العنوان من أجل الإصلاح التعليمي والتربوي في الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 794
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
•في مناهج الخمسينيات كانت العروبة تظهر في كتب الطلبة على أنها شيء مناقض للإسلام.
•المعايير الأكاديمية لم تتبلور لأنها ما زالت تتأثر بتبدل الأشخاص الذين يتسلمون المناصب الأكاديمية.
•ماذا يمكن لنا أن نفعل عندما نسمع أنه يتردد كثيرًا في المحافل الأكاديمية أن مستوى جامعة الكويت لم يبق مشجعًا!؟
•لا بد من أن تحدد الأهداف التربوية معاني هوية الأمة الإسلامية وخصائص الشخصية العربية
تظل القضية التربوية هي القضية المحورية التي تلتف حولها أماني أهل الكويت وطموحاتهم وذلك لأنها تعنى مباشرة بإعداد الأجيال القادمة وصيانة المجتمع، ولأنها تتعلق أيضًا بسياسة الاستثمار البشري.
ولأهمية القضية التربوية نجد لزامًا علينا طرح بعض الأسس المفيدة في دفع عملية الإصلاح التعليمي والتربوي إلى الأمام وذلك على مستويات التعليم المختلفة، ولعله من الممكن أن نضع تلكالأسس في خمس بنود رئيسية هي:
- أهمية تحديد الأهداف العامة للتربية والتعليم في الكويت:
وهو ما يمكن التعبير عنه بهوية التربية والتعليم، وربما يستغرب البعض طرح مثل هذا الأمر بعد أن قطعت مسيرة التعليم النظامية شوطًا يزيد على ربع قرن، والواقع أن هذه الأهداف كانت تخفت وتتوهج على حسب تحول المؤثرات المحيطة بالكويت كدولة صغيرة وناشئة، وربماتكون هنالك ثلاثة وجوه متقابلة لهوية التربية والتعليم في الكويت هي: «الإسلام -العروبة- الإقليمية» وهذه الوجوه الثلاثة كان يتوهج أحدها في بعض الفترات على حساب الوجهين الآخرين، وعلى سبيل المثال فقد كانت القومية العربية هي الصبغة الغالبية لأهداف التربية والتعليم في فترة الخمسينيات والستينيات تأثرًا بالمد القومي الذي كانت تروج له بعض الزعامات في تلك الفترة، ويرى البعض أن الإقليمية «ونقصد بها إقليم دولة الكويت» قد بدأت تأخذ حظها من توجيه أهداف التربية والتعليم في فترة السبعينيات بعد انحسار المد القومي وانكسار موجته، والحقيقة أن تحديد هوية التعليم والتربية في الكويت يقتضي منا أننجيب على عدة تساؤلات منها:
•إلى أي أمة ينتمي المواطن الكويتي؟ وهل لهذه الأمة حضارة؟ وما علاقة المواطن الكويتي بالدين الإسلامي، وما علاقته أيضًا بالعروبة؟ ثم ما هي علاقته بالكويت كدولة وكجزء من الوطن العربي والإسلامي؟
ونحسب أن الإجابة على هذه التساؤلات تحمل في طياتها تحديدًا أدق لهوية التربية والتعليم المراد إعداد المواطن الكويتي من خلالها، على أن التساؤل حول هذه الدوائر الثلاث: «الإسلامية، العروبة، الإقليمية» وهل هي دوائر منفصلة أم متداخلة أم متناقضة أم متكاملة.. هذا التساؤل تمتد جذوره إلى فترات الخمسينيات والستينيات التي أشرنا إليها، فقد كان يبدو من خلال مناهج الدراسة في تلك الفترة أن العروبة شيء نقيض للإسلام، لأن المناهج آنذاك اكتست ثوبًا علمانيًا يتناقض مع الإسلام، وبالمثل، فإنه في فترة من الفترات بدت الإقليمية كأمر يتناقض مع العروبة والإسلام، مما كون لبسًا في هذه المفاهيم.
والحقيقة أن الأهداف التربوية يجب أن تحدد معنى هوية الأمة الإسلامية، وخصائص الشخصية العربية، وجوهر الانتماء السياسي لدولة الكويت، وأن تعني بإبراز صورة الهوية الإسلامية، والانتماء لأمة ذات حضارة إسلامية ذات قيم ومبادئ، وأن للشخصية العربية صفات وسلوكيات فاضلة ولغة وأدبًا وتراثًا غنيًا ثريًا وأن الانتماء السياسي لدولة الكويت لا ينفصل عن الأمة الإسلامية والشخصية العربية ويعني أيضًا المحافظة والدفاع عن أرض الكويت التي يعيش عليها أهلنا ومجتمعنا والإخلاص لهم في الحق والعمل على خيرهم ونفعهم علىالدوام .
- مراجعة بنية التعليم في الكويت:
فالبنية التعليمية في الكويت لا تزال قاصرة عن تحقيق حاجات خطط التنمية في البلاد وأوضح دليل على ذلك ضخامة أعداد الطلبة الكويتيين المتخصصين في الدراسات الأدبية وضآلة أعداد الطلبة الكويتيين المتخصصين في الدراسات العلمية، وهذا العزوف عن التخصصات العلمية والإقبال الجارف على التخصصات الأدبية سببه عجز البنية التربوية عن تلبية رغبات وتطلعات الطالب الكويتي وقلة تعدد مسارات هذه البنية التربوية وجمودها مما يشجع طلبة الكويت إلى الاندفاع إلى التخصصات الأدبية على حساب التخصصات الأخرى.
- ضرورة معالجة ضعف مستوى خريجي الثانوية العامة:
فلربما تكون النبرة الوحيدة المشتركة التي ترددها مؤسسات التعليم العالي في الكويت هي إلقاء اللوم في تبرير ضعف مستوى طلبتها على الضعف الذي يشهده مستوى من خلالها من خريجي الثانوية العامة والزعم بأنها تعاني المشقة والعناء في الارتقاء بمستوى الطلبة إلى المستوى المأمول والمنشود، وهذا رغم قناعتنا الراسخة بأن مؤسسات التعليم هي الأخرى تشكل عاملًا أساسيًا في تعزيز ضعف مستوى الخريجين عمومًا إذ إن دور هذه المؤسسات في الفترة السابقة والوقت الحاضر لن يؤدي إلى الارتقاء بمستوى هؤلاء الطلبة لضعف هذه المؤسسات أيضًا وهذا يستدعي وبإلحاح إعادة النظر في مستوى الهيئة التدريسية ومناهج التدريس والكتب التي يدرسها الطلبة في هذه المؤسسات من أجل تصحيح المسار.
- إنقاذ مؤسسات التعليم العالي من التردي:
وتأتي أهمية هذه النقطة في كون مؤسسات التعليم العالي تشكل جزءًا رئيسيًا من هيكل التعليم في الكويت وربما تكون مقياسًا لدى البعض على مستوى التعليم في البلاد، ولا يخفى أنه قد تردد كثيرًا في المحافل الأكاديمية أن مستوى جامعة الكويت لم يعد مشجعًا وهذا التردي في رأينا لا يعود إلى سياسة القبول فقط كما قد صور البعض وإنما يعود إلى عدة أمور منها:
- غياب الجو الأكاديمي ذو المعايير والأعراف الراسخة، إذ إن هذه المعايير الأكاديمية لم تتبلور حتى الآن ولا زالت تتأثر بتبدل الأشخاص الذين يتسلمون المناصب الأكاديمية والإدارية في هذه المؤسسات بل وأخذت هذه المعايير طابع المزاجية والشخصانية، وحل محل المعايير الأكاديمية المفقودة جو مشحون بالمنازعات والصراعات حول المناصب شهد بروز تناصر فئات ضد أخرى مما صرف كثيرًا من أعضاء هيئة التدريس عن البحث والتحصيل العلمي إلى الانشغال فيما سواه، والحقيقة لو أن الجامعة أأأغدقت في إعطاء الحوافز المادية والأدبية لأصحاب البحث العلمي والتحصيل الأكاديمي وأنقصت مثيلاتها بالنسبة لأصحاب المناصب لوجدت تنافسًا وتسابقًا بين أعضاء هيئة التدريس في تقديم البحوث والدراسات التي تثري المكتبة الجامعية والتعليم الجامعي وترتقي من ثم بمستواه وثمة نقطة أخرى قد تعين تغييب مظاهر الصراع على المناصب ألا وهي تقليص سلطات القرار في يد أصحاب هذه المناصب ووضع هذه السلطات في إطار موضوعي مدروس لصناعة القرار عن طريق صياغة قوالب لائحية ثابتة لا يستطيع أصحاب القرار تجاوزها وتضمن للجامعة من ثم بعد هذه القرارات عن المزاجية والرغبات الشخصيةلأصحابها .
- توفير الخدمات والمرافق اللازمة للتعليم كإيجاد المباني الجامعية اللائقة بما تحويه من فصول مجهزة بأحدث الوسائل التعليمية ومختبرات علمية حديثة متطورة ومزودة بالفنيين هذا بالإضافة إلى خدمات السكرتارية والطباعة الأجهزة الإدارية التي تربط بين الطالب وهيئة التدريس والإدارة، كما لا تغيب أهمية توفير أماكن الاستراحة للطلبة والمدرسين وتزيين الحرم الجامعي بالساحات الخضراء التي تكسي المكان بهيبة الهدوء والسكينة اللازمة للجو العلمي، ولا غنى كذلك عن المكتبات الثرية بالمراجع القديمة منها والحديثة المستجدة والتي يجب الحرص على أن ترقى «أي المكتبات» إلى المستوى الدولي للمكتبات الجامعية ذات الخدمات الراقية لطلبة العلم.
جـ- وضع قانون للجامعة من الوضوح والتكامل بحيث يحدد الأهداف العامة للجامعة وينظم العلاقات بين أطراف التعليم الجامعي بكل حيادية وبالشكل الذي يخدم المصلحة العامة.
- الاهتمام بالمسارات الأخرى للتعليم العالي:
كمسار التعليم التطبيقي ومسار التدريب اللذين أصبحا في عصرنا الحاضر الأخطر والأهم بين مسارات التعليم العالي، في الوقت الذي ينالان فيه الحظ الأقل من اهتمام المسؤولين عن التعليم في الكويت، هذا النوع من التعليم هو الأخطر لأنه المعني بتلبية احتياجات خطط التنمية في الدولة بل هو -وكما أثبتت التجارب البشرية الحديثة في مجال التعليم- القادر على تحويل المجتمعات من مجتمعات استهلاكية متخلفة إلى مجتمعات إنتاجية متحضرة، وليس بمستغرب أن دولة مثل ألمانيا الشرقية يشكل فيها الطلبة الدارسون في معاهد التعليم التطبيقي ومعاهد التدريب والكليات العلمية نسبة٩٥٪ من طلبة التعليم العالي في حين يشكل طلبة الكليات الإنسانية والأدبية في الجامعات الألمانية الشرقية 5٪ فقط من مجموع طلاب التعليم العالي.
والحقيقة أن أخطر ما يهدد مسار التعليم التطبيقي والتدريب هو تحويله إلى نسخة طبق الأصل من المسار الجامعي ليسيرعلى ذات الخطوط التي يسير عليها التعليم في الجامعة، ويبدو أن الحال في الكويت الأن تسير على هذا النحو، لأن ما أعلنته الإدارة الحالية للهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب أو ما أسمته الهيئة «بالاستراتيجية» يؤكد على انتهاجها نهج التعليم الجامعي وإلغاء دور التدريب تمامًا وهذا لا يستغرب إذا علمنا بأن الإدارة المالية للهيئة عديمة الخبرة في التعليم عمومًا وفي مجال التعليم التطبيقي والتدريب على وجه الخصوص، ولا تملك هذه الإدارة الإحاطة العلمية بهذا النوع من مسارات التعليم، ولا شك أن وقوف جميع أعضاء هيئة التدريس في المعاهد التطبيقية ضد توجهات الإدارة المالية في هذا المقام يؤكد وجود الفجوة العميقة بين الإدارة المخططة وأعضاء هيئة التدريس المنفذين، ولا ندري كيف تستطيع الإدارة الحالية تحقيق استراتيجيتها على أيدي منفذين غير مقتنعين بهذه الاستراتيجية ويطالبون بوقف العمل بها .
وإذا كانت هناك كلمة أخيرة فهي التأكيد على أن معالجة القضية التربوية أكبر من مجرد الاسترشاد بالنقاط الخمس التي ذكرناها فتلك النقاط رغم أهميتها البالغة تبقى جزءًا من عناصر القضية التربوية التي تشكل الهم الأكبر لدى المخلصين في الكويت، ونرجو أن فيما أوردناه قدرًا من المساهمة في الارتقاء بمستوى التربية والتعليم في بلادنا ونأمل أن تصادف محلًا للقبول لدى المسؤولين والمعنيين بالقضية التربوية وأن تكون قد مست مواطن الضعف في العملية التربوية تنبيهًا للتربويين على أخطارها وتحفيزًا لهم على درء تلك الأخطار واقتلاع جذورها من جهاز التربية والتعليم بالكويت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل