العنوان منهجية العمل الإسلامي اليوم ولماذا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989
مشاهدات 104
نشر في العدد 916
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 16-مايو-1989
لا بد من أن تشمل المنهجية الإسلامية
رجل الشارع الذى يتساءل كثيرًا عن منهج عملي ينخرط فيه.
إذا كانت المنهجية هي أسلوب إيصال
المعرفة التي جاء بها المنهج (من معانٍ ومعتقدات وأحكام ومفاهيم وتصورات فكرية)
وترجمته إلى واقع سلوكي هدفه التغيير الشامل فهي إذًا تبليغ وحركة، والتبليغ
والحركة يحتاجان إلى معرفة تامة وعلم أكيد بالأسس والمبادئ التي تقوم عليها
الدعوة، كما يحتاجان إلى القدرة على التعبير الحسي لجملة هذه المبادئ والأسس
وترجمتها إلى واقع معاش ينسجم مع مدارك الناس وإمكاناتهم ينطلق بهم.
من مبادئ ثابتة (الأصول الإسلامية)
إلى نتيجة حتمية (إعلاء كلمة الله-
التغيير)
مستهديًا بخطى منيرة (هدي الكتاب والسنة)
والسلف الصالح وإمكانية الناس للتقبل والتعاطف والتبني.
فهي إذا من أجل التغيير، الذي لم تستطع
الوصول إليه رغم كل التضحيات، ورغم عشرات السنين من العمل الدائب المتواصل، ورغم
كثرة الإمكانات وتنوعها في آن واحد.
التغيير في أفكار الناس وتصوراتهم
وموازينهم، التغيير في ما يحتكمون إليه من نظر وقوانين.
التغيير الفكري والثقافي والاجتماعي،
التغيير في النظم السياسية سواء في بنائها أو في وظائفها أو قيمها أو معاييرها.
تغير هادئ متدرج، يُصلح من غير تدمير
ويبدل بدون أحقاد، لا يعتمد الصدمات الكهربائية في علاجه كما لا يستعمل الكي
للتخلص من آلامه.
والتغيير لابد أن يسبقه توعية وتثقيف
وهذه بدورها تستدعى وصول الناس إلى التعرف على الأسس والمبادئ بسهولة ويسر حتى يتم
قبولها ومن ثم تبنيها والمساعدة على نشرها وتسويدها على غيرها، لا يكفي أن نعرف
نحن هذه المبادئ، كما لا يكفي نشرها في نطاق ضيق فالمرء عدو ما يجهل، وإيصال
الحقيقة للناس فن لم يتقنه كثير من الدعاة.
المنهجية كيف؟
فالمنهجية إذا هي (الكيف) في دحرجة هذا
(الكم) من المبادئ على بساط الزمان والمكان وتحريك المجتمع باتجاه هدف واضح وهي
إذًا الحركة ذاتها فكيف بنا نسمع عن حركة بلا منهجية؟
وإذا كان هذا الكيف هو الطريقة التي
تتبعها للوصول إلى هذا التغيير، فليست كل طريقة تتبع للتغيير هي (منهجية)
بالضرورة، فقد يكون هذا التغيير يعتمد بالفوضى أو الظلم والكبت والقهر، وقد تكون
دوافعه نزوات مرضية أو شذوذ جماعي يجعل الناس يتخبطون بلا هوية ولا هداية.
فلكى يكون التغيير منهجيًّا، ولكي تكون
المنهجية مقبولة لا بد لها من السير وفق نظام معين فالمنهجية الشيوعية مثلًا في
النظام الماركسي تعتمد الصراع الطبقي من أجل حكم البروليتاريا بينما التغيير الذي
تنشده وتعمل من أجله حركات التحرر الشبابية في أوروبا وأمريكا لا يمكن أن نسميه
منهجية لأنه يفتقر إلى المبادئ الواضحة والنظام المطلوب، وهو تغيير محدود في
الزمان والمكان، القصد منه ملء الفراغ الاجتماعي بفلسفة سطحية أو موسمية لا تلبث
أن تتلاشي إذا ما جاء ما هو أثبت منها لسد هذا الفراغ، من هنا نخلص إلى أن المنهجية
المطلوبة يجب أن تتصف بالعمق والديمومة.
بين المنهجية العلمانية والمنهجية
الربانية:
المنهجيات التي تعبر- بالقول والفعل-
عن نظام ما وتسعى للوصول إلى هدف منشود إمّا أن تكون وضعية علمانية أو ربانية
إسلامية.
فالمنهجيات الوضعية غالبًا ما تعتمد
على الأفكار الفلسفية أو القواعد العلمية وقد تميز علمًا عن علم أو تغلب علمًا على
علم، وقد تهمل جانبًا علميًّا على حساب الجانب الآخر فتفتقر إلى الشمولية التي هي
من السمات البارزة للمنهجية الربانية الإسلامية، فقد يعتمد نظام الاقتصاد ويسخر
باقي نواحي الحياة الخدمة التطور الاقتصادي، وقد يعتمد الأخلاق ويغفل الجانب
المادي والنتيجة واحدة في كل الأحوال.
والمنهجية الوضعية قد تكون ذاتية وقد
تكون موضوعية في فهمها للتركيبة الاجتماعية، كما قد تكون استنباطية أو تحليلية
فتفتقر إلى سمة بارزة أخرى من سمات المنهجية الربانية وهى الكمال والتوازن، فهي
تعتمد النظرية والتجربة وما هناك من وسائل البحث العلمي فتنتهى إلى قسط من الصواب
ولكنها لا تنتهى أبدًا إلى الصواب الكامل لأنها كانت بشرية في تصوراتها وممارستها
وأحكامها، وشناعة العلمانية أنها تستثني الله من الحياة الاجتماعية لتستبدله
بالنفعية، تستبدل الهداية والتربية بالتنظيم، والإيمان بالثقافة، شناعتها أنها
تنسى أن لمجتمعاتنا جذور توحيد وأرض نبوات، شناعتها أنها أحالت الشريعة إلى
التقاعد من منهجيتها، وبينما المنهجية الإسلامية ربانية في مبادئها وتشريعها،
بشرية في ممارساتها سلفية في اهتدائها، لا تنتهى إلا إلى الصواب لأن غايتها رضا
المشرع لا رضا الممارس مهما علت مرتبته بين البشر.
فالمنهجية الإسلامية إذًا لا تنطلق من
فراغ ولا تسعى إلى سراب ليست موتورة ولا مبتورة من جذورها التشريعية (القرآن
والسنة) وهي علاوة على ذلك مشدودة إليها في كل خطوة من خطواتها وفي كل لحظة من
لحظات حياتها.
والمنهجية الإسلامية ليست منهجية تحسس
ولا تلمس، ولا هي منهجية استقراء ولا تجريب ولا منهجية تكتيك ومواقع، ولا هي كذلك
منهجية الحذف المتوالي لبعض من مبادئها، ولا كذلك الاقتراب أو التلقيح المتدرج من
مبادئ الآخرين وتصوراتهم كما هو حال الديمقراطية المسيحية، إنما هي منهجية تشغيل
وتطبيق تشغيل المجتمع المسلم في تطبيق المبادئ، فإن أخفقت في هذا التشغيل والتطبيق
(الحركة) فما عليها إلا مراجعة عملها وتصحيح مسارها، والكف عن التبرير والإسقاط
وعن رمي مسئولية فشلها على أقدار الله تعالى، فما كان الله ليغير حال القاعدين ولا
حال العاجزين أو المصرين على أخطائهم، هذا التشغيل خاصيته أنه يعطى لكل فرد دورًا
وليس لكل حزبي مركزًا أو سلطة، لا يسلب حق السلطة من صاحب المركز الشرعي لمنحها
للرفيق الذي يقوم بدور ما كما هو الحال في الحكومات الطائفية والحزبية، والقرارات
الرئيسية لإملاء الأوامر كما لا يحنطها في خزائن الدراسات الأكاديمية النظرية.
ثم إن المنهجية الإسلامية وإن كانت
مثالية إلا أنها ليست خيالية أو لا واقعية فهي ربانية بشرية كما أسلفنا، ولهذا
فلابد لها أن تجمع بين المثالية والواقعية، ترنو إلى المثالية، ولكنها لا تلتصق
بالواقع على أنه قدر لا سبيل إلى تغييره، ومأساة المسلمين اليوم أنهم على عكس
العلمانية يستثنون الواقع من الحياة الاجتماعية ويفرضون المثالية في مجتمع غير
مؤهل الضمير ولا متفتح المدارك.
رجل الشارع لم يعد يكتفي بالوعود
الفردوسية والأحلام الوردية إذا حكمه حملة راية الإسلام لأنه يخشى (الإسلامين) على
نفسه وعلى الإسلام معًا.
ولهذا فهو يطالب كل حركة إسلامية
بمنهجية واضحة، في أفكارها وخطواتها وتدرجها وحيويتها، واضحة في قولها للاختلاف
والائتلاف، وقبولها لحق الناس وحق الخطأ وحق تصحيحه، وفي حقهم في التعبير عما
يفكرون والدفاع عما يعتقدون.
رجل الشارع يريد من الإسلاميين ضمان
وجود دائرة معقولة لشطط الأفراد والجماعات لا ترسم حدودها أعواد المشانق ولا رصاص
الحرس الثوري.
رجل الشارع يريد أن يرى مكانه في
التسيير بين (العمائم) ويريد أن يحقق ذاته ويبسط تجاربه بين التجارب البشرية وإن
اصطبغت بصبغة إسلامية.
رجل الشارع هذا لا يفهم أن يقال له: إن
المنهجية الإسلامية محفوظة في الكتاب والسنة فلا حاجة أن تسألنا ولا حاجة بنا
لنشرها والإعلان عنها، فهو إما أنه لا يتبينها وإما أنه لا يثق في وعودنا، فلا مفر
إذًا من تقديمها له مبينة ومبوبة بلغة يفهمها ليحاكمنا عليها من خلالها. ﴿وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِيْنَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118).
معالم المنهجية الفكرية السلمية:
نقصد بهذه المعالم جملة المبادئ
والقواعد الفكرية والسلوكية التي ترسم الإطار العام لأي حركة إسلامية، وهو إطار
دائم لا مكان به للآراء والاجتهادات، ذلك أن ترجمة المبادئ إلى سلوك عملي لا بد له
من سياج من المفاهيم تلتزم بها الحركة وتتعامل بها مع الناس وفق أخلاقية اختطتها
مبادئها وشريعتها وألزمت بها أفرادها.
هذه المفاهيم هي سمات تميز الجماعات
الإسلامية وتبين قربها أو بعدها من روح الإسلام. من هذه السمات ما ذكرنا ولا بأس
من مرور سريع عليها:
الوضوح: فليس في العمل الإسلامي كما
ليس في الإسلام مبادئ تخفى على أناس دون أناس ولا علوم يختص بها ذوو المقامات «إن
الحلال بيّن وإن الحرام بيّن».
العلانية: أذن بلال فإن الدين علانية
فلم يعد في الإسلام ظاهر وباطن وخفى ومعلن.
الكمال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيْتُ لَكُم الإِسْلَامَ
دِيْنًا﴾ (المائدة: 3).
فالإسلام قد اكتمل، والوحي قد انقطع،
فما من سبيل لإضافات جديدة لا في القرآن ولا في السنة وكل من ادعى خلاف ذلك خرج من
الملة.
الربانية ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيْهِ اخْتِلافًا كَثِيْرًا﴾- (النساء: ۱۸۲)
﴿قُلْ إنَّ صَلاتِيْ وَنُسُكِيْ وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِيْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾. (الأنعام: 62).
الواقعية والمثالية: الواقعية المرتبطة
بالتسامي لا بالانزلاق، والمثالية التي يقترب منها العمل الصالح ولا يباريها عمل
البشر ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦). ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦). ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ
مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ۷۸).
الشمولية والعالمية: تشمل كل نواحي
الحياة ولا تغفل عن جانب، وهي عالمية لكل الناس ليست دعوة حزبية ولا قومية ولا عرقية.
«كلكم لآدم وآدم من تراب». حديث.
الاعتدال والوسطية: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: ٤٣). «إن هذا الدين شاق فأوغلوا فيه برفق»
(حديث) «ما شاد الدين أحد إلا غلبه» (حديث)
العدل والثبات والتوازن والإيجابية:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)
والثبات على المبادئ الإيمانية ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى
اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَوْمِ الآخرِ﴾ (النساء:
٥٩). والتوازن بين متطلبات العقل والجسد والروح، والتوازن في الحقوق والواجبات
والتوازن في الربح والإنفاق ﴿كَيْلَا يَكُونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ
مِنْكُمْ﴾ (الحشر: ۷) والإيجابية البناءة والعفو والتسامح.
أي منهجية عمل تقدم للناس؟
ثم إننا عندما نتكلم عن المنهجية
الإسلامية علينا أن نستحضر شيئًا أساسيًّا وهو أن الإسلام لا يحكم اليوم وبالتالي
فالمنهجية الإسلامية التي قد يتكلم عنها البعض اليوم يجب ألّا تكون منهجية (دولة
الإسلام الحاكمة) بل منهجية (الحركات الإسلامية) المشتتة والمبعثرة، والمضطهدة،
والمظلومة، والمكيلة. وعلى هذا فالتوسع في حقوق أهل الذمة وتطبيق الحدود ليست ذات
أولوية وليس لها مكان الصدارة في المنهجية الإسلامية. كما أن المنهجية الإسلامية
اليوم يجب أن تكون عقلية ابتكارية لا اجترارية نقلية، فما كان يصلح بالأمس لم يعد
يصلح اليوم، لأن مدارك الناس قد تطورت ومشاكلهم تنوعت وتشعبت.
يقول الأستاذ القرضاوي في كتابه (الحل
الإسلامي فريضة وضرورة) ص ٧٦ قامت عدة محاولات متفاوتة وفردية وجماعية لوضع دستور
إسلامي لا تخلو من ملاحظات واستدراكات تقل في بعض وتكثر في بعض منها: (صياغة موجزة
لمشروع دستور إسلامي للمودودي، ومحاولة الأستاذ أبي بكر الجزائري في كتابه (الدستور
الإسلامي) ومحاولة الشيخ النبهاني في كتاب (نظام الإسلام) ومحاولة (جبهة الميثاق
الإسلامي) في السودان قبل ثورة مايو ١٩٦٩ ولعلها أقرب هذه المحاولات إلى الاعتدال
والواقعية وإن لم نرها منشورة في كتاب).
مقاصدنا اليوم:
إننا عندما نتكلم عن منهجية العمل
الإسلامي فإننا نقصد إلى:
-استيضاح معالمها الرئيسية أولًا من أهل الذكر،
فقهاء وعلماء وفنيين وسياسيين.
حث الحركات والجماعات الإسلامية إلى
إصدار ما يوضح منهجيتها على الناس، وأن تعجل في هذه الخطوة حتى تعرف نفسها للناس
وتعرف هي من مصادرها لا من تحليلات الغير وكتاباتهم.
أن تسعى إلى تقريب المنهجيات من بعضها
للوصول إلى منهجية متقاربة إن تعذرت علينا المنهجية الموحدة.
والحديث عن منهجية للعمل الإسلامي
موحدة أو متقاربة أو رائدة- كما هو شعار مؤتمر (جمعية الطلبة المسلمين في
بريطانيا) في دورته الخامسة والعشرين- ليس بالأمر اليسير ولا هو بالأمر المستحيل،
لن يكون عملًا فرديًّا كما لن يحتاج إلى إجماع الأمة فهو عوان بين هذا وذلك، نلح
في طلبه لأنه بكل بساطة ضرورة ملحة.
المنهجية العملية:
ونقصد بها جملة الممارسات السلوكية
التي ترسمها الحركة، وإطارها والتي قد تكون متغيرة، وقد تكون متدرجة، وقد تكون
جامعة جملة من الاختبارات حسبما تمليه الظروف فالمعالم الفكرية المذكورة سابقًا
يسهل محاكمة الجماعات الإسلامية على أساسها لأنها مبادئ ثابتة هي من أصول الإسلام،
أما طرق التعامل مع الناس فهي متباينة بين جماعة وأخرى على كل حال تبرز الجانب
الحيوي وجانب المرونة في الجماعة أو الحركة.
فالإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية،
والجبهة الإسلامية في السودان، وجماعات أخرى تلتزم جميعها بالمبادئ، والمفاهيم
المذكورة سابقًا، بينما ترى جماعات أخرى تنتسب إلى الإسلام ولكنها تشذ في واحد أو
أكثر من هذه المبادئ، فتبقى مصداقيتها مشكوكًا فيها أو مردودة يقينًا.
وقد كتب الكثير عن المنهجية العلمية
تحت عناوين التربية والجهاد والانقلاب إلا أن هذه الكتابات كانت تدرس هذه السبل
دراسة مجردة تبين فضائلها أو تنقدها دونما إشارة إلى جماعة تتبناها.
التغيير:
وعلى هذا فمنهجية العمل لا بد أن تفصل
أمورًا وهي تسعى إلى التغيير أهمها:
ما هو التغيير المطلوب؟ هل هو تغيير
شامل لكل نواحي الحياة في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام.. إلخ أم هو قضية
واحدة من هذه؟
وقد يكون أخيرًا المواجهة المسلحة
السافرة، وهذا غالبًا ما يحدث مع القوات المستعمرة والطابور الخامس كما كان
المعهود مع ثورة الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي. وفيه يقول الله
تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ جَاهِد الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِيْنَ وَاغْلُظْ
عَلَيْهِمْ﴾ (التحريم: 9) ﴿وَلْيَجِدُوا فِيْكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: ٢٣).
البدائل: لا يمكن لأية منهجية أن تعتمد
على نقد ما هو قائم وتكتفي بذلك، فالنقد أو التجريح قد يعظم قوة الخصم ولكنه لا
يزيد القوة الذاتية شيئًا إذا لم يقدم البدائل، والبدائل يجب أن تكون قابلة
للتحقيق ومستندة إلى رصيد من التجربة، فعندما تنتقد النظام النقدي القائم يجب أن
تقدم بديلًا له، كما أن الأمر بالنسبة للتعليم والعمل ونظام الجيش
والقضاء......إلخ، كما أن الإكثار من سرد مظاهر فشل الوضع الاقتصادي أو السياسي أو
الإداري لا يعدو كونه زفرات يرددها العامة، والأنجح من هذا هو التركيز على ضحالة العقلية
التي تدير هذا النظام التي أغفلت عقيدة الشعب وفطرته.
التحديات: هناك في كل منطقة وفي كل بلد
تحديات كبرى أثقلت كواهل الحكومات المتعاقبة وشغلت الناس جيلًا بعد جيل، هذه
التحديات هي أول ما تدعونا لإعطاء الرأي فالقضايا الكبرى كفلسطين مثلًا والوحدة
العربية هي من الأمور التي لا يكفي الإعلان عن مساندتها، بل لا بد من توضيح
الخطوات العلمية التي نراها من منظورها الإسلامي ناجعة للتقدم بها، كذلك الأمر
بالنسبة لقضية المرأة وقضية فرص العمل والحريات بكل أشكالها.
هناك قضايا لا تحتمل الانتظار وتطالب
منا بدءًا إعطاء الرأي فيها واستعدادنا للبدء في التنفيذ وإلا ناصبتنا العداء من
الآن، وأذكر منها قضية الأقليات الدينية أو العرقية فمنها ما ظلم على مدى قرن من
الزمان كالأكراد مثلًا ومنهم من أوهمهم الأعداء بأن نهايته قرينة بوصول الإسلاميين
للحكم كالأقليات الدينية، فهذه جميعًا تلح في إعطاء تصور مفصل لمكانتها في
منهجيتنا.
الشرعية المبدئية والشرعية المرحلية:
وهذه يفصلها الأستاذ فتحي يكن في كتابه
«أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي» فيقول: نعني بالمبدئية الالتزام الكلي
بمضمون الإصلاح في المقولات والممارسات وعدم تبرير الوسيلة ورفض أنصاف الحلول
ونعنى بالمرحلية التدرج في الخطوات ضمن الدائرة المبدئية والأخذ بالأسباب وإقامة
محطات على طريقة العمل تشير إلى بلوغ نهاية مرحلية.
ثم يخصص مفهوم المبدئية والمرحلية على
الواقع اللبناني فيشير إلى أن الواقع اللبناني تعدى الحضارات والانتماءات لا يعتبر
في حدوده هذه أرضية صالحة لقيام أي حكم عقائدي سواء أكان إسلاميًّا أو نصرانيًّا
أو يساريًّا، وأن لبنان ليست فيه مقومات الدولة وأن هذا الواقع يفرض أن يكون العمل
الإسلامي كله في حدود الساحة اللبنانية مرحليًّا بمعنى أن الساحة اللبنانية بوضعها
الحاضر وبمواصفاتها لا تصلح لتحقيق الهدف الرئيسي من العمل الإسلامي والذي يتمثل
بقيام دولة إسلامية، ولكن هذا لا يعني التخلي عن المبدئية وأن المحافظة على وحدة
لبنان أرضًا وشعبًا هدف مرحلي يخدم المصلحة الإسلامية العليا؛ لأن التقسيم سيزرع
في قلب الأمة دويلات عنصرية وطائفية تعيق المسيرة الإسلامية.
ثم يخط بعض الأهداف المرحلية اللبنانية
كالتوازن الطائفي في الحكم والجيش وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية... إلخ،
ويقول أخيرًا: (إن شرعية المبدئية تفرض شرعية المرحلية وإن أخلاقية المبدئية توجب
أخلاقية المرحلية) فهلّا وعت الحركات الإسلامية في بلادها ما وعاه الأستاذ يكن في
لبنان وكانت منطقية ومنسجمة مع إمكاناتها مع أرضيتها؟
أخيرًا هذا عرض لبعض جوانب المنهجية
المطلوبة للعمل الإسلامي، تبقى العاقبة للمتقين الذين يرثون الأرض بإذن الله وهم
الذين قصدناهم فى النقد الإيجابي وهم الذين ما زالوا حملة راية النصر إن شاء الله
فلهم ندعو وبهم نقتدي. ﴿وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا وَإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ (العنكبوت: ۱۹).
يبقى البابُ مفتوحًا لأهل الرأي لمزيد
من المعالجة ونرجو أن نرى منهجية رائدة تتبنى الحركات الإسلامية خطوطها العريضة..
عندها يفرح المؤمنون بنصر الله.