العنوان منهجية تحليل الواقع السياسي (٦) تحليل الواقع السياسي وتفسيره
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1546
نشر في الصفحة 66
السبت 12-أبريل-2003
أدوات وأطر تحليل المعلومات: بعد التحليل والتفسير ...analysis- بعد التوصيف and Interpretation الخطوة الثانية المهمة في المنهجية العملية المتعلقة بكيفية فهم الواقع السياسي، فإذا كان التوصيف يجيب عن السؤال: ماذا حدث؟ فإن التحليل يجيب عن سؤال: كيف حدث؟ والتفسير يجيب عن سؤال: لماذا حدث على هذا النحو؟
ويعلو تحليل الواقع السياسي وتفسيره عملية التوصيف، لأنه يعتمد على المزيد من التجريد، وعلى إدخال افتراضات عقلية لا تخضع للملاحظة والتجربة المباشرتين.
كما يعد تحليل الواقع السياسي وتفسيره البداية لفهم العلاقات بين الوقائع والمعطيات المتعددة من جهة والواقع السياسي بمختلف تشابكاته من جهة أخرى.
وإذا كان التوصيف يعطي الدلالات الملحوظة، فإن التفسير يكشف الدلالات الأعمق من خلال المعالجة العقلية للمعطيات.
ويمكن القول من الناحية الإجرائية إن تحليل الواقع السياسي وتفسيره يجري على النحو التالي:
أ - تفكيك الوقائع والأحداث، والظواهر السياسية، أي تحويلها إلى أجزاء صغيرة من أجل محاولة فهمها كأجزاء... Micro مفردة لأنه يصعب فهمها إن كانت كلية.. فمثلًا ظاهرة «الاستقرار السياسي» التي يمكن أن يتصف بها «واقع» معين، يصعب فهمها إلا من خلال تفكيكها لجوانب وأبعاد الظاهرة المختلفة مثل: الأبعاد الأمنية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية...إلخ..
ب - تركيب الوقائع، والأحداث، والظواهر السياسية المختلفة لكي تمثل الظاهرة الكلية، وبالتالي يتم الفهم على المستوى الكلي، ويشمل ذلك ترتيب أهمية الأسباب حسب وزنها النسبي.
وتشمل عملية تركيب مكونات الواقع السياسي بيان الروابط والعلاقات بين الوقائع والظواهر السياسية المختلفة المتعلقة بالإجابة عن ثلاث أسئلة هي:
1 - كيف حدثت الواقعة، وتطورت في الحياة السياسية؟
٢ - لماذا أو ما الأسباب التي قادت إلى حدوث الظاهرة، وما التفسيرات المختلفة والمحتملة لهذه الوقائع والأحداث؟
٣ - ما تقييم هذه الظاهرة من زاوية تأثيراتها السياسية أو نتائجها المختلفة بالنسبة للإطار الذي حدثت فيه، أو الذي تفاعلت معه؟ وهناك منطقان يحكمان عملية الانتقال بين التفكيك والتركيب:
أ - الانتقال من الوقائع الجزئية إلى القاعدة الكلية، أي أن ما يصدق على «الجزء» يصدق بدرجة احتمال عالية على «الكل» أو مجموع الأجزاء ويقوم على استقراء الأجزاء ليصل إلى التوصيف الكلي.
ب- الانتقال من القاعدة الكلية إلى الوقائع الجزئية، أي أن ما يصدق على «الكل» ينصرف بالضرورة إلى المكونات أو الأجزاء الداخلة في تكوينه، فإذا كان التحليل الكلي قد توصل إلى أن نظامًا معينًا يتسم بالفساد، فإن ذلك يعد دالًا في أن أنظمته الفرعية تتسم بنفس السمة باعتبارها جزءًا منه، بالطبع فإن ذلك التعميم يقتضي العديد من الاستثناءات.
وينقلنا ذلك خطوة في فهم القواعد أو المبادئ الأساسية.
إجرائيًا فإن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها تحليل الواقع السياسي وتفسيره تتلخص في:
أولًا: تعددية العوامل التفسيرية للواقع السياسي، وتباين أوزانها النسبية:
ينبغي لتحليل أحد أحداث الواقع السياسي، أو أحد جوانب الظاهرة السياسية الرجوع إلى العديد من العوامل: الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، ولا ينبغي الاقتصار على عامل واحد مهما كانت أهميته، ويرجع ذلك لعاملين أساسيين:
ا -تعقد الظواهر السياسية، وتعدد أبعادها بحيث يصبح من اللازم لفهمها ووصفها إرجاعها لعوامل متعددة.
٢- كلما تعددت النوافذ التي نطل منها على الواقع السياسي المعقد، كان الفهم والتحليل أقرب إلى الحقيقة، محيطًا بجوانبها، وأبعادها المختلفة، وتترتب على ذلك أربع نتائج:
أ - رفض أحادية عوامل التفسير، أي رفض إرجاع التفسير إلى سبب أو عامل واحد مهما
كانت أهميته
ب -اختلاف الأوزان النسبية لعوامل التفسير.
ج- وجود عوامل تفسيرية أساسية وأخرى فرعية هامشية، ولا يجوز علميًا تصعيد بعضها محل البعض الآخر.
د - يختلف المحللون السياسيون في تقدير الأوزان النسبية للعوامل المفسرة للحوادث، أو مكونات الواقع؛ وبالتالي نستطيع تفهم نسبية التحليلات السياسية في تفسير الوقائع والأحداث.
ثانيًا: دورية تطور الأحداث والظواهر السياسية زمنيًا:
تعتبر «الوقائع» السياسية حلقات متتابعة في سلسلة الأحداث المتتالية زمنيًا، ويمكن تمييزها عن بعضها البعض نظريًا فقط لأغراض الدراسة العلمية. وتعني الوقائع والأحداث السياسية في إطار تحليل الواقع وتفسيره من الناحية الزمانية ما يلي:
أ- وجود «ذاكرة تاريخية» للأحداث أو الوقائع، أي أن الظواهر السياسية التي يعرفها واقع معين لها «ماضٍ معين»، يتحكم فيها - بدرجة من الدرجات – تزيد، أو تنقص، ويختلف من ظاهرة أو حادثة لأخرى، ولكنها «موجودة» على كل الأحوال.
ب - وجود «مواقع حال» عبارة عن شبكة قوى، ومصالح، وعلاقات، وتفاعلات واقعية تؤثر فيها، وتتأثر بها بدرجات متفاوتة ينبغي أخذها في الاعتبار.
ج - وجود تأثيرات وتفاعلات تتعدى واقع الظواهر السياسية المحدود، وذلك لتؤثر في المستقبل بدرجات متفاوتة.
والخلاصة أنه يجب بصدد تحليل الوقائع السياسية وتفسيرها أن يتم أخذ هذه الأبعاد الثلاثة في الاعتبار، وهي: تاريخ الظاهرة السياسية أو الواقعة السياسية، وواقعها الفعلي، ومستقبلها.