; منظمة التحرير الفلسطينية.. الواقع السيئ والبديل الأسوأ | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التحرير الفلسطينية.. الواقع السيئ والبديل الأسوأ

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983

مشاهدات 58

نشر في العدد 631

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 02-أغسطس-1983

  • «فتح» لم تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، فهل سلمت هي من تدخل الأنظمة في شؤونها؟

  • «فتح» لم تقبل «الوصاية والتبعية والاحتواء» من الأنظمة العربية فهل تقبل ذلك من التيار الماركسي فيها؟

  •  

الأخبار المتلاحقة من سهل البقاع اللبناني تشير بوضوح إلى ما سبق أن أكدناه، من أن اليسار الفلسطيني المدعوم من بعض الأقطار العربية ذات الصبغة العسكرية بشكل مباشر، ومن روسيا وأمريكا بشكل غير مباشر مصمم على السيطرة على حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» ومن ثم على منظمة التحرير الفلسطينية. 

ولقد رفع اليساريون في البداية شعارات الإصلاح ذات الصدى الإيجابي في نفوس الجماهير الفلسطينية، ثم تكشف الأمر بعد ذلك عن خطة الهيمنة الكاملة على «فتح» وإنشاء منظمة تحرير بديلة عن المنظمة القائمة، واستبعاد القيادة التاريخية لحركة «فتح» التي كانت هي النواة الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة، والتي حاولت جهد طاقتها ألا تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد العربية، وألا تسمح لأي نظام عربي بأن يفرض عليها الوصاية أو التبعية أو الاحتواء.

وبالنسبة لبنيانها الداخلي فقد حرصت منذ البداية على أن يكون بابها مفتوحا لكل فلسطيني- مهما كان انتماؤه العقائدي- على ألا يمارس داخل الحركة نشاطا من شأنه أن يشكل تيارات داخل الحركة مبنية على أساس الانتماءات العقائدية. 

بمعنى آخر، مثلما رفضت «فتح» الوصاية والتبعية والاحتواء لأي نظام عربي أو غير عربي، فإنها رفضت أن تتبنى أيديولوجية معينة- إسلامية ماركسية قومية- وتصورت أن في مقدورها أن تحقق ما تسميه بالتعايش النضالي بين التيارات الثلاثة في نطاق حركة «فتح» وبالتالي تكسب الجماهير الفلسطينية بكافة انتماءاتها العقائدية، كما تكسب بذلك كافة الأنظمة العربية بشتى اتجاهاتها، وتكسب أيضا العالم كله الذي لابد أن يتعاطف في النهاية مع حركة تحرير وطني تسعى لتحرير وطنها من الاستعمار الاستيطاني. 

وفي الحقيقة فإن ظروفا موضوعية ساقت الطليعة الأولى لحركة «فتح» إلى أن تنهج هذا المنهج، ولا سيما إذا علمنا أن هذه النواة كانت في مجملها من ذوي الاتجاه الإسلامي، وأول هذه الظروف هي الضربة الموجعة التي وجهها عبد الناصر إلى حركة الإخوان المسلمين في الخمسينيات، والتي كانت تضم أعدادا كبيرة من الفلسطينيين الذين وجدوا فيها سبيلا لتحرير فلسطين، بينما كان الشيوعيون الفلسطينيون يجدون في قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين قيامًا لكيان حضاري غربي ديمقراطي يمكن أن يمارس الشيوعيون من خلاله- وبدعم منه- نشاطا من شأنه أن يخدم في النهاية فكرة إنشاء دول شيوعية في المنطقة، وهو ما تهدف إليه الأحزاب الشيوعية العربية.

ولما كان عبد الناصر يعلن ليلًا ونهارًا أنه يدعم حركات التحرر الوطني العربية وغير العربية، فقد ذهبت «فتح» إلى عبد الناصر للحصول على دعمه، ولكنها لم تجد منه دعما، بحجة الاشتباه بأن لها علاقة بالإخوان المسلمين، وهذا مما أبعد «فتح» أكثر وأكثر عن كل ما يشم منه انتماؤها إلى الإسلام من بعيد أو قريب فيما بعد. 

ولما كان الإسلاميون لا يخدعون، فقد انسحب الكثير منهم من حركة «فتح» حفاظًا على دينهم ومنهجهم، ومن بقي منهم داخل «فتح» رأى في ذلك- اجتهادا- خدمة للإسلام والمسلمين ومحاربة لأعداء الله أعداء فلسطين، فقاتلوا بشجاعة وشرف واستشهد كثير منهم في السنوات الأولى لبدء «الكفاح المسلح». 

ثم رأوا أن ينشئوا معسكرًا خاصًا بهم في إطار حركة «فتح» في الأردن أطلق الآخرون عليه اسم «معسكر المشايخ» ولقد قام هؤلاء الإسلاميون بعمليات جهادية بطولية ضد العدو اليهودي في فلسطين، شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء ومنها عملية «الحزام الأخضر» الضخمة وغيرها حتى كان «أبو عمار» يأخذ مرافقيه إلى المعسكر ويقول «هكذا يكون العمل، وإلا فلا.. » 

ولكن فتنة عام 1970م، والتي كان من نتيجتها أن يقتل المسلم أخاه المسلم جعلت الإسلاميين- من موقف مبدئي- يرفضون المشاركة في هذه الفتنة التي ينهى عنها الله ورسوله، والتي كان من نتيجتها أن خرجت المقاومة الفلسطينية إلى سوريا، ومن ثم إلى لبنان. 

وأما الشيوعيون والقوميون الذين تحركوا فيما بعد، فقد اقتحموا «فتح» وسيطروا أول ما سيطروا على أجهزة الإعلام، ثم تسللوا إلى التنظيم، وبعد ذلك إلى الجيش والعناصر المسلحة، وكانوا منذ عام 1970 وحتى قيام «حركة أبو موسى» وهم يعملون- ليل نهار- من أجل السيطرة على «فتح» نهائيا، حتى استطاعوا ذلك أو كادوا بمعونة نظامين عربيين معروفين، كما يجري اليوم في سهل البقاع.

لقد استطاعت «فتح» إلى حد ما أن تحافظ على استقلالية القرار الفلسطيني المستقل رغم كل الضغوط العربية والدولية، ورغم أنها تأرجحت بين روسيا وأمريكا، إلا أنها لم تقطع الحبل بأي منهما كما لم تقطع الحبل بأي نظام عربي، وإنما حاولت أن تلعب على التناقضات النسبية أو الحادة الموجودة بينها، ولكن حركة «فتح» في النهاية لم تسلم منهم مجتمعين، لأنهم وإن اختلفوا جميعًا في كل شيء إلا أنهم يتفقون على أن إسرائيل حقيقة واقعة، وأنها وجدت لتبقى، وأنهم على استعداد للدفاع عنها مباشرة أو عن طريق غير مباشر، إيمانا بضرورتها بالنسبة لهم أو اتقاء لشرها عليهم. 

ولما كان اليساريون من قوميين ماركسيين ومن شيوعيين لابد أن يصبوا في النهاية في قربة المنظومة الاشتراكية التي أسهمت- بالإضافة إلى الدول الرأسمالية- في قيام إسرائيل وتقويتها، فإنهم حين يستولون على «فتح»- مع غياب التيار الإسلامي الذي يستطيع أن يوقفهم عند حدهم- تكون إسرائيل قد فركت يديها فرحا، وهي ترى من يقوم بالنيابة عنها بتصفية الشبح الذي يؤرقها ليل نهار، شأنها- أي إسرائيل- شأن اللص الذي استولى على البيت بالقوة، والذي يلوح له صاحب البيت- الذي هو أقل منه قوة- بين الحين والآخر يطالبه بحقه في هذا البيت. 

وحين تنتهي منظمة التحرير الفلسطينية وتنشأ بدلا منها منظمة تحرير «ثورية» كما يزعمون يختفي اسم فلسطين، وبالتالي يختفي صاحب البيت ليحل محله وكيل قاتل يتقمص شخصية المقتول، ويرفع صوتا أقوى من صوته، ولكنه أقل فعالية لأنه صوت مزيف له امتداد في داخل البيت المسروق، وامتداد إلى خارج الذات، فالسارق مستأنس على صراخه وأصحاب السارق هنا وهناك مستأنسون على صراخه النشاز وإن كانوا جميعًا من مشارب شتى. 

هذه صورة تعبيرية عما يجري اليوم على الساحة الفلسطينية، فأين هم الإسلاميون من هذه الصورة؟ حين ضرب الإسلاميون في مصر تقلص ظلهم في «فتح»، وحين ضرب الإسلاميون في سوريا تقلص ظلهم في «فتح» أيضا، وحين ضرب الإسلاميون في دول المغرب العربي تقلص ظلهم في «فتح» أيضا.. 

وأما الإسلاميون غير المضروبين فهم متخوفون، متخوفون لأنهم لا يخدعون، متخوفون من انجرافهم في تيار غير إسلامي وانسياقهم وراء فتن مصنوعة لغير وجه الله، وهم لا يخدعون لأنهم إن انطلقوا يقاتلون لوجه الله فهم صادقون، وإن التزموا بعدم الدعوة لدينهم خرجوا «على ما عاهدوا الله عليه».

فما هو السبيل؟ هل هو اقتحام «فتح» أو ما تبقى من فتح بعد التهام اليسار البقية الباقية، هل يدخلون «فتح» على ما هي عليه ليذوبوا من أجل قيام دولة ديمقراطية يتساوى فيها اليهود والنصارى والمسلمون في فلسطين؟ أم يدخلون «فتح» من أجل قيام اتحاد كونفدرالي بين الضفة الغربية وغزة من جهة وبين الأردن من جهة أخرى؟ هل يدخلون «فتح» ليسهموا في تنفيذ مشروع ريغان الذي هو امتداد لكامب ديفيد، والذي يفسره اليهود على أن الأرض في الضفة الغربية لإسرائيل والسكان العرب للأردن؟ هل يدخلون «فتح» من أجل مشروع بريجينيف الذي يطالب بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع تعترف بإسرائيل أي تتنازل عن بقية فلسطين لليهود؟! أم يدخلون «فتح» من أجل تصحيح المسار، ولكن إلى المسار الإسلامي بدل المسار الشيوعي العلماني وإلى العودة إلى الذات بدل الخروج عن الذات، وإلى المنهج الرباني بدل المنهج الإنساني المتعثر؟ 

ولكن هل في استطاعة الإسلاميين أن يدخلوا «فتح» الآن؟ وإذا دخلوا فهل في استطاعتهم تصحيح المسيرة وليس تحطيم المسيرة كما يريد الشيوعيون والعلمانيون ومن ورائهم؟ أم أن على الإسلاميين أن يعدوا أنفسهم ليكونوا البديل الصالح بدل البديل الطالح الذي هو في طور التكوين؟

أسئلة كبيرة، والإجابة عليها يملكها القادرون على أن يترجموا الإجابات إلى عمل، أما ما يجري على الأرض اليوم فهو ينذر بشر مستطير، ذلك أنه بإخراج بالغ الإتقان هذه المرة وبشعارات تبهر من يملك البصر ولا يملك البصيرة. 

على الذين دخلوا «فتح» من منطلق إسلامي، وعلى الذين أحجموا عن دخول «فتح» أو خرجوا منها أو أخرجوا منها من منطلق إسلامي أيضا، عليهم جميعا أن يعيدوا النظر في مواقفهم، فالمؤامرة على «فتح» وعلى فلسطين وصلت إلى الحد الذي يتطلب الحركة السريعة الواعية، الحركة مع الله وبه، لا مع الأنظمة وبها، فلقد تحرك الشقيري مع الأنظمة وبها وكانت خاتمته الطرد، وتحرك قبله الحاج أمين الحسيني متأرجحًا فتارة مع الأنظمة وتارة بدونها فلم يسلم من الأذى والإحباط، وكان آخر كلمة قالها قبل أن يموت لأحد ثوار فلسطين «ابتعدوا عن الأنظمة» الشهيد عز الدين القسام كان اعتماده على الله، وكان التصاقه بالشعب فكان الطليعة الأولى لحركة الجهاد الفلسطيني، فسارعوا إلى قتله قبل أن تنمو حركة الجهاد وتقوى، والشيخ حسن البنا -رحمه الله- قتلوه قبل أن يقيم دولة الإسلام في مصر، وهو الذي أعد مجاهديه لتحرير فلسطين.

فخذوا العبرة أيها المعنيون بتحرير فلسطين، وخذوا العبرة أيها المعنيون بعودة الإسلام إلى واقع الحياة، فأنتما تسعيان لهدف واحد، وخير لكما أن تبدآ من الصفر معًا على أن تستمرا في التباعد أو تلتقيا على دخل، وكل من سعى لتحرير فلسطين بمعزل عن عقيدة الإسلام أو سعى لإقامة الإسلام دون الاعتقاد بأن تحرير فلسطين فرض عليه فسيظل عمله ناقصًا.

الرابط المختصر :