العنوان منظمة التحرير وقطار التسوية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 615
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 05-أبريل-1983
·
نقول لأهل فلسطين: اصبروا، ولا تستسلموا،
والتحموا بالحركات الإسلامية.
·
هل تخرج المنظمة من المأزق دون أن تعترف
بإسرائيل؟
يقال إن قطار التسوية متوقف الآن في انتظار
الراكب الفلسطيني ياسر عرفات، فإلى أي مدى يصدق هذا القول؟ وهل صحيح أن الفلسطيني
محسوب ضمن ركاب القطار؟
المنظمة والتفاوض:
وإذا كنا نرفض مبدأ التفاوض مع إسرائيل جملة
وتفصيلًا، فماذا عن مواقف الأطراف المعنية بالقضية الفلسطينية من مسألة التسوية؟
وفي البدء لابد من الإشارة إلى أن حكومة العدو -على الرغم من تنازلات قادة
المنظمة- ترفض التفاوض مع منظمة التحرير، كذلك فإن مشروع ريغان يتجاهل منظمة
التحرير الفلسطينية، ومؤتمرات القمة العربية أقرت أن منظمة التحرير هي الممثل
الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فمن سيركب قطار التسوية من الفلسطينيين إن لم يكن
مندوبًا عن منظمة التحرير الفلسطينية؟ وما الصورة التي قد يتورط من خلالها
الفلسطينيون في مصالحة العدو؟
هناك محاولات ليضم الوفد الأردني فلسطينيين
ليسوا أعضاء رسميين في منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنهم عمليًا يمثلونها على نمط
المندوب الفلسطيني في اللجنة السباعية التي ذهبت إلى بريطانيا، فهل تقبل منظمة
التحرير بذلك؟ بل هل تقبل بقية الأطراف المعنية؟
تحاول إسرائيل أن تستبعد الفلسطينيين نهائيًا
من قائمة المفاوضين، وتعتبر الأردن -أي شرق الأردن- وطنهم، وبالتالي فكل فلسطيني
في الوفد الأردني يعتبر أردنيًا، وتحاول أميركا أن تجد مفاوضين فلسطينيين من سكان
الضفة والقطاع ممن لا علاقة لهم بمنظمة التحرير الفلسطينية ليفاوضوا إسرائيل
بالنيابة عن الفلسطينيين كممثلين شرعيين لهم.
ضغوط على منظمة التحرير:
وإزاء المواقف الإسرائيلية التي يصفها قادة
المنظمة بالتعنت فإنه يحلو لبعض قادة منظمة التحرير تكرار القول بأن المنظمة تقف
في موقف حرج، فهي من جهة كما -يقول قادتها- لا تريد أن يسجل عليها تاريخيًا
وقانونيًا وجماهيريًا أنها وقعت على الصلح مع إسرائيل؛ أي وقعت على التنازل عن جزء
كبير من فلسطين لليهود بشكل مباشر، وهي من جهة أخرى -كما يعلن في الصحف بعض
القادة- لا تريد أن تشهد عملية ابتلاع الضفة الغربية وقطاع غزة، وضمهما رسميًا إلى
إسرائيل وسط وضع عربي مترد يحملها فيما بعد مسئولية هذا الابتلاع.
وإلى جانب هذا يبرز قادة المنظمة ما تعانيه
جماهير الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وخاصة في صفوف الفتيات، هذا التسمم الذي
لم يقتل فربما أصاب الإنسان بالعقم فيما بعد، وهذا الإبراز يترافق مع التصريحات
الفلسطينية الرسمية بأن المنظمة تعاني ضغوطًا شديدة ليستوحي المراقب من هذا كله أن
المنظمة معذورة فيما ستقدم عليه، وفي هذا تصطاد إسرائيل عدة عصافير في وقت واحد،
فالسكان عليهم أن يخضعوا، أو يرحلوا، أو يموتوا، أو يصابوا بالعقم، والنتيجة
النهائية إفناء الشعب الفلسطيني وتصفية فلسطين شعبًا وقضية لصالح اليهود وإسرائيل.
ويتابع قادة المنظمة القول: ليست هذه فقط هي
الضغوط التي تمارسها إسرائيل على المنظمة لترضخ وتستسلم، وإنما هناك ضغوط أخرى
تتمثل في احتمال أن تشن هجومًا على بقايا الفدائيين الفلسطينيين المتواجدين في
بقاع لبنان وشماله وتجربة منظمة التحرير في بيروت وجنوب لبنان ليست بعيدة، والعون
العربي والسوفيتي للمنظمة أثناء الأزمة معروفة قصته، ولا داعي لتفتيح الجراح.
كذلك لا ينسى قادة المنطقة الإشارة إلى الضغط
العربي المتواصل على المنظمة بضرورة اللحاق بركب التسوية قبل أن تفلت الفرصة إلى
الأبد، لكن هؤلاء لا يفصلون القول في ماهية الضغط العربي، وإلى جانب هذا تبرز
المنظمة التضليل الأميركي المتواصل لإجبارها على الانتحار أو الاندثار، وإن تجربة
المنظمة مع أميركا وفيليب حبيب تجربة مريرة، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
محاولات النجاة:
إزاء كل هذه الضغوط الرهيبة -كما يرويها قادة
المنظمة- تحاول منظمة التحرير أن تصنع شيئًا ما، ولكن يبدو أن المؤامرة أكبر منها،
المؤامرة عالمية، وتسير بخطوات حثيثة، بل وبتيار جارف هذه المرة.
نعود إلى السؤال: هل تقبل منظمة التحرير أن
يفاوض مع الوفد الأردني فلسطينيون لا ينتمون رسميًا إليها؟ هناك وجهة نظر داخل
منظمة التحرير تقول: نعم، فهذا يعفي المنظمة من مسؤولية التوقيع على الصلح مع
إسرائيل، ويعطيها في نفس الوقت ثمار هذا التوقيع؛ أي إن استطاع الوفد الأردني أن
يحصل من إسرائيل على الأرض دون أن تعترف المنظمة رسميًا بإسرائيل، فهذا كسب للقضية
وللمنظمة معًا كما تقول وجهة النظر هذه؛ باعتبار أن حق النضال مستقبلًا من أجل
استرداد بقية فلسطين يظل أمرًا مشروعًا عندما تتهيأ الظروف لذلك.
ولكن هناك وجهة نظر أخرى داخل المنظمة تقول:
إن استبعاد المنظمة رسميًا من عملية التسوية هو استبعاد نهائي لها، وإغلاق ملف
القضية الفلسطينية إلى الأبد باعتبار أن الحقائق الجديدة البديلة عن فلسطين
والفلسطينيين هي وجود دولتين، هما: إسرائيل، والأردن، وشعبين، هما: الإسرائيليون
والأردنيون؛ لذا فيطلب عدم استبعاد المنظمة من التسوية.
ولهذا تصر منظمة التحرير على اتحاد كونفدرالي
مع الأردن؛ أي اتحاد بين دولتين، وتصر أميركا على أن تتمتع الأجزاء التي تنسحب
منها إسرائيل بحكم ذاتي ضمن إطار الدولة الأردنية.
هذا هو المطروح المعلن والمطلوب من منظمة
التحرير كما يقول (أبو إياد): أن تختار بين أن تذهب الضفة وغزة، أو يرحل
الفلسطينيون عن الضفة وغزة، والتسميم الذي يتبناه وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد
جزء من الخطة، فرح البعض لذهاب شارون، وتصور البعض الآخر أن إسرائيل ديمقراطية،
وقد تكشف الأمر الآن.. شارون لبناء المستوطنات الجديدة واينز لتهجير الفلسطينيين
من الأرض المحتلة.
والمنظمة تبرر بأنه حرصًا منها على عدم ضياع
الضفة والقطاع، وعدم إفناء السكان في الأرض المحتلة عليها أن توافق على أن يفاوض
الملك حسين بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عنها.
مفاوضات على مراحل:
وسيناريو المفاوضات يمر في مرحلتين، المرحلة
الأولى: قيام الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة والقطاع، بحيث تكون السيادة على
منطقة الحكم الذاتي متقاسمة نظريًا بين الأردن وإسرائيل، أما من الناحية العملية
فالسيادة الكاملة لإسرائيل، المرحلة الثانية: إجراء انتخابات بين سكان منطقة الحكم
الذاتي لتكوين مجلس تأسيسي لبحث القضية ككل.
والسؤال الآن أين هي منظمة التحرير في هذه
المفاوضات؟ بالطبع لا وجود لها، والسؤال الأهم أين هي الدولة الفلسطينية أو الكيان
الفلسطيني في ظل هذه الظروف؟ طبعًا لا وجود له، والنتيجة ضياع المنظمة، وضياع
الكيان معًا، ونحن نسأل: ترى هل مثل هذه الحلول المطروحة تؤدي إلى السلام؟ هل يمكن
إلغاء بلد يسمى فلسطين من خارطة العالم وإلغاء شعب يسمى الشعب الفلسطيني من
المجتمع الإنساني من أجل أن يحل محله شراذم من شذاذ الآفاق، يطلق عليهم اسم الشعب
الإسرائيلي، ومن أجل أن تقوم في الأرض المقدسة فلسطين دولة تسمى إسرائيل؟
هل يمكن أن يقوم سلام على القهر والغصب
والظلم؟ هل يمكن أن يتقرر مصير شعب بهذه الطريقة بالغة الإجحاف؟ لماذا حق تقرير
المصير لكل شعوب الأرض لابد أن تراعى فيه الحرية المطلقة، بينما حق تقرير المصير
بالنسبة للفلسطينيين بالذات تفهمه أميركا على أنه مرتبط بمصالح الدول المجاورة؟
لماذا تقرير مصير الشعب الفلسطيني يجب أن يكون
بيد الذين اغتصبوا وطنه، والذين ظاهروا على اغتصاب وطنه، والأوصياء غير الأمناء
وغير الشرعيين؟ ماذا تقبل منظمة التحرير؟ هل تقبل أن تشطب من الوجود هي وقضيتها؟
فإن رفضت فعليها أن تستعد للذبح والدفن؛ أي ظلم أشد من هذا الظلم؟ وأي اعتدال
وواقعية هذا الذي يتحدثون عنه؟ وأين هي مصلحة الشعب الفلسطيني في هذه الحلول
المطروحة والتي يعتبر رفضها تطرفًا؟ وعلى ماذا يختلف الفلسطينيون والأردنيون
وكلاهما مستهدف من عدو واحد شره وشرس؟ الأنظمة العربية أمسكت بزمام القضية
الفلسطينية قبل قيام الثورة الفلسطينية، ولم تحقق لفلسطين شيئًا، فإذا قام شعب
فلسطين بعد ذلك يحاول أن يصنع شيئًا لقضيته تآلبت عليه دول العالم حتى يعود مرة
أخرى تحت الوصاية، وصاية أنظمة حسبت قوتها في تبعيتها للدول الكبرى وعزتها في
جبروتها على شعوبها، ولم تكتشف حتى الآن أن قوتها في ولايتها لله، وعزتها في إعزاز
شعوبها، وإعطائها الحرية التي تفجر فيها الطاقات المبدعة.
المتاجرون كثر:
كم وصل إلى سدة الحكم حكام باسم فلسطين، وكم
كسب جماهيريًا زعماء ثوريون متاجرون باسم فلسطين، وكم كبتت حريات، وكم استهلكت
أموال، وكم أريقت دماء؟ ثم بعد ذلك تكون النتيجة الاعتراف بإسرائيل وباسم فلسطين
أيضًا، أجل، لقد ذهب السادات إلى القدس (إلى عقر دارهم) باسم فلسطين، ووقع
اتفاقيات كامب ديفيد باسم فلسطين، وأصبح كيسنجر (عزيزًا) باسم فلسطين، وحصل ابن
العم بيغن على جائزة نوبل مناصفة مع السادات باسم فلسطين، وكان السادات يقول
دائمًا لقادة المقاومة: «أنا رابط قضيتنا بقضيتكم»، وكان يكذب! إذ إن اليهود لم
ينسحبوا من سيناء إلا بثمن باهظ على هذه الأمة، رخيص على السادات، وهو بيع القضية
الفلسطينية، وسلخ مصر عن أمتها العربية والإسلامية، ليس هذا فقط بل قتل الحركات
الإسلامية النامية في مصر، وهي الأمل الوحيد في النصر، والخطر الحقيقي على إسرائيل.
رأينا:
نحن نقول لشعب فلسطين الذي ضحى كثيرًا، وعانى
كثيرًا: اصبر، وتجلد، ولا تهنوا، ولا تحزنوا، ولا تقعوا في الشرَك، وتوقِّعوا صك
الصلح أي الاستسلام تلهفًا على قطعة من الأرض تقيمون عليها بعد كل هذا الاضطهاد
وهذه المعاناة، ثم لا تحصلون بعد ذلك على شيء، والتفتوا إلى الإسلاميين في كل
مكان، تعلموا منهم الثبات على العقيدة، وعلموهم فنون القتال، وساعدوهم على أن تقوم
«دولة المدينة» ليكونوا لكم أنصارًا، وتكونوا عليهم مهاجرين، ثم تنطلقون معًا
لتحرير فلسطين تحت راية الجهاد، راية لا إله إلا الله والله اكبر، وعندئذ لن
تستطيع قوة في الأرض أن تقف أمامكم؛ لأنكم حينئذ مع الله، ومن كان الله معه فهو
الغالب.