العنوان من أجل تطوير الأنشودة الإسلامية
الكاتب علي أبو النصر الرشيد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 52
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 17-أبريل-1990
- ارتبط النشيد الإسلامي في عصرنا الحديث بالإلهيات
والمدائح النبوية والصوفيات.
- عرفت الأنشودة الإسلامية منذ بزوغ الرسالة المحمدية.
- النشيد الإسلامي المعاصر عبر عن هموم ومطامح الشباب والحركات
الإسلامية بآلامها وآمالها.
لم يعد دور الأنشودة الإسلامية مقتصرًا على التسلية المباحة أو الترفيه المباح على أهمية هذا الجانب، إذ لا يفترض في المسلم أن يكون كل صمته فكرًا وكل تأمله عبرة وكل فراغه عبادة؛ لأن الإسلام اعترف بكل ما تتطلبه الفطرة البشرية من عواطف، وأشواق، ورغبات مقيدًا ذلك كله بحدود ما شرعه الله وضمن نطاق الأدب الإسلامي، بل تعتبر الأنشودة الإسلامية إحدى وسائل الدعوة الإسلامية التي تسعى لاستثارة الهمم، وتحفيز العواطف في النفس المسلمة وهي تسير في درب الدعوة والجهاد اللاحبة الطويلة وتطرد منها نوازع الوهن والضعف.
ونقد الفن الموروث للانحلال والميوعة الذي يندرج في قائمته اللحن الماجن، والأغنية الهابطة يقتضي منا البحث عن فن ذي طابع إسلامي وبنفس القوة الدعائية التي يروج بها للفن الرخيص، ومن هنا يتوجب علينا كحركات، وهيئات، ومؤسسات إسلامية الاهتمام بمفردات الفن الإسلامي سواء كان نشيدًا، أو مسرحًا، أو فيلمًا... وتقديم نماذج ذات مستوى جيد يقبل عليها الناس تعويضًا عما ألفوه بين أيديهم وعلى مرآهم، وعندما نوفر ذلك سيكون من السهولة بمكان أن تقارن مجتمعاتنا بين الغث والسمين، والمفسد والمصلح، وخير لنا ألف مرة أن نبني لبنة واحدة في جدار العمل الإسلامي من أن نكتفي بنقد الواقع الذي لا يرضاه الإسلام مائة عام.
الأنشودة في صدر الإسلام
لقد عرفت الأنشودة الإسلامية منذ بزوغ الرسالة المحمدية، وقد كانت مرتبطة بحداء الإبل الذي ألفه العرب أثناء قطع المفاوز والبوادي «الارتجاز» التي تستغرق زمنًا طويلًا بغية طرد السآمة والملل.
فقد ثبت في الأحاديث الشريفة أن الصحابة رضوان الله عليهم ارتجزوا أمام النبي صلى الله عليه وسلم أشعارًا في نغمة محببة وكان الرسول الكريم يستمع إليهم مترنمًا وبعض الأحيان يردد معهم ما يقولون ومن ذلك ما ارتجزوه عند بناء المسجد النبوي الشريف:
لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا العمل المضلل
وفي حفر الخندق ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ارتجز هو وأصحابه متنغمين الأبيات التالية:
لاهمّ لولا أنت ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام أن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا *** وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الشعراء للحداء وهم في ذهابهم أو إيابهم من الغزوات، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم دعا الصحابي كعب بن مالك ليحدو بالركب الإسلامي العائد منتصرًا من خيبر فانطلق الصحابي منشدًا:
قضينا من تهامة كل حق *** وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت *** قواطعهن: دوسًا أو ثقيفًا
وسرعان ما شقت هذه الأرجوزة طريقها إلى كل مكان من الجزيرة العربية، وما إن لامست أسماع «دوس» حتى ارتعدت فرائصها، وملأ قلبها الرعب وأعلنت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامها.
ومما روي في السيرة أن الصحابي الجليل الشاعر عبدالله بن رواحة كان ينشد في غزوة تبوك[1] وقد ولي أمر جيش المسلمين:
أقسمت يا نفس لتنزلن *** لتنزلن أو لتكرهن
قد أجلب الناس وشدوا الرنه *** ما لي أراك تكرهين الجنة
وفي هذه الأبيات حفز للنفس المقاتلة على عدم التردد والخوف والتذكير بالشهادة وأجرها.
وفي المناسبات السارة، والأفراح، والاستقبال عرف النشيد في صدر الإسلام، فقد روى الطبراني وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أنها زوجت يتيمة من الأنصار، وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها، قالت: فلما رجعنا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قلتم يا عائشة؟» قالت: سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الأنصار قوم فيهم غزل.. ألا قلتم يا عائشة:
أتيناكم أتيناكم *** فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمراء *** ما جئنا بواديكم
ولولا الذهب الأحمر *** ما سمنت عذاریکم».
وثبت في السيرة أن بنات صغيرات من بني النجار خرجن فرحات بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة المنورة وهن ينشدن:
نحن جوار من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار
فقال عليه الصلاة والسلام لهن: أتحببنني؟ فقلن: نعم، فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكن.
النشيد الإسلامي إبان استعمار العالم الإسلامي
أما في عصر الاستعمار فقد ارتبط الشعر الإسلامي بالنغمة الحماسية الجهادية، فالشاعر الكبير محمد إقبال كانت أشعاره وأناشيده تتردد على أفواه المجاهدين الذين حملوا السلاح في وجه الإنجليز في القارة الهندية، وكانت فكرة استقلال المسلمين بجزء من الهند من أفكاره، فمن نشيده الإسلامي:
الصين لنا والعرب لنا *** والهند لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا دينا *** وجميع الكون لنا وطنا
وفي فلسطين كانت تتردد كلمات الشاعر عبدالرحيم محمود والتي يحفظها كثير من أبناء فلسطين:
سأحمل روحي على راحتي *** وألقي بها في مهاوي الردى
فأما حياة تسر الصديق *** وإما ممات يغيظ العدى
وفي اليمن أشعلت قصائد الشاعر الإسلامي محمد محمود الزبيري المنشدة الثورة في قلوب أهل اليمن ضد حكم الإمامة الجائر وتكاد لا تجد يمنيًا لا يحفظ قصيدة الزبيري التي مطلعها:
خرجنا من السجن شم الأنوف *** كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف *** ونأتي المنية من بابها
الأنشودة في واقعنا الإسلامي المعاصر
وفي عصرنا الحديث ارتبط النشيد الإسلامي حتى عدة عقود خلت بالإلهيات والمدائح النبوية وبالصوفيات، بمعنى إنه كان خال في كلماته وألحانه من الهموم الإسلامية المعيشة إلى أن كانت السبعينيات والتي شهدت تنامي وجود الحركة الإسلامية في بلاد الشام، فاكتسب النشيد الإسلامي لونًا وطابعًا جديدًا هو مدار حديثنا في هذه العجالة، فعرفنا أناشيد المنشد الإسلامي أبي عبدالله البربور الذي كان ينشد للشاعر الإسلامي وليد الأعظمي، ومحمد إقبال، ومحمد منلا غزيل وغيرهم في المناسبات الإسلامية من خلال المساجد، ثم في خطوة متطورة عبر هذا المضمار ظهرت الفرق الإسلامية الشابة التي قامت بالمشاركة ببعض الحفلات الإسلامية كالإسراء والمعراج، أو بغزوة بدر، أو بالمولد النبوي الشريف ضمن المساجد، أو إحياء حفلات الأعراس والزفاف الإسلامي، كما قامت بإعداد بعض أشرطة الكاسيت وحققت هذه الأشرطة رواج الأنشودة وانتشارها، وكان من هذه الفرق فرقة منذر سرميني «أبو الجود»، وفرقة أبي مازن، وفرقة البراعم المسلمة «أداء مجموعة من الأطفال» ومنذ الثمانينيات وحتى الآن شهدنا ميلاد مجموعة من الفرق الفنية الإسلامية في عدد من بلدان العالم العربي والإسلامي مثل: فرقة الهدى الإسلامية، وفرقة اليرموك بالأردن، وفرقة «روابي القدس» وأناشيد رابطة الطلبة الفلسطينيين بالكويت، وفرقة المعهد المركزي، وفرقة «أشبال القرآن» باليمن، وفرقة «أركان الإسلام» بمصر، وأناشيد الدمام والشجرة الطيبة والبدائل في السعودية، وفرقة البحرين بالبحرين وغيرها....
وقد أتيح لهذه الأنشودة أن تظهر في مهرجانات خاصة دعيت بمهرجانات الأنشودة الإسلامية في كل من الأردن والكويت والإمارات واليمن...
ميزة النشيد الإسلامي
1- النص الهادف من خلال عمق الكلمات والصورة الحية والتعبير المؤثر.
2- التنوع في الموضوعات ما بين الهيئات، ومدائح نبوية، وقصائد حماسية، وغيرها من المشاعر التي تعتري النفس البشرية في تناسق وتوازن وانسجام وتجديد.
3- التعبير عن هموم ومطامح الشباب والحركات الإسلامية بآلامها وآمالها، ويمكننا تلخيص اللهجة الجديدة للأنشودة الإسلامية في عصرنا الحاضر من قصيدة «نشيدنا» للمنشد الإسلامي منذر سرميني
«أبو الجود»:
نشيدنا مشاعل الحياة *** نشيدنا مطامح الدعاة
نور جاء بسمة ضياء *** نشيدنا نار على الطغاة
نشيدنا بشائر بالنور *** والنصر والايمان والتحرير
وهذه الأجيال كالطيور *** تسير نحو الله مسرعات
أما فرقة الهدى «أبو دجانة وفرقته» فقد عبرت عن نشيدها:
نشيد الهدى حبذا من نشيد *** يجدد في النفس روح الصمود
ويحيي الحقائق رغم القيود *** لتنشر نور الرسول الودود
من أجل تطوير النشيد الإسلامي
ورغم ما كتبناه عن النشيد الإسلامي في وقتنا فإنه- للأسف- لا يزال يتطور من خلال المبادرات الفردية بعيدًا عن التخطيط المؤسسي الذي يجب أن تتبناه الجماعات والمؤسسات الإسلامية، ومن هنا لابد أن نسجل النقاط التي تعتبر نقاط ضعف في مسيرة العمل الذي يخص الأنشودة الإسلامية في العقدين الأخيرين:
1- عدم وجود شعراء متخصصين بكتابة الأنشودة والأرجوزة على غرار بعض كتاب الأغنية الإسلامية «كأحمد رامي» ولا شك أنه يجب أن يراعى فيها الكلمة البسيطة المؤثرة والبحر الغنائي كبحر الرمل والرجز والمتدارك ومجزوءات الأبحر التي تلائم اللحن وتتواءم معه، ومن العجب أن نجد شاعرًا يساريًا كسليمان العيسى رغم أن مقدرته الشعرية كشاعر للكبار تحول لكتابة الشعر للأطفال، دون أن نجد من شعرائنا الإسلاميين من اتجه إلى سد الفراغ في هذا المجال ولم نجد من جمع الأناشيد الإسلامية إلا النزر اليسير مثل کتاب «نشيدنا» و«أناشيد الدعوة الإسلامية» وغيرها.
2- عدم وجود مؤسسات للإنتاج الفني في مجال الأنشودة الإسلامية تتوفر فيها تقنيات العمل الفني من أستوديوهات وخبرات كفاءة في مجال الصوت والتصوير والإخراج والإضاءة... تعمل في إطار خطة منظمة لتقديم شريط الكاسيت والفيديو الإنشادي بصورة دورية ولتوفير الأجواء المريحة للمنشدين، وتقديم الدعم المادي، والمعنوي لهم بالإضافة إلى الاهتمام بمسألة التوزيع والنشر للكاسيت والفيديو والتبادل في هذا المجال لتكون سلاسل في مجال الأنشودة الإسلامية، ولعل مؤسسة كمؤسسة الزهراء للأعلام العربي بمصر والتي انتجت بعض التمثيليات التلفزيونية التاريخية تفطن لهذا الجانب الحيوي من وسائل الدعوة الإسلامية.
3- إيجاد الكوادر المؤهلة وذلك من خلال إقامة الدورات التدريبية- لأننا وجدنا من خلال التجربة أن ظروفًا معينة أوقعت بعض المنشدين عن الاستمرار والمتابعة- يتدرب فيها الموهوبون «قواد الفرق، الكورس» على فنون النغم والإيقاع والعروض وضوابط النشيد الإسلامي، وهناك تجربة حية أقامتها مؤخرًا الهيئة العامة للمعاهد العلمية في مجال الدورات التدريبية، وذلك من أجل تطوير ملكات الطلبة الموهوبين في مجال العمل الفني قدمت فيها عدة محاضرات غطت الجوانب الفنية المختلفة كعلم النغم، والمقامات، والإيقاع، وموسيقى الشعر، بالإضافة إلى محاضرات لتأصيل الفن الإسلامي مثل:
ضوابط النشيد الإسلامي وطابع النشيد الإسلامي وأهمية النشيد كوسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية، وقد رافقت هذه المحاضرات تطبيقات عملية يومية على اللحن، والنغم، والإيقاع، وتم تلحين وتقديم مجموعة من الأناشيد الجديدة في ختام الدورة.
4- ضرورة تأمين الدعم المالي اللازم من قبل الهيئات المهتمة بالدعوة الإسلامية لهذا الجانب المهم وذلك لتحقيق ما يلي:
أ- لإنشاء المؤسسات التي تهتم بالإنتاج الفني.
ب- إيجاد الفرق الفنية المتخصصة والمتفرغة.
ج- تقديم الحوافز للمتعاونين في هذا المجال.
د- أنشودة الطفل المسلم: يمكننا أن نلقن الطفل في سن عمره الأولى، وفي المرحلة الابتدائية كثيرًا من المفاهيم والقيم، والأخلاق من خلال الأنشودة التي يميل الطفل إليها سماعًا وترديدًا؛ إذ إن خاصية المحاكاة وقوة الحافظة تكون نامية عنده، ومن هنا وجب علينا أن نولي البرعم المسلم اهتمامًا خاصًا في ميدان الأنشودة، ومن العجب ألا نجد غير مجموعة محدودة جدًا من أشرطة الأناشيد التي تخص الطفل والشبل المسلم مثل: براعم الهدى، والبراعم المسلمة، والورقة الحمراء والبيضاء والصفراء.
وبعد
فلو أجرينا دراسة ميدانية على مجمل ما صدر من أناشید إسلامية كمًا وكيفًا للحظنا أن هناك شحًا مريعًا في مجال الكم الانتاجي ولوقفنا على ضعف في الكيف سواء في الأداء أو تقنيات التسجيل على الشريط المرئي والمسموع، إن هذا الفراغ الهائل المهمل يملي علينا بذل الجهد لتأمين البديل الإسلامي للفنون المخدرة المورثة للميوعة والانحلال.
المراجع:
1- سليم عبدالقادر زنجیر، نشيدنا، دار السلام ط 5.
2- حسني أدهم جرار وزميله، أناشيد الدعوة الإسلامية دار الفرقان ودار عمار ط ١٩٨٤.
3- د. يوسف القرضاوي، الحلال والحرام في الإسلام، المكتب الإسلامي، ط ١٤- 1985.- ارتبط النشيد الإسلامي في عصرنا الحديث بالإلهيات
والمدائح النبوية والصوفيات.