العنوان منطقة أنهكها التعب.. وتسير في طريق مسدود: استراتيجية البلقان.. سراب!
الكاتب جهان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
تمثل أوراسيا إحدى أكثر مناطق العالم كثافة في السكان.. على أرضها حققت الإنسانية أعظم مكاسبها، فالحضارة والكتابة واللغات المتطورة والأديان السماوية وأكبر الدول كلها ظهرت في هذه المنطقة.
وسيمر زمن طويل تبقى فيه المنطقة الممتدة من بحر الصين «أو بحر اليابان» وحتى بحر المانش «بما فيها الجزر البريطانية وأيسلندا» تحدد مستقبل العالم.
لكن كلمة أوراسيا بالمفهوم الضيق لها تعني تريستا وفيننا وترانسلفانيا في أوروبا والأورال وأواسط إيران، أو المنطقة الممتدة من الدانوب وحتى الفرات، وبهذا المفهوم تشمل أوراسيا البلقان والأناضول والشرق الأدنى، وقد عرفت هذه الأماكن في تاريخ العالم على أنها نِقَاط استراتيجية ولها دور مهم في الصراع بين المصالح الدولية، واعتبرت وراسيا دائمًا منطقة جغرافية واستراتيجية بيدها القرار في مراحل الحضارة كافة، والسؤال المطروح: هل صحيح أن من حكم أوراسيا فقد حكم العالم؟ هذا السؤال مازال دون جواب.
منطقة أوراسيا بالمعنى الضيق لها فقدت أهميتها التي كانت عليها قبل عشر سنوات.
وحتى لو أخذت هذه الأهمية بعدًا عالميًا بين نترة وأخرى وأصبحت للمنطقة أهميتها الاستراتيجية في سياسة العالم فإنه من الواضح ناقصها بصورة لا يمكن مقارنتها بأهميتها في الماضي.
أما بالنسبة للبلقان، فإن هذه المنطقة هي الأخرى على وشك فقدان أهميتها الاستراتيجية القديمة، أما منطقة حوض البحر الأسود فستحتفظ بأهميتها الاستراتيجية مدة طويلة، وستستمر القفقاس «القوقاز» بصفتها القوة الخلفية لروسيا ما لها من منابع النفط، وأفغانستان ذات الموقع المركزي في آسيا وبنيتها السياسية غير المستقرة ستستمر هذه المناطق مثار اهتمام السياسة الدولية فترة طويلة من الزمن، لكن البلقان تبقى بعيدة عن المراكز الاستراتيجية الحقيقية لعالم اليوم الذي يشمل المناطق المذكورة أعلاه.
ترتبط الاستراتيجيات بثلاثة عوامل هي:
المكان والمصادر البشرية والمصادر الطبيعية، وفي ضوء ظروف الحياة المتغيرة وتطور وسائل المواصلات فقد المكان أهميته السابقة، أما بالنسبة للمصادر الطبيعية فإن أهميتها هي الأخرى تتناقص وبذلك يبقى الإنسان العامل الرئيس المؤثر كعهدنا به منذ القدم، فإذا نظرنا من خلال هذه العوامل الثلاث، فإن أيًا من الدول في منطقة أوراسيا لا تحوز الأهمية التاريخية على مستوى العالم.
إن ثروات بلدان أوراسيا لا تلعب دورًا حيويًا في اقتصادات العالم، فمثلًا ليس في هذه الدول أراض خصبة كافية ومياهها قليلة «والصحيح أن سكان هذه البلدان لا يستفيدون بالقدر الكافي من المياه بالرغم من امتلاك المنطقة الأكبر مخزون من المياه في العالم مثل بحيرة بايقال» وباختصار لا تملك هذه البلدان معلومات زراعية عصرية، والوضع نفسه بالنسبة لمجالات السياحة، وعدم الاستقرار في المنطقة يؤثر سلبًا على السياحة بصورة خاصة، والبترول ينقل بصورة عامة عبر أراضي البلدان الأخرى، وارتفاع سعره يبعده عن أن يكون العامل الاقتصادي المهم ويلاحظ تناقص تأثير أسعار النفط على تكلفة مشتقاته وسيخرج النفط في وقت قريب عن صفه كونه المصدر الأساسي للطاقة، فهناك جهود حثيثة تبحث عن مصادر بديلة لمصادر الطاقة الحالية.
وإذا استثنينا تركيا لا نجد أيًا من دول المنطقة قد حققت نجاحًا مهمًا في مجال الصناعة، فقوة الإنتاج والتطوير في جميع هذه الدول غير كافية، والطاقة الإنتاجية تتناقص كل يوم.
أما في مجال التمويل فبالرغم من وجود مصادر مهمة فإنها لا تستخدم في الاستثمارات الإقليمية وهي تعيش إما على المساعدات الخارجية أو تسعى للحصول على هذه المساعدات والدول تسرف في استخدام القروض التي تحصل عليها، ومستوى الثقافة والتعليم في المنطقة غير مرض وإمكانات التعليم في بعض الأماكن غير كافية، وفي بعض الأماكن قليلة لدرجة العدم، أما في مجال الفكر والعمل فإن الجامعات - التي كانت أول نشأتها في هذه المنطقة - لا تقدم أي مساهمات للعالم المعاصر بالمعنى التكنولوجي والثقافي. وبالنظر إلى الدول المتقدمة فإن عدد المهندسين قليل جدًا بالنسبة لعدد السكان.
والإنسان في هذه المنطقة لا يكاد يقوم إلا بالقليل من المبادرات على المستوى الدولي، كما أن القدرات والطاقات الشخصية لا توظف على مستوى المجتمع ولا تقدم المنطقة رجالًا إصلاحيين على الصعيد العالمي وليس هناك أي توافق مع مرحلة التطور المعاصر في المنطقة ككل، وبعض المبادرات التي تظهر تكون على مدى قصير لا يستقطب الاهتمام في البلاد أو على المستوى الدولي، وباستثناء تركيا التي قامت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية فإن الدول الأخرى في المنطقة تعاني من مشكلات في خطط تنميتها.
تلك الدول، بسبب من عدم أهميتها بصورة كافية، ومصادرها المحدودة وطاقاتها البشرية غير المتطورة، ليس لها وضع استراتيجي في العالم المعاصر، وأبسط ما يمكن قوله إنها تبذل جهودًا في سبيل تحقيق الأهمية الاستراتيجية هذه المنطقة لا تستفيد من طاقاتها الذاتية بل تقضي عليها فتضيع على نفسها فرصة تحقيق الأهمية الاستراتيجية هذه الأيام، وفي حالة عدم اتخاذها التدابير اللازمة في الوقت المناسب فإن الوضع سيزداد سوءًا، فما يقال من كلمات ويبذل من جهود حول الدور الاستراتيجي الذي لابد منه في جنوبي أوروبا لا يعدو كونه انقسامًا غير مباشر، فالبلقان تسير نحو طريق مسدود سياسيًا واستراتيجيًا وعقليًا، والبلقان تشهد عقمًا في الفكر وفي إيجاد البديل المقبول وفي أي عمل خلاق هذه الدول التي أنهكها التعب على طريق التطور الاجتماعي تعرضت للفشل في تنظيم حياتها وأخذت تعيش انحطاطًا عضويًا وإذا استثنينا «سلانيك» وما حولها من المناطق التي تتطور بفضل المساعدات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، فإن الأعوام الثلاثين الأخيرة لم تشهد تطورًا إلا في المناطق الغربية من تركيا، أما المناطق الأخرى كافة فهي في مرحلة القضاء على ما هو موجود أصلًا.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بلاد العلاقات فيما بينها، البلقان تشهد انقطاعًا في فالأحداث التي وقعت مؤخرًا، والتدخلات الخارجية لم تأت بجديد إلى المنطقة، فالاستراتيجية تشمل الإدارة أيضًا، وأي قوة تسيطر على المنطقة أن تجني سوى المشكلات، فليس في هذه المنطقة أي تفع مادي اليوم.. الأسواق محدودة، المواصلات سيئة وحظها من الإنتاج بالمواصفات العالمية قليل جدًا، ولا يتوقع أن نجد منها اليوم مبادرات لها أثرها في العالم، والأسوأ من ذلك أن الإنسان في البلقان بصرف النظر عن إمكان مساهمته في تكريس الديمقراطية على المستوى العالمي لا يجد القوة التي تمكنه من ترسيخ الديمقراطية في بلاده.. أولئك تركوا أنفسهم هكذا!! فما لا يكون مؤثرًا في حياته هو لا يتوقع منه أن يؤثر في حياة الآخرين وفاقد الشيء لا يعطيه، إن إنسان هذه المنطقة لا يعتبر نفسه جزءًا من الاستراتيجية العالمية، بل يبدو أن مرحلة الاشتباكات والعنف التي عاشها قد أثرت، بل ودمرت تفاؤله المستقبلي تمامًا.