; منظمة التحرير الفلسطينية في الدوامة | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التحرير الفلسطينية في الدوامة

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

مشاهدات 105

نشر في العدد 687

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

دراسات سياسية

مطلوب شطب الفلسطينيين من التسوية التي قبلوا أن يكونوا طرفًا فيها

منظمة التحرير الفلسطينية -ومن ورائها الشعب الفلسطيني- أصبحت في وضع مأساوي لا تحسد عليه، فعلى الرغم من أنها أنجرت إلى إطار التسوية التي تتهالك عليها بعض الأطراف العربية، إلا أنها تكتشف يومًا بعد يوم أنها ستكون خارج نطاق التسوية. 

فعلى الرغم من الضربات المتلاحقة والمستمرة على رأس المنظمة ومن ورائها الشعب الفلسطيني من أجل أن يزول من الوجود كشعب وكقضية وبالرغم من قبول المنظمة وبعض الفلسطينيين الذين أفقدت صوابهم شدة الضربات وتلاحقها وتنوعها، لهذه التسوية شريطة أن يكون لهم دور فيها، وبالتالي أن يكون لهم فيها نصيب ما، إلا أن الأيام تتكشف من تسوية لا دور للفلسطينيين فيها ولا نصيب. 

وحين يفقد الفلسطينيون دورهم ونصيبهم في وطنهم فأي تسوية هذه التي يجري الإعداد لها منذ زمن طويل؟ ومن أجل ماذا كانت كل هذه التضحيات التي قدمها الفلسطينيون على مذبح قضيتهم والتي أسهمت معظم الأنظمة العربية فيها بشكل مباشر وغير مباشر.

ولماذا كانت كل هذه التصفيات للجسد الفلسطيني من أطراف عربية ملأت أبواق دعايتها الدنيا بالحرص على القضية الفلسطينية من التصفية وعلى الشعب الفلسطيني من الاندثار؟ ولماذا كانت كل هذه التنازلات السياسية من منظمة التحرير لتقترب من مستوى التصور العربي الرسمي للتسوية؟ 

لماذا قُتِل مَن قُتِل من الفلسطينيين باسم التطرف تارة وباسم التهاون تارة أخرى ليجد الفلسطينيون أنفسهم في نهاية المطاف يلهثون وراء تسوية لا نصيب لهم فيها إن بقي منهم من يزعم أنه موجود وأنه ممثل شرعي لبقية الفلسطينيين؟.

ما أسوأ هذا الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون هذه الأيام، وعلى رأسهم منظمة التحرير الفلسطينية التي ما زالت تتصارع مع الموت ومع الفناء ليكون لها وجود!! ضاقت الأرض عليهم بما رحبت، فاتجهوا إلى البحر يسألونه أن يقلهم لبضعة أيام أو لبضع ساعات على ظهر باخرة يعقدون عليها مجلسهم الوطني تحت علم الأمم المتحدة، يا لفداحة المأساة!

وتتلاحق الأحداث... تضغط سوريا على الفلسطينيين الموجودين لديها: «إن سوريا لا تقبل على أرضها من يخالفها الرأي، فمن يختر منكم حضور المجلس الوطني الذي يدعو إليه ياسر عرفات فلا يعد إلى سوريا» وتسحب جوازات البعض الآخر حتى لا يستطيع التحرك. وتتراجع الجبهة الشعبية التي يرأسها جورج حبش عن اتفاق عدن الذي وقعته مع «فتح» بالإضافة إلى الجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية والحزب الشيوعي، تتراجع الجبهة الشعبية عن موقفها وتتذبذب بين تأييد المؤتمر وتأجيله وإلغائه وبين حرصها على إبقاء عرفات و بين حرصها على إقصائه، ويرى منظروها اللذين طالما خططوا وسعوا لوراثة فتح أنهم «سيخرجون من المولد بلا حُمص!» سواء عقد عرفات مؤتمره بنصابه القانوني الذي يؤيده أو لم يعقد المؤتمر!

ذلك أن سوريا الحريصة كل الحرص على أن تكون الورقة الفلسطينية في يدها أو لا تكون هناك ورقة فلسطينية على الإطلاق.. إنما تقوم بدور مرسوم يصب في نهاية المطاف لصالح التسوية الدولية الجاري تنفيذها سواء كانت تحت مظلة الأمم المتحدة أو تحت مظلة الروس والأمريكان معًا أو الأمريكان وحدهم، فالنتيجة واحدة وهي أن سوريا قد أسهمت بشكل مباشر في تشتيت شمل المنظمة وتصفية الشعب الفلسطيني جسديًا.

ولذلك يرى جورج حبش أنه إن وقف مع عرفات فهو خاسر، وإن وقف مع سوريا فهو خاسر، وخسارته الأولى فورية وخسارته الثانية لاحقة، فاختار الثانية تشبثًا بالبقاء ولو لبعض الوقت أملًا في أن تتغير الظروف والأحوال.

وأما نايف حواتمة زعيم الجبهة الديمقراطية والملتصق أكثر بالماركسية اللينينية، فقد استطاع الخروج من سوريا وحاول في الجزائر أن يلتقي بعرفات، ولكن الأخير اشترط وضوحًا في موقف «الديمقراطية» من موضوع عقد المجلس الوطني قبل أن يلتقي به، ذلك أن الموقف القائم وهو قوله: «نرى تأجيل المؤتمر ولكن إن دعوتم إليه فسنحضره ليس موقفًا حاسمًا، ولذلك توجه حواتمة إلى موسكو يطلب العون وحل الإشكال فكان رد الروس - نحن مع عقد المجلس الوطني ومع التنسيق مع سوريا»، ومعنى ذلك عدم انعقاد المؤتمر ذلك أن التنسيق مع سوريا يعني

الخضوع للموقف السوري الذي يتلخص في العبارة التي قالها حافظ أسد للرئيس الجزائري مؤخرًا: «لن يعقد المجلس الوطني إلا على جثتي!!» وهكذا يدور نايف حواتمة حول نفسه ويجد نفسه في حلقة مفرغة، من الصعب الخروج منها إن لم يكن من المستحيل.

ولما كانت الجبهة الديمقراطية لا تجد لها مأوى إلا في اليمن الجنوبي، فمعنى ذلك أنها إن قررت الخروج على الطاعة السورية فما عليها إلا أن تنقل كافة كوادرها بل وعناصرها إلى الطرف الجنوبي للوطن العربي، ومن يدري ماذا يمكن أن تقدم للقضية الفلسطينية من ذلك المكان إن كان نشوؤها أصلًا من أجل القضية

الفلسطينية.

وأما جبهة التحرير الفلسطينية التي هي أقرب إلى موقف عرفات منها إلى الموقف السوري فهي تأتي من حيث الوزن العسكري والسياسي في الصفوف الخلفية للمنظمات الفلسطينية.

وأما الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي لا يملك قاعدة جماهيرية.. بالإضافة إلى أنه ملتزم بخط الكريملين.. وبالتالي فمن العبث الاعتماد عليه في تأييد عرفات ومخالفة السوفيت والسوريين.

وحين وجد عرفات نفسه أسير المماطلة التي ستقتله سياسيًا وستقتل منظمة التحرير معه، قرر أن يتحرك بسرعة لعقد المؤتمر في أقرب وقت ممكن قبل أن يصبح خارج اللعبة السياسية نهائيًا، وحين التقى هو أو مبعوثوه بالمسئولين الجزائريين وجد تراخيًا من جهتهم حيث إن الضغط السوري الشديد وربما الصفقة السورية معهم جعلتهم يفكرون أكثر من مرة قبل أن ينفذوا وعودهم باستضافة المؤتمر في الوقت الذي يحدده عرفات نفسه.

وهكذا ضاقت الدنيا في وجه عرفات فأخذ يبحث عن خيار بديل عن الجزائر. وفي هذه الأثناء كانت المبادرة الأردنية بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بعد إعلان ريغان عن تمسكه بمبادرته وبعد دعوة اليهود للأردن بالتفاوض من أجل إيجاد تسوية واستعدادهم للإنسحاب من «أراض أُحتلت» عام ١٩٦٧ حسب نَص القرار (٢٤٢) وفسرت هذه الأراضي بأنها حوالي ٧٠٪ من الضفة الغربية وقطاع غزة على ألا تخرج التسوية المقترحة عن اتفاقيات كامب ديفيد، التي تمنح حكمًا ذاتيًا إداريًا للسكان العرب، وتعطي اليهود حق إقامة المستوطنات في هذه الأرض التي يعتبرونها جزءًا من «أرض إسرائيل»!! 

و يتوجه عرفات على الفور إلى الأردن بينما كان «مورفي» يجري محادثات في عمان، ويبدو أن عرفات وجد أن التسوية تأخذ طريقها وأن الرقم الفلسطيني «الذي طالما ردد عرفات أنه رقم صعب» خارج عن «معادلة التسوية» بعد أن أمكن تقسيمه وتطويعه. 

وأخيرًا وافقت الجزائر على استضافة المجلس الوطني الفلسطيني. 

وليس مُهمًا بعد ذلك أن يتمسك عرفات «بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل» ذلك أن قرار قبول مقررات فاس معناه أن ليس هناك فرقًا جوهريا بين القرار الفلسطيني والقرار العربي الساعي إلى التسوية!! 

ولم يكن مطلوبًا من منظمة التحرير أكثر من الوصول إلى هذا القرار الخطير ليجري استبعادها بعد ذلك سواء بالإبادة أو بالتجاهل.

ذلك أن القائمين بأمر التسوية لا يهمهم من بعيد أو قريب أن يكون للفلسطينيين كيان بعد أن استبعدوا كليًا من الأذهان موضوع تحرير فلسطين، ولو كان الأمر غير ذلك لما كانت هذه المذابح ضد الفلسطينيين، ولما كانت كل هذه المضايقات لهم في ديار العرب.

نحن نعلم تمامًا حرص الروس والأمريكان على الكيان اليهودي في فلسطين. ونعلم حق العلم أيضًا عدم جدية معظم الأنظمة العربية التي نادت والتي تنادي بتحرير فلسطين. واليوم أصبح من الواضح أن هذه الأنظمة تسعى للصلح مع اليهود والاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين.. 

وإذا كانت بعض الأنظمة ترغب بإعادة علاقاتها مع مصر فالمواطن العربي يعلم إلى أي مدى كانت هذه العلاقات مقطوعة بين مصر وكافة الحكومات العربية. وإذا كان الحرص على أن يبقى الحكم في هذه الدولة العربية أو تلك ثمنه الاعتراف «بإسرائل» وقبول الانضواء تحت مظلة «العصر الإسرائيلي» فلتأخذ الحكومات العربية عِبرة من منظمة التحرير التي قبلت أن تدور في فلك السياسة العربية والدولية، مقابل أن يكون لها مكتب هنا ومكتب هناك، وهي تتصور أن ظهورها العلني وامتطاؤها صهوة المؤتمرات العربية والمنظمات الدولية مكاسب سياسية لها ثم اكتشفت -ربما بعد قوات الأوان- أنها أصبحت هيكلًا بلا لحم وجسمًا بلا أطراف ورأسًا بلا بدن، ومع ذلك تحاول أن يكون لها مكان على طاولة المفاوضات

مع الكيان اليهودي في فلسطين! 

وحتى هذا المطلب لن تحصل عليه، ذلك أن اجتماع القمة الذي انعقد مؤخرًا في «العقبة» وما رافق هذا الاجتماع من رحلة إلى منطقة «طابا» المصرية المحتلة. ثم الإجراءات اليهودية في الضفة والقطاع التي تزعم التخفيف عن أهلنا في فلسطين تمهيدًا لتطبيق الحكم الإداري الذاتي، ثم انتظار أطراف «الكامب» من الفلسطينيين أن يقوموا بتفويضهم للتباحث مع اليهود من أجل التسوية باعتبار اليهود لا يقبلون على طاولة المفاوضات فلسطينيين حتى وإن كانوا من الأرض المحتلة، ناهيك عن أن يكونوا من منظمة التحرير وباعتبار القرار (٢٤٢) ومبادرة ريغان لا ذكر فيهما لمنظمة التحرير ولا لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

فماذا جنت منظمة التحرير من سلسلة التنازلات؟ وماذا سيجني العرب من «الصلح مع إسرائیل»؟

الأيام القادمة حبلى بالأحداث.. وما لم تغير منظمة التحرير منهجها فلن تحصل على شيء، وليوقع الصلح مع اليهود من أراد أن يوقع فلن يغير ذلك من الحقيقة شيئًا.. وهي أن فلسطين بلد عربي إسلامي، وستعود كذلك بإذن الله ما دام في هذه الأمة مسلمون يقرأون كتاب الله و يهتدون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

الرابط المختصر :