; منظمة التحرير وأفغانستان والإسلام | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التحرير وأفغانستان والإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1980

مشاهدات 96

نشر في العدد 469

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 12-فبراير-1980

بالرغم من حضور منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمر إسلام آباد الذي اتخذ قرارًا يدعو الاتحاد السوفياتي.. إلى سحب قواته من أفغانستان..! إلا أن تصريحات سابقة لمسؤولين في المنظمة إزاء التدخل الروسي العسكري السافر في أفغانستان جعلت الأوساط الإسلامية تتساءل عن حقيقة موقف المنظمة من هذا التدخل! الأمر الذي قاد إلى طرح سؤال آخر مرتبط به وهو ما موقع الإسلام في منهاج منظمة التحرير في كفاحها من أجل القضية الفلسطينية التي تعتبر من أهم قضايا المسلمين؟! هذا ما سنحاول الإجابة عليه الآن أما المنظمة ودورها في القضية التي أنشئت من أجلها فعسى أن تكون لنا إليها عودة إن شاء الله.

هل ينبغي الحياد؟!

في أعقاب مؤتمر وزراء خارجية دول «جبهة الصمود والتصدي» الذي عقد في دمشق في الأسبوع الثاني من شهر يناير الماضي لتحديد موقف الجبهة من الدعوة إلى حضور المؤتمر الإسلامي الذي عقد في إسلام آباد منذ ثلاثة أسابيع نشرت صحيفة «المونداي مورننغ» اللبنانية الصادرة يوم 20/١/1980 حديثًا للسيد فاروق قدومي «أبو اللطف» رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية تكلم فيه «وزير الخارجية» الفلسطيني عن موقف المنظمة من الغزو الروسي لأفغانستان فقال: «إن المنظمة لا تؤيد ولا تدين العمل السوفياتي في أفغانستان».

وذكر قدومي:«أننا نحاول اتخاذ موقف يتسم بالحياد الإيجابي في هذا الموضوع»

وأضاف المسؤول الفلسطيني: «أننا نعارض من حيث المبدأ أي تدخل ونحن نطالب بالاستقلال لجميع البلدان ولا يعني أن لنا أصدقاء «إشارة إلى الاتحاد السوفياتي» أنه ليست بيننا خلافات في الرأي وأوضح قدومي أن «سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية تتخذان موقفًا واحدًا إزاء هذه المسألة»

وندد قدومي من جهة أخرى بالحملة المسعورة المناهضة للسوفيات والتي شنت على أثر أحداث أفغانستان وقال إنها غير مقبولة لسببين:

أولهما: أنها تهدف في رأيه إلى صرف الأنظار عن النزاع العربي الإسرائيلي وتطبيع العلاقات المصرية الإسرائيلية المقرر له يوم ٢٦ يناير الحالي وهو نفس الموعد الذي سينعقد فيه المؤتمر الإسلامي في باكستان.

والثاني: هو دفع البلدان العربية والإسلامية إلى عقد أحلاف عسكرية جديدة لتحل محل الحلف المركزي وألمح قدومي إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية لن تحضر المؤتمر ما لم يعدل موعد ومكان انعقاده.

لكن فاروق قدومي لم يقف عند هذا الحد.

ففي زيارته الأخيرة لبلغاريا صرح «أن المنظمة تؤيد التلاحم بين الثورتين الأفغانية والسوفياتية» وقد فهم من هذا أن الرجل يعني بالثورة الأفغانية ليس المجاهدين المسلمين المظلومين بل رجال الحكم الجديد كارمل ورفاقه الذين وصلوا إلى سدة الحكم على سنابك الطائرات والدبابات الروسية!

إن هذه التصريحات فيها الكفاية لا لأنها تصدر عن واحد من كبار رجالات المنظمة ومن المؤسسين الأوائل لحركة فتح فحسب بل لأنه رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينة الذي يحلو لبعض الناس أن يطلقوا عليه وزير الخارجية الفلسطيني وهو يلعب دورًا على حد تعبير صحيفة الصنداي تايمز اللندنية: «الذي يدير الزيت على عجلات سياسة عرفات»

أما الناطق الرسمي للمنظمة رئيس دائرة الإعلام السيد ياسر عبد ربه فقد كان روسيًا أكثر من الروس حيث مجد الغزو الروسي لأفغانستان باعتباره موجها لضرب مصالح الإمبريالية الأمريكية والنظام الرجعي، وأدعى بأن الغزو كان شرعيًا وقد أثارت تصريحاته هذه نقمة عامة في الأوساط الشعبية الفلسطينية والإسلامية مما دعا المنظمة إلى الرد بأن تصريحات ياسر عبد ربه لا تعبر عن رأي منظمة التحرير وإنما تعبر عن رأيه الشخصي وعن المنظمة التي يمثلها «الجبهة الشعبية»! وفي ندوة صحفية عقدت في الكويت يوم 17/۱/1980 تحدث السيد خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية «وهو ذو خلفية إسلامية» عن استغلال التدخل الروسي في أفغانستان أو أسماه خلق حالة تعر لدفع العرب والمسلمين إلى طلب حمايتها وطالب «بعدم الانحياز» قائلًا وقد أظهرت فلسفة عدم الانحياز جدوى مهمة في هذه المرحلة فإذا كان المسلمون يعتبرون الغزو السوفياتي خطرًا على أفغانستان فإن الموقف الأمريكي أكثر خطرًا وتدميرًا للمصالح العربية والاقتصادية على المستوى العربي والإسلامي معًا.

ونحن نسلم أن أمريكا تريد أن تستثمر الوضع الدولي الجديد لتثبيت معالم سياستها حيال العالم الإسلامي ولكن هل يعتبر هذا مبررًا كافيًا للوقوف على الحياد؟ وحيال الاعتداء الصارخ على أخوة العقيدة والجهاد؟

....أن العقيدة الإسلامية التي تؤمن بها منظمة التحرير الفلسطينية- كما نظن- لا تفرق بين «المجاهد الفلسطيني» والمجاهد الأفغاني... وإذا تركنا منطق العقيدة كما يؤمن بذلك بعض قادة المنظمة فأين وحدة حركات التحرر الوطني؟!

وأین نصرة الحركات الثورية؟! لماذا نؤيد الثورة عندما تكون في فيتنام ونياكاراغوا ولا نناصرها في أفغانستان؟!

إن حركة عدم الانحياز قد ذبلت وانتهت فاعليتها ولم تعد صالحة حتى لدى الموحين بها فالمنظمة خير من يعلم أن الذين يدعون «الحياد الإيجابي» هم منحازون من حيث يعلمون أو لا يعلمون خاصة إلى سياسة «العم سام»

المنظمة والإسلام

على أن موقف المنظمة هذا يطرح التساؤل عن علاقتها بالإسلام وهل رفعت هذا الشعار منذ نشأتها؟ أن هذا السؤال كان أحرى ألا يطرح أصلًا فقضية فلسطين إسلامية على المستويين النظري والسياسي فمن الناحية النظرية أهل فلسطين مسلمون وفي بلادهم أولى القبلتين وثالث الحرمين ومن الناحية السياسية خطط اليهود إلى جعلها وطنًا لهم ودولة «لإسرائيل» لتكون إسفينًا في قلب العالم الإسلامي وهدم الخلافة الإسلامية الممثلة بالدولة العثمانية وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات متناثرة تسودها روح الفرقة والخلاف، ومع وضوح هذا الأمر فإن ميثاق منظمة التحرير رفع شعار «قومية» المعركة «وفلسطينية الحرب» ولم يشر مجرد إشارة إلى البعد الإسلامي، وقد قيل إن منظمة التحرير الفلسطينية وهي وليدة الأنظمة العربية وعلى رأسها نظام عبد الناصر لم يكن بوسعها أن تتخطى سياسة الأنظمة العربية، وهذا حق، لكن أليس الانسياق مع الأنظمة عن رضا بحد ذاته جناية ومشاركة للأنظمة؟!

وعلى أي حال فقد اتجهت آمال الأوساط الإسلامية إلى العمل الفدائي وبالأخص منظمة فتح التي أسسها رجال تتلمذ كثير منهم في مدارس الحركة الإسلامية ولكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني هذه التي استخدمت بعض العبارات والشعارات الإسلامية، لم تتخذ الإسلام منهجًا لها في العمل بل انطلقت من سياسية «علمانية» اتخذت في البداية «فلسفة البندقية» أو «هويتي بندقيتي» وقد اتفق مؤسسو فتح في اجتماعهم الأول في الصلبيخات بالكويت عام ١٩٦٤ على أن يتخلى كل واحد منهم- وحضر معهم الاجتماع جورج حبش- عن ولائه السياسي وهويته الفكرية ليلتقوا تحت شعار «هويتي بندقيتي» أي أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح قد أفرغت تنظيمها من أي محتوى فكري وهذا ما جعل الباب مفتوحًا؛ لانضمام ذوي الاتجاهات المختلفة إلى فتح مما انعكس أخيرًا على المنظمة بعد تزعم فتح لها، فكثرت الاجتهادات والخلافات والتي يرفع الآن شعار «وحدة القوى الفلسطينية» لعلاجها.

على أن أخطر انحراف وقعت فيه المنظمة من الناحية الإسلامية هو مطالبتها في أوائل السبعينيات «بالدولة العلمانية» أو الدولة «الديمقراطية» التي يعيش في ظلها اليهود والنصارى والمسلمون بالتساوي وكأن فلسطين لم يرفرف عليها علم الإسلام طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان!!

•وقد تطور الأمر من الناحية السياسية بحيث استبدلت المنظمة طريق الكفاح المسلح «بالنضال السياسي» والركض وراء القوى الدولية وهيئة الأمم من أجل الضغط على إسرائيل لمنح الفلسطينيين «دولة فلسطينية».

•ومن أجل هذه الدولة الهزيلة يخرج علينا بعض قادة المنظمة بتصريحات عجيبة، فهذا أبو إياد الرجل الثاني في المنظمة بعد ياسر عرفات، يقول في تصريح له الصحافة الكويت في نوفمبر ۱۹۷۹ : «إن ثورتنا الفلسطينية لیست إسلامية ولن تكون إسلامية»، وهو نفسه الذي يقول «الوطن (4/١٢/79)» «أننا سنكون سعداء جدًا إذا تمكنا من انتزاع اعتراف أمريكا بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني»، فهل يعني هذا أن «لا إسلامية الثورة» هي الثمن لصفقة الاعتراف الأمريكي بالمنظمة؟!

•والأعجب من هذا أن يأتي هذا التصريح مع التصريحات الأخرى حيال الوضع في أفغانستان في الوقت الذي أخذت فيه ظاهرة الانبعاث الإسلامي في الانتشار والوضوح في جميع أنحاء العالم الإسلامي مما يعتبر مصدرًا ثمينًا لنصرة الثورة الفلسطينية لو تابت إلى الله مما فات وحملت مع هذه الروح الجديدة راية الإسلام.

•ولم تقتصر ظاهرة الانبعاث الإسلامي على العالم الإسلامي خارج فلسطين، بل أخذت هذه الظاهرة مع مطلع الثمانينيات تبرز داخل الأرض المحتلة، وحملت الأنباء في الأيام القليلة الماضية أن موجة دينية عارمة تنتشر الآن في أوساط الشباب في فلسطين المحتلة.. في الناصرة وحيفا كما في نابلس والقدس وغزة...

وهم يطالبون برفع راية «الجهاد في سبيل الله» لطرد اليهود من «ديار الإسلام» فهل تقول لهم منظمة التحرير التي ترفع راية رفع الظلم عنهم ليتخلوا عن الإسلام؟! وليكونوا علمانين ويتعايشوا مع اليهود؟! أم تطالبهم بالهجرة إلى الدولة الفلسطينية المرتقبة؟!

الرابط المختصر :