمال الفنية الهادفة، وهل ترون في أعمال دريد لحام الأخيرة (مسرحيات وأفلام) نموذجًا للأعمال الهادفة؟

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: حسین صدقي كمنتج كانت له قناعات جادة في الحياة، وعنده إيمان شدید بقضايا الفكر كإنتاجه لفيلم «يسقط الاستعمار» أو فيلم «خالد بن الوليد»، لقد أراد حسين صدقي أن ينشئ مؤسسته الخاصة، لكن تأثيره على المواطن العربي كان محدودًا لأن إنتاجه بالنسبة إلى مجموع ما ينتج في مصر من أفلام كان ضئيلًا، لكن تأثيره كان إيجابيًا على كل من شاهد أعماله. كما أنه نشر بعد نجاح ثورة يوليو مباشرة إعلانًا مدفوع الأجر يدعو رجال الثورة إلى تطهير الفن من رموز الفساد، وتوجيهه لخدمات الأخلاق والفضيلة وتكريس الوطنية، أما دريد لحام فقد بدأ ينضج الآن أي قبل أربع سنوات لم يكن يقدم مسرحيات سياسية هادفة.. إن مثل هذه الأفلام والمسرحيات السياسية تعتبر وسيلة تنفيس وتكييف للمواطن الذي يذهب ليشاهد ويسمع كلمات لا يتجرأ هو أن يقولها علنًا.. كان غرض السلطة أيام عبدالناصر عندما سمح بعرض أفلام مثل فیلم «ميرامار» وفيلم «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ هو التنفيس السياسي عن الشعب بعد الهزيمة، كذلك الحال بالنسبة لعهد السادات عندما أفرج عن المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا في عهد عبدالناصر سمح السادات بعرض أفلام سياسية تهاجم العهد الناصري مثل فيلم «الكرنك»، وقد لقيت تلك الأفلام ترحيبًا لدى الجمهور في أول الأمر لأن الناس ضد المعتقلات، لكن بعد الكرنك كل الأفلام التي عرضت من نوعه لم تجد الإقبال الجماهيري لأن الناس ملت مثل تلك الأفلام.. نفس الشيء بالنسبة لدريد لحام فالأعمال التي ينتجها هي للتنفيس السياسي عن الشعب، ومادامت تلك الأعمال لا تتعارض مع سياسة السلطة القائمة فإنها لا تمنعها بل تشجعها لتعمل لنفسها دعاية تخدم سلطتها.

المجتمع: ما دور النقد الفني لتوجيه الأعمال الفنية نحو خدمة الإسلام؟

د. عبدالعزيز المنصور: هنالك حقيقة لابد أن أشير إليها وهي أن هناك منتجين يؤجرون بعض الصحافيين ويعطونهم مبالغ معينة ليكتبوا عن أعمالهم الجديدة قبل عرضها بشهرين أو أكثر، وهذا الجو هو الموجود حاليًا، فلا تكاد تجد الناقد الفني الذي يعي دوره، ولذلك ظهر كثير من الناقدين في الكويت لا يحمل بعضهم مؤهل الثانوية العامة، ومثل ذلك يجد أن النقد ما هو إلا وسيلة سهلة للمدح أو القدح.. وحتى الآن لا يوجد ناقد فني يملك الثقافة الفنية ويحس بقيمة ما يتحدث عنه، بل أغلب الناقدين في الصحف الفنية موظفون مسترزقون أكثر من كونهم ناقدين.. هذه القضية توجد حتى في أوروبا لكنها نسبية عندهم، أما الناقد الإسلامي عندنا فمعدوم لأن الناقد الإسلامي ينفي كل شيء.

الأستاذ فاروق عبدالعزيز: عملية النقد متنوعة والنقد في المذاهب النقدية له دور هائل في تثقيف القراء تجاه عمل ما.. وفي أزهى عصور النقد في العالم العربي السينما والإذاعة والتليفزيون كان هناك نقد أدبي وكان النقاد من الجادين الذين يعطون العمل حقه من الدراسة والتقدير.. مع نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي كانت هناك مجموعة من النقاد الأكاديميين احترفوا النقد وظلوا على ولائهم الأكاديمي من أمثال د. محمد المندور ومجموعة من النقاد كانت كلمتهم ترفع أناسًا وتحط من قدر آخرين، وقد وصلنا نهاية هذا العصر مع نهاية طه حسين والعقاد.. في نهاية الستينيات كانت هناك مذاهب نقدية مختلفة مثل: مذهب النقد الموضوعي للدكتور أحمد رشدي، ومذهب النقد التاريخي للأستاذ محمد نظمي هلال، نهاية هذا الجيل أصبح استخدام كلمة ناقد ليس لها علاقة بالنقد أبدًا.. لقد شاع نموذج النقد المرتزق في العالم العربي خلال خمس عشرة سنة الأخيرة، شاع ذلك بسبب توافر صفحات كثيرة في الصحف خصصت للمسائل الفنية ولعدم وجود كوادر جادة للنقد الفني، أصبح أي شخص فاشل في مهنة معينة يتحول إلى ناقد فني لملء الصفحات فقط.. هذا النوع من النقاد أساءوا إساءة بالغة ليس فقط لمهنة النقد بل للدعوة الإسلامية أيضًا، هذا الأمر يفهمه الفنانون الممارسون أما الناس العاديون «الجمهور» فيعتقد أن كل من يكتب في مجال النقد يفهم ويعي ما يقول.. نحن درسنا النقد في الجامعة وأخذنا الاعتماد من الأساتذة السابقين وكنا نكتب عشرين أو ثلاثين مرة، وفي كل مرة يقول الأستاذ خطأ خطأ، حتى تعلمنا أصول النقد.. إن جيلًا من الكتاب المحترمين قد اختفى في العالم العربي، وحل محله جيل مصاب بالإحباط لا يملك مهنة أخرى فيمتهن النقد، وبالتالي يفقد النقد مصداقيته.

إن دور النقد في توجيه أعمال فنية نحو خدمة الإسلام دور هائل يحتاج إلى نقاد على مستوى المسؤولية.. إن الاقتصادي يتكلم في مجاله، وكذلك الطبيب والمحامي، ولكن للأسف أصبح مجال الفن والثقافة لكل إنسان طفيلي على الرغم من أنه أكثر تأثيرًا في وجدان الناس من الطب والاقتصاد والمحاماة، فالعمل الفني إيصال رسالة للمشاهد، فهو أخطر ما يكون وليس كما حتى يصوره الناس في عصرنا الحاضر.

الرابط المختصر :