; منظمة التحرير قامت بهدف التنازل عن أراضي 1967! | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التحرير قامت بهدف التنازل عن أراضي 1967!

الكاتب محمود إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1409

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 18-يوليو-2000

في عام 1982م خرجت القوات الفلسطينية من لبنان باتجاه فلسطين.. من كان يتخيل ذلك؟ عرفات ورجاله الذين ما لبثوا أن عادوا عبر غزة / أريحا أولًا!

ومع أن جذوري فلسطينية كغيري من اللاجئين، وعشت منذ نعومة أظفاري -وما أزال أعيش- آلام أهلي وعشيرتي الأقربين وغير الأقربين، إلا أنني تعمدت أن أتجنب الخوض في قدسية قضية الإسلام والمسلمين في فلسطين، ذلك أن الكتابة عنها تندرج حسب -وجهة نظري- تحت اسم العقيدة، والمسلم أضبط الناس في انتقاء الكلمات العقائدية، وكيف بها وقد تحولت إلى سلعة رائجة لكل مزايد. فكما راجت تجارة الكلمات من الشعر والنثر والفنون، كذلك راجت التجارة بآلام الفلسطينيين ومعاناتهم من داخلهم ومن خارجهم، وبقدر ما مست المأساة حقوق الناس على جميع المستويات النفسية والعقائدية والمادية والإنسانية، بقدر ما أفاد الكثيرون من هذا البازار المفتوح باسم القضية الفلسطينية، وكما سببت حروب فلسطين فقرًا وجوعًا وتشريدًا وحرمانًا وذلًا ومهانة للكثيرين، سببت في الوقت نفسه غنى ونفعًا ومصلحةً وجاهًا للمنتفعين المتربصين.

فكم من سياسي برر أعماله باسم الدفاع عن فلسطين، وكم من انقلابي برر انقلابه باسم تحرير فلسطين، وكم من فاشل برر فشله باسم نكبة أو نكسة فلسطين، وكم من أموال جمعت باسم فلسطين والفلسطينيين.

هذه هي قضية فلسطين، كما أريد لها أن تكون، مسرحية يتزاحم على خشبتها آلاف الممثلين، أما الفلسطينيون الحقيقيون والمقاتلون والشرفاء والمجاهدون في سبيل الله على أرض فلسطين فهم مجموعة من الكمبارس، أو هكذا أراد لهم الأبطال الرئيسيون أن يظهروا، لأن صانع القرار لم يكن هو المقاتل والمجاهد والمناضل واللاجئ والنازح، إنما الممثل البارع الماهر في سرقة الكاميرا.

كغيري من الفلسطينيين، لم أكن لأختار ما أريد، فهذه أسرتي قد اختارت لي وأرضعتني مع لبن أمي من أحب ومن أكره، ومن أصادق ومن أعادي، فنشأت على حب الثورة والفدائيين وفلسطين، حتى أصبحت هذه الكلمات عندي مترادفة المعنى، وبالطبع سوف أكبر على حب أبي عمار ونايف حواتمة دون أن أعرف ما الفرق بين فتح والديموقراطية، فكلهم فدائيون بل كلنا فدائيون، وفلسطين التي أعرفها هي فلسطين التي أرضعوني إياها، من رفح للناقورة، ومن البحر إلى النهر، وكذلك كان شعارهم يكبر معي سنة بعد سنة بألا صلح مع المحتلين وإنها لثورة حتى النصر.

هذه هي فلسطين التي أعرف، وكم طربنا بأخبار الشهداء من أقاربنا ومعارفنا لأجل فلسطين التي نعرف خريطتها جيدًا، ونعرف أسماء مدنها وقراها أكثر مما نعرف أسماءنا، مع أننا ولدنا في المنفى.

لقد سقط الكثيرون لأجل الشعار «كل فلسطين، من البحر إلى النهر» ويا ليت شعري كم بقي من فلسطين بعد مسلسلات «السلام الشجاع»، أو «سلام الشجعان»، ولا أدري من أجل أي فلسطين كان هؤلاء الشباب يتساقطون؟

حجة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وسنشير إليها اختصارًا بحروف (م.ت.ف) كما عُرفت بها، لتبرير تنازلها عن فلسطين «كل فلسطين»، «أنهم تعرضوا لمؤامرات على أيدي الأشقاء اضطروا بعدها للقبول بالأمر الواقع، فعليهم أن يرضوا بالقليل حتى لا يفقدوا كل شيء».

ولكن هذه القيادة لم تسأل نفسها عن منطلقها المناقض لعقيدة الأمة، ألم يكن حب روسيا والصين وكوبا عندهم خير من محبة الله ورسوله والمؤمنين؟.. ألم يبحثوا عن النصر والعزة عند أعداء الله فزادوهم رهقًا؟

لم تكن ممارسة النضال خطيئة من قبل الفلسطينيين، فجزاء المحتلين هو القتل: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ (سورة البقرة: 191) وهذا ما لا ينكره دين ولا عرف، حتى الأعراف الإلحادية لا تلوم المشرد عن أرضه إذا ما سعى بالكفاح المسلح للعودة إليها، والقتال الذي مارسته الفصائل الفلسطينية داخل فلسطين ضد اليهود والعملاء حق مشروع، أما منطق الثورة الفلسطينية فقد كان منطلقًا ذي عوج، ربما انطلى على الشعب الفلسطيني منذ البداية مع حماس الناس للقتال والكفاح المسلح، لأن القتال لتحرير فلسطين، سلوك طبيعي وليس دغدغة للعواطف، وأذكر أن أحد قادة اليهود المحتلين لفلسطين ذكر مرة أنه لو كان فلسطينيًّا لكان فدائيًّا، وفطرة الفلسطينيين فطرة إسلامية «جهادية»، تعيش في الشعور وفي اللاشعور.

جذور «سلام الشجعان»

يخطئ من يتصور أن قيادة م. ت. ف قد بدأت مسلسلات الاعتراف بالكيان اليهودي الصهيوني بعيد حرب الخليج الثانية، فهذا لا تتبناه حتى تصريحات قيادة المنظمة، كذلك مخطئ من يظن أن هذه المسلسلات قد بدأت بعد ضرب الفلسطينيين في لبنان ومذابحهم المتكررة هنا وهناك، وأن خيارهم الوحيد المتبقي أمامهم هو القبول بتقسيم فلسطين، وإن كانت هذه حجة م.ت.ف فهي حجة واهية مفتعلة، لأن الفلسطينيين تعرضوا قبل إنشاء م.ت.ف على أرض فلسطين لأبشع من مؤامرات بيروت، فما وهنوا لما أصابهم وبقوا متمسكين بفلسطين «كل فلسطين».

قامت الثورة الفلسطينية بقيادتها الحالية والمتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية قبل الخامس من يونيو عام 1967م، وهذا منطقيًّا يعني أن الهدف من قيامها هو تحرير الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948م.

لكن -في الواقع- كان قيام م. ت. ف لأجل التمهيد للمطالبة بالأراضي التي سوف تحتل عام 1967م، وإلا فلماذا لن تقبل بما هو كان في أيديها وهي أراضي 1967م دون مزايدة على دماء الشباب الذين سقطوا من أجل كل فلسطين.

هذا الاستنتاج قد لا يقبله العقل، فكيف يمكن تصور قيام شيء من أجل شيء معدوم؟ أليس في هذا لغز محير أو ضرب من الوهم والجنون؟

قد يكون الجواب عند «بريطانيا العظمى»، التي أبدت ارتياحًا لا يوصف بقيام ثورة فلسطينية ضد اليهود الذين تنكروا لجهودها واغتالوا ساستها في عمليات الهاجاناه والأرغون، إن الكتاب الأبيض وحده الذي رضي به العرب من البريطانيين كان موقفًا إنجليزيًّا لصالح العرب في فلسطين أصدرته بريطانيا نكاية في اليهود، فما المانع من أن تعمل بريطانيا جاهدة لقيام ثورة فلسطينية منظمة تلقى كل الدعم البريطاني، وخاصة أن القاهرة كانت تدعم مشروعًا أمريكيًّا منافسًا لبريطانيا وفرنسا، بعد أن تخلصت حركة يوليو من رجل بريطانيا الملك فاروق، فلا بد أن يكون للفلسطينيين قيادة حقيقية تصنع على نار إنجليزية هادئة، تدعم قيادة دولة فلسطينية على الجزء المتبقي من أرض فلسطين، وبهذا تضمن بريطانيا نفوذها عند اليهود الذي ترعرعوا في أحضانها، وعند الفلسطينيين الذين سيقبلون منها هذا الاعتذار عن وعد بلفور، وأي اعتذار أحب إلى قلوب الفلسطينيين من أن تكون لهم دولة مستقلة وقيادة حقيقية على أرض فلسطينية؟.

هكذا يمكن أن نفهم الموقف الأوروبي والسوفييتي المتعاطف مع قيادة م. ت. ف لأن هذا التعاطف الدولي مع قيادة الفلسطينيين، منذ البداية هو الدليل القاطع على أن هذه القيادة رضيت منذ تأسيسها بقيام دولة يهودية على الجزء الأكبر من فلسطين، وإلا فكيف استضافت الأمم المتحدة ياسر عرفات عام 1974م ما لم يكن مرضيًّا عنه دوليًّا؟

لقد ألقى خالد الحسن، وهو شخصية فلسطينية مرموقة ومقربة من م. ت. ف كلمة أمام كوادر «فتح» في الدوحة عام 1974م أعلن فيها أن استراتيجية الثورة بعد حرب 1973م سوف تسير باتجاه القبول بقرارات الشرعية الدولية، وبقيام دولتين على أرض فلسطين، وقد لاقت كلمته استهجانًا عنيفًا من تلك الكوادر، ولكن الرسالة وصلت ما أريد لها.

ونحن نتساءل: لماذا اللعب بدماء الفلسطينيين طالما أن الطبخة جاهزة والمائدة معدة؟ أليس هذا تضليلًا وخداعًا للمقاتلين الذين استشهدوا من أجل فلسطين «كل فلسطين»؟. 

ماذا بقي من الضفة الغربية نهر الأردن؟ ولكن الممكنات السياسية التي زامنت تصريحات خالد الحسن لم تعد الآن ممكنة.

فقد قام اليهود بفرض سياسة الأمر الواقع على أراضي 1967م فما الذي يمنعهم من هذا وبيدهم الأرض والمال والقوة؟!.

فنتيجة لحرب يونيو عام 1967م، تمكن الكيان الصهيوني من تغيير الطابع الديمجرافي في فلسطين «كل فلسطين»، وظهرت استراتيجية جديدة في الاستيطان الصهيوني تتمثل كما ذكر يحيى فرحان «انظر معطيات أخرى: «القدس، قصة مدينة» في 11، 12 يحيى فرحان» في: 

‎١‏- توحيد مدينة القدس مع الإسراع في تغيير التركيب الداخلي للمدينة، وإنشاء حزام استيطاني ضخم حول التجمعات السكانية العربية في المدينة بهدف تغيير المظهر الحضاري العربي والإسلامي لها.

2- مصادرة الموارد الطبيعية والأراضي الصالحة للسكن والزراعة، والمواقع الطبوغرافية الاستراتيجية في الضفة الغربية، وإنشاء شبكة من المستوطنات وفق نظام تخطيطي يهدف إلى تحطيم شبكة المدن والقرى الفلسطينية والقضاء على وظائفها الاقتصادية والاجتماعية، وربطها بالمستوطنات اليهودية بأشكال هندسية مختلفة -طولية وعرضية وانتشارية» بهدف تطويق المراكز العمرانية وعزلها عن بعضها البعض. 

3- السيطرة على المواقع الاستراتيجية ببناء مستوطنات على ذري التلال والجبال وفي الأغوار على شكل عوائق بشرية ومراكز دفاع دائمة عن مراكز الثقل العمراني واليهودي في الأقاليم الساحلية.

وكانت المحصلة النهائية لهذا النمط الاستيطاني الذي ساد بعد حرب 1967م أن أدى إلى إلغاء نقاط الضعف في الخارطة الإسرائيلية والتي كانت سائدة قبل العام 1967م، كما أدى إلى تهويد القدس والأراضي الخلاء شرقي نابلس وضرب العقيدة في مركزها أو نواتها «إقليم القدس- والخليل»، وهنا يتواجد «مقتل فلسطين». كما يشير يحيى فرحان.

انقلاب معادلة الممكن والمستحيل: هذا الانقلاب الديموجرافي جعل الممكن مستحيلًا والمستحيل ممكنًا بالنسبة لقيادة م. ت. ف، فلم تكن هذه القيادة تتوقع أن تحصل على أقل مما يعرف بالأراضي المحتلة عام 1967م، وكانت مناورة هذه القيادة طيلة الفترة الواقعة ما بين عامي 1965م، و1974م تدور حول تحرير فلسطين «كل فلسطين» أما بعد حرب 1973م فقد توهم العرب وخاصة م. ت. ف وبمبادرة أمريكية تزعمها السادات أن الفرصة مواتية للحصول على كل الأراضي المحتلة عام 1967م، وكانت المفاجأة أن إسرائيل لن تنسحب من جميع الأراضي، بل سوف تمنح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًّا فقط، فرفض العرب وذهبت مصر السادات وحدها باتجاه هذا الحل ثم أعلن السادات أنه لا يمثل الفلسطينيين، وتبدلت الموازين السياسية، وعادت م. ت. ف تضغط على إسرائيل من خلال مناورتها القديمة «تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر» كورقة تخويف لليهود، وعاد الزخم يرتفع من جديد لخيار الكفاح المسلح، حتى مطلع عام 1982م، وهو عام حاسم في تاريخ الثورة الفلسطينية.

إذن لم يكن شعار تحرير كل فلسطين شعارًا صادقًا منذ انطلاقة م. ت. ف، ولنسمه شعار الاستهلاك المحلي الفلسطيني، فبغير هذا الشعار سينقسم الفلسطينيون في الخارج، ولن تتمكن المنظمة من قيادة الشعب كله، وستبرز قيادة جديدة ترفع شعار «كل فلسطين» وقد تسحب البساط من تحت أرجل م.ت.ف فكان الخداع والتضليل للفلسطينيين ودغدغة عواطفهم أهم ما يميز قيادة هذه المنظمة.

الخروج من بيروت

 اليوم المفصلي والأساسي بالنسبة للفلسطينيين هو يوم الحادي والعشرين من أغسطس سنة 1982م، ففي هذا اليوم تحرك ما لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل فلسطيني وبحماية دولية من لبنان باتجاه فلسطين، ولكن من كان يتصور حينها أن هذا الخروج كان فعلًا باتجاه فلسطين؟ وحده عرفات ومن حوله كانوا يعرفون، مع أن رحلة المقاتلين كانت باتجاه دول عربية تزيد السافة بينها وبين فلسطين عن آلاف الكيلومترات، مثل تونس والجزائر واليمن والسودان، ولكنها كانت بالفعل رحلة العودة إلى غزة / أريحا أولًا، رحلة لمقاتلين ينتمون إلى معسكر سلام الشجعان، هذا الخروج الفلسطيني حسب تصور معظم المراقبين والمحللين لم يكن لحل قضية الشعب الفلسطيني، لأن القضية منذ ذلك التاريخ بالتحديد بدأت تعني بالنسبة لمنظمة التحرير والدول العربية والأوروبية وأمريكا وروسيا، قضية المقاتلين الفلسطينيين فقط، فبحل قضيتهم داخل فلسطين يمكن إسكات اللاجئين والنازحين بما سيعرف فيما بعد بالتوطين، سواء في الأردن أو لبنان أو العراق وبعض مناطق الخليج، أو الغرب الأمريكي والشرق الاسترالي، ناهيك أن الفقر الذي يعيشه معظم اللاجئين والنازحين سوف يدفعهم للقبول بأي حلول مادية معيشية، وتصبح فلسطين في خبر كان.

هذا ما حققته قيادة شعب فلسطين الثورية المعاصرة، مع أن القضية برمتها كانت إسلامية عند العثمانيين، ثم أصبحت عربية عند القوميين العرب حتى موعد انطلاقة م. ت. ف. التي اختزلتها باسم الفلسطينيين «مقاتلين وغير مقاتلين« ثم صارت قضية المقاتلين الفلسطينيين فقط.

فلسطين: أرض وشعب

‎ شاعر م. ت. ف محمود درويش قالها ولم ينتبه إليه أحد، حين أعلن «بيروت خيمتنا الأخيرة». إنما كان يعني ما يقول، فبيروت حقًا كانت خيمتهم الأخيرة، وليست خيمة الشعب الفلسطيني وضمير المتكلم هنا يشير إلى المقاتلين المنطوين تحت شعار م. ت. ف وليس اللاجئين والنازحين. وهذا ما حصل فعلًا، عادت «القوى المحبة للسلام»، سواء كانت مسلحة بالكلاشتكوف أو بالقلم، وكذلك أبناؤهم وعائلاتهم، وسحقًا للباقين فمصيرهم التعويض والتوطين والولاء للمنظمة من المنفى، وبهذا تصبح يد المنظمة طويلة حتى في مناطق التوطين، ويصبع الفلسطيني ذا وجهين، وجه لقيادته التاريخية م. ت. ف ووجه للدولة التي وطن فيها. أهذا هو الحل؟.

ستصبح هناك ألف فلسطين، فهناك واحدة في الأردن وأخرى في لبنان وثالثة في سورية ورابعة في الخليج وخامسة في أمريكا وسادسة في أستراليا... إلخ. وهذا نصر للقيادة التاريخية للشعب الفلسطيني، «لأن ما لا تطوله يدي يطوله لساني»، فيمكن لهذه التي يطلقون عليها دولة فلسطين على جزء صغير من فلسطين أن تحرك كل فلسطينيي العالم، فهل تقبل بالعودة إلى جهاز قمعي اسمه «الأمن الوقائي» أم نرضى بالتوطين وهو أحلى الأمرين؟! أم نختار خيار الجهاد، ذلك الخيار الذي اختاره الله لنا، ففيه إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، والعاقبة للمتقين.

الرابط المختصر :