العنوان من أجل مرافعة عادلة في قضية .. حزب التحرير في مصر وتونس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
مشاهدات 41
نشر في العدد 637
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
الإخوة التحريريون يستعرضون أصول الحكم والخلافة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وخلفائه ويضعون ذلك بين يدي القضاء.
حزب التحرير يهيب بالمحامين استلهام هذه المذكرة في مرافعاتهم أمام القضاء المصري والتونسي.
الخطوط العريضة التي أعطاها حزب التحرير للمحامين الذين يترافعون عن شبابه المائة والعشرين، الذين اعتقلوا في مصر وتونس بتهمة قلب نظام الحكم وإقامة الخلافة، أمام القضاء المصري والقضاء التونسي ليُضمِّنوها صلب مرافعاتهم.
١- أرسل الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى العالم أجمع ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28)، وجعله آخر الرسل وخاتم النبيين، وجعل شريعة الإسلام خاتمة الشرائع وناسخة لها، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ﴾ (الأحزاب: 40) وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ﴾ (المائدة: 48) وجعل الإسلام هو الشريعة الباقية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
٢- وقد قام الإسلام على أساس العقيدة الإسلامية، التي توجب الإيمان بوجود خالق للكون والإنسان والحياة. وتوجب الإيمان بنبوة محمد ورسالته، وتوجب الإيمان بأن القرآن كلام الله وأنه أنزله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتوجب الإيمان بكل ما جاء به، وأن الإنسان مقيد في هذه الحياة الدنيا بأوامر الله ونواهيه. وأنه يجب عليه أن يُسيِّر جميع أعماله في هذه الحياة الدنيا حسب هذه الأوامر والنواحي.
3- وعليه فإن الإسلام نزل نظامًا كاملًا شاملًا للحياة، وكان نظامه منبثقًا عن العقيدة الإسلامية، وكانت أحكامه تتناول العقائد والعبادات، وتتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه. كما تتناول أحكام الأخلاق، التي تتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بنفسه، كما تتناول أحكام نظام الحكم والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي، والنظام التعليمي، والسياسة الخارجية، وهي الأحكام التي تتعلق بتنظيم العلاقة بين البشر، كما تتناول أحكام الأهداف العليا لصيانة المجتمع، من المحافظة على العقيدة والدين، وعلى الدولة والأمن، وعلى العقل والكرامة الإنسانية، وعلى النفس والنوع الإنساني، وعلى الملكية الفردية. ووضع للمحافظة على هذه الأهداف العليا لصيانة المجتمع الحدود والعقوبات، وقد ألزم الإسلام المسلمين جميعًا بأن يقوموا بتنفيذ جميع هذه الأحكام في جميع مناحي الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سواء أكانت هذه الأحكام متعلقة بالعقائد والعبادات، أم متعلقة بالأخلاق، أم متعلقة بأنظمة الحكم والاقتصاد، والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، أم متعلقة بصيانة الأهداف العليا للمجتمع، أم متعلقة بغير ذلك من الأحكام التي جاء بها الشرع.
٤- وقد أناط الله تنفيذ هذه الأحكام بالأفراد، فيما هو متعلق بالناحية الفردية كالعقائد والعبادات والأخلاق، كما أناط بالدولة تنفيذ جميع الأحكام التي تتعلق بتنظيم العلاقات بين البشر، من أنظمة حكم واقتصاد واجتماع، وتعليم وسياسة خارجية، والأحكام التي تتعلق بصيانة الأهداف العليا للمجتمع، وإجبار الأفراد على تنفيذ الأحكام المتعلقة بالناحية الفردية، حين تقصيرهم في القيام بها، أو الامتناع عن أدائها، أو الانحراف عنها، أو عدم التخلق بها.
٥- لذلك كانت الدولة شرطًا أساسيًّا في تطبيق جميع هذه الأحكام. وكان وجودها هو الطريق الشرعي الذي عينه الإسلام وحدده لتطبيق هذه الأحكام وتنفيذها. ولحمل الإسلام رسالة العالم، باعتبار أن الإسلام رسالة عالمية تنتظم البشرية جمعاء. قال تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ﴾ (المائدة: 48) وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ﴾ (النساء: 105) وقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ﴾ (المائدة: 49) وكثير غيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الحكم، وأن الحاكم- أي الدولة- هو الذي يطبق هذه الأحكام. وخطاب الرسول هو خطاب لأمته فيكون خطابه كحاكم هو خطاب لجميع الحكام الخلفاء من بعده، وقد طبقت جميع هذه الأحكام تطبيقًا عمليًّا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان هو الرسول، وكان هو الحاكم، فنفذ وطبق جميع هذه الأحكام تطبيقًا عمليًّا، وقاد الجيوش، وكان هو الذي يعلن الحرب والسلم، ويعقد الاتفاقات، حسب مقتضيات حمل الدعوة.
كما أن الخلفاء الراشدين من بعده طبقوا هذه الأحكام تطبيقًا عمليًّا كاملًا، وبقي تطبيق جميع أحكام الإسلام مستمرًّا في جميع العهود الإسلامية، أيام الأمويين والعباسيين والعثمانيين. ولم يطبقوا غير الإسلام مطلقًا، إلا أنه كانت تحصل إساءات في التطبيق من هؤلاء الحكام.
6- وللدلالة على استمرار تطبيق الإسلام عمليًّا لا بد من إدراك أن الذي يطبق الأحكام في الدولة شخصان: أحدهما القاضي الذي يفصل الخصومات بين الناس، والثاني الحاكم الذي يحكم بين الناس. أما القاضي فإنه نقل بطريق التواتر أن القضاة الذين يفصلون الخصومات بين الناس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى نهاية الخلافة العثمانية في إستانبول، كانوا يفصلونها حسب الأحكام الشرعية، في جميع أمور الحياة. سواء بين المسلمين وحدهم، أو بين المسلمين وغيرهم. وقد كانت المحكمة التي تفصل جميع الخصومات من حقوق وجزاء وأحوال شخصية، وغير ذلك محكمة واحدة تحكم بالشرع الإسلامي وحده، ولم يروا أن القضاء كان يسير على غير أحكام الإسلام، كما لم يروا أن قضية واحدة فصلت على غير الأحكام الشرعية، أو أن محكمة ما في البلاد الإسلامية حكمت بغير الإسلام قبل فصل المحاكم إلى شرعية ونظامية بتأثير الكفار المستعمرين، وسجلات المحاكم المحفوظة في المدن القديمة كالقاهرة وبغداد ودمشق والقدس وإستانبول دليل يقيني على أن الشرع الإسلامي وحده هو الذي كان يطبقه القضاة. حتى إن غير المسلمين من اليهود والنصارى كانوا يدرسون الفقه الإسلامي، ويؤلفون فيه مثل سليم الباز النصراني شارح المجلة.
7- أما تطبيق الحاكم للإسلام فإنه يتمثل في خمسة أشياء: في الأحكام الشرعية التي تتعلق بالحكم، والاقتصاد، والاجتماع، والتعليم، والسياسة الخارجية.
أ- أما بالنسبة للحكم فقد حدد الشارع شكل الحكم، وجعله هو الخلافة، وهي رئاسة عامة للمسلمين جميعًا في الدنيا، لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. وقد أقامها المسلمون منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلما ذهب خليفة بايع المسلمون خليفة آخر، ولم يمر عليهم زمن لم يكن لهم فيه خليفة، واستمر حالهم على ذلك إلى أن أزال الكفار الخلافة على يد كمال أتاتورك سنة ١٢٤٢هــــ ١٩٢٤م. أما قبل ذلك فقد كان منصب خليفة المسلمين دائمًا، لا يذهب خليفة إلا ويبايع المسلمين خليفة آخر بدلًا منه حتى في أشد عصور الهبوط. ومتى وُجد الخليفة فقد وجدت الدولة الإسلامية، لأن الدولة الإسلامية هي خليفة يطبق الشرع. وقد كان الخليفة ينصب بالبيعة من أهل الحل والعقد من المسلمين، وكانت تؤخذ أحيانًا من أهل الحل والعقد، وأحيانًا من المسلمين، وأحيانًا تؤخذ من شيخ الإسلام في آخر العصر الهابط. والذي جرى عليه العمل في جميع العصور الإسلامية أنه لم ينصب أي خليفة إلا بالبيعة، ولم ينصب بالوراثة دون بيعة على الإطلاق، غير أنه كان يساء تطبيق أخذ البيعة، فيأخذها الخليفة من الناس في حياته لابنه أو لأخيه أو لابن عمه، ثم تجدد البيعة لذلك الشخص بعد وفاة الخليفة، وهذه إساءة في التطبيق، وليست وراثة عهد؛ لذلك كان شكل نظام الحكم في الإسلام متميزًا عن غيره من أنظمة الحكم في العالم. وجهاز الحكم في الدولة الإسلامية يقوم على ثمانية أركان هي: الخليفة وهو رئيس الدولة، والمعاونون وقد كانوا موجودين في جميع العصور الإسلامية، وكانوا معاونين للخليفة ومنفذين، ولم تكن لهم صفة الوزارة الموجودة في الحكم الديمقراطي، بل كانوا معاونين وهيئة تنفيذية فقط والصلاحيات كلها للخليفة، وأما الولاة والقضاة وأمير الجهاد والجهاز الإداري فإن وجودها ثابت في جميع العصور الإسلامية. وأما الجيش فإنه كان جيشًا إسلاميًّا، وكان العالم يتركز في ذهنه أن الجيش الإسلامي لا يغلب. أما الشورى فقد كانت موجودة من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده ومن أتى بعدهم، غير أنها لم تأخذ شكل العمل المنظم، ولم يخصص بها أعضاء محددون، ولم يُعنَ بإقامة مجالس لهم، ذلك أن الشورى ليست قاعدة من قواعد الحكم، وإنما هي حق من حقوق الرعية على الحاكم، فإن لم يعمل بها يكون قد قصر، ولكن الحكم مع تقصيره فيها يبقى حكمًا إسلاميًّا؛ ذلك لأن الشورى إنما هي لأخذ الرأي وليست للحكم، بخلافها في النظم الديمقراطية.
ب- هذا بالنسبة لنظام الحكم.. أما النظام الاقتصادي فيتمثل في ناحيتين: إحداهما كيفية أخذ الدولة للمال من الأمة لتعالج مشاكل الناس، والثاني كيفية إنفاقه. أما كيفية أخذه فقد كانت الدولة تأخذ الزكاة على الأموال، والأنعام، والزروع والثمار، باعتبارها عبادة، وتوزعها فقط على الأصناف الثمانية الذين ذكروا في القران، ولا تستعملها في إدارة شؤون الدولة وتأخذ الأموال لإدارة شؤون الدولة الإسلامية، ولتجهيز الجيش حسب الشرع الإسلامي. فكانت تأخذ الخراج على الأرض، وتأخذ الجزية من غير المسلمين، وتأخذ العشور من ثغور الدولة على التجارة الخارجية والداخلية، وما كانت تحصل المال إلا حسب الشريعة الإسلامية. وكان إنفاق المال يجري وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن كان يحصل في ذلك بعض إساءات في التطبيق.
ج- أما النظام الاجتماعي الذي يعين علاقة الرجل بالمرأة وما يترتب على هذه العلاقة- أي الأحوال الشخصية- فإنها كانت تطبق وفق أحكام الشرع. وما زالت إلى اليوم تطبق وفق أحكام الإسلام، بالرغم من القضاء على دولة الخلافة، وبالرغم من وجود حكم الكفر في بلاد المسلمين.
د- أما التعليم فإن سياسته كانت مبنية علي أساس الإسلام، لتكوين العقلية الإسلامية، والنفسية الإسلامية، لإيجاد الشخصية الإسلامية، وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة، فكانت الثقافة الإسلامية هي الأساس في منهاج التعليم، والثقافة الأجنبية كان يُحرص على عدم أخذها إذا تناقضت مع الإسلام. وكانت العلوم التجريبية والرياضيات وعلوم الصناعة تؤخذ دون حرج. وقد كانت البلاد الإسلامية وحدها محط أنظار العلماء والمتعلمين، وكان للجامعات في قرطبة وبغداد ودمشق والقاهرة والإسكندرية أثر كبير في توجيه التعليم في العالم. وما حصل من تقصير في فتح المدارس في أواخر الدولة العثمانية إنما كان لوجود الانحطاط الفكري الذي بلغ نهايته.
ه- أما السياسة الخارجية فإنها كانت مبنية على أساس إسلامي، فكانت دولة الخلافة تبني علاقاتها مع الدول الأخرى على أساس الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية، وكانت جميع الدول تنظر إليها بوصفها دولة إسلامية. وكانت علاقاتها الخارجية كلها مبنية على أساس الإسلام ومصلحة المسلمين. وقد كان ذلك مشهورًا في العالم شهرة واسعة.
٨- ومن ذلك كله نرى أن نظام الإسلام طبق عمليًّا على الأمة الإسلامية بكاملها- عربًا وغير عرب- منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وظل يطبق وحده إلى أن قضي على دولة الخلافة. وفي أواخر الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر لمّا انحطت فيها الناحية الفكرية وبدأ فيها الوهن، فإن الكفار بعد أن يئسوا من غزو الدولة الإسلامية وتحطيمها، وصار عندهم رأي عام أن الجيش الإسلامي لا يغلب، عمدوا إلى غزو الأمة الإسلامية بالأفكار الغربية ليزعزعوا كيانها، حتى يتمكنوا من تحطيم الدولة الإسلامية، لأنه إذا زعزع كيان الأمة التي ينبثق عنها دولتها، فقد تزعزع كيان هذه الدولة، وسهل تحطيمه بعد ذلك. ومن أجل وصول الكفار إلى هذه الغاية عمدوا إلى الغزو الفكري، بالإرساليات التبشيرية والمدارس والمستشفيات، والكتب والنشرات، والجمعيات السرية. وقد غزوا جميع الأوساط، إلا أنهم كانوا يركزون على الأوساط السياسية والأوساط الفكرية، حتى استمالوا كثيرًا من شباب الجامعات والمدارس وكثيرًا من المثقفين الذين يشغلون مناصب في الدولة وفي الجيش؛ فكان لهذا أثره في بعث حب الثقافة الغربية والتشريع الغربي في نفوس المسلمين، وتشكيكهم في الإسلام وصلاحيته للعصر الحديث. فبدأ حب الاستفادة مما عند الغرب مع اصطناع المحافظة على الإسلام، وبدأ السوس ينخر في جسم الأمة، كما بدأ ينخر في جسم الدولة، وانتقلت الدولة الإسلامية من دور المد إلى دور الجزر، كما انتقلت الأمة الإسلامية من دور حمل الدعوة الإسلامية إلى دور أن يحمل الكفار إليها دعوتهم إلى الكفر، وكان هذا بدء الوهن في الأمة، وبدء الوهن في الدولة. وقد لعبت الأوساط الفكرية والأوساط السياسية- بتوجيه من الدول الكافرة- وعلى رأسها إنجلترا وفرنسا دورًا مؤثرًا في ذلك. ولما استفحل أمره وأيقنت الدول الكافرة ولا سيما إنجلترا وفرنسا أن الانحلال بدأ في الأمة الإسلامية، وأن الوهن قد تغلغل في الدولة الإسلامية، بدأت تُغير بالفعل على أطراف الدولة وتقتطع منها أجزاء. وقد عم الطمع جميع دول أوروبا، وصارت روسيا وألمانيا تحاولان الاشتراك في هذه الغنائم. وبالرغم من اختلاف الدول الكافرة على اقتسام الدولة الإسلامية وصراعهم عليها، فإن هذه الدول جميعها كانت متفقة على إزالة نظام الإسلام والقضاء على الخلافة؛ لذلك فكرت كلها في إجبار دولة الخلافة على التخلي عن نظام الإسلام في الحكم والمجتمع والسياسة، وإكراهها على تطبيق التشريع الغربي في القضاء، والنظام الرأسمالي في الاقتصاد، والنظام الديمقراطي في الحكم، فكان مؤتمر برلين الذي عقد سنة ١٨٥٠م بين الدول الكافرة في أوروبا، وكان منها رأس الكفر إنجلترا الممثلة برئيس وزرائها حينئذ اليهودي الخبيث دزرائيلي، ومنها ألمانيا الممثلة برئيس وزرائها بسمارك. واتفق المؤتمر على إرسال مذكرة إلى خليفة المسلمين، يطلبون فيها منه أن يترك النظام الديني، وأن يأخذ بالنظام المدني، وبعثت هذه المذكرة بلهجة تهديدية. وما إن سلمت هذه المذكرة إلى الخليفة حتى نشط المثقفون والسياسيون- الذين تأثروا بالغزوة الفكرية الغربية- في الدعوة إلى إيجاد النظام المدني والسير مع العصر، فأثر ذلك على الخليفة، ووجد في الأوساط السياسية والأوساط المتعلمة، رأيًا عامًّا لتغيير الأحكام الشرعية وجعل القوانين الغربية مكانها. وما هي إلا فترة قصيرة حتى بدأ هذا التغيير؛ ففي سنة ١٨٥٨م وضع قانون الجزاء العثماني وقانون الحقوق والتجارة. وفي سنة ١٨٦٨ وضعت المجلة قانونًا للمعاملات. وفي سنة ١٨٧٠ جعلت المحاكم قسمين: محاكم شرعية ومحاكم نظامية. ووضع لها نظام خاص. وفي سنة ١٨٧٨ وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية. وهكذا استبدلت القوانين الغربية بالقانون الإسلامي أي وضع التشريع الغربي مكان التشريع الإسلامي، إلا أنه حين فعلوا ذلك كانوا يخشون من الرأي العام الإسلامي، وكان الوصف الذي تقوم عليه الدولة في الموقف الدولي وفي العالم الإسلامي هو الإسلام؛ لذلك أخذت هذه القوانين بعد أن استصدرت الفتاوى من العلماء بأنها قوانين إسلامية. لكن هذه العملية لم يُحتجْ إليها في مصر؛ لأنه كان يحكمها محمد علي وبنوه كعملاء لفرنسا؛ لذلك أدخلت القوانين الغربية بشكل صريح دون لف أو دوران، ففي سنة ١٨٨٣ وضع القانون المدني المصري القديم نقلًا عن القانون الفرنسي باللغة الفرنسية، ثم ترجم إلى اللغة العربية، وهكذا حل التشريع الغربي محل التشريع الإسلامي عمليًّا في الدولة الإسلامية. وسيطرت الأفكار الغربية على جمهرة المفكرين وسائر المتعلمين، كما سيطرت على السياسيين وعلى الوسط السياسي كله؛ لذلك كان زوال الدولة الإسلامية أمرًا مقررًا؛ لأن الأمة الإسلامية تخلت عن نظام الإسلام عمليًّا في القضاء والحكم. وزعزعت بصلاحيته للعصر الحديث، ولأن الذين يتولون تطبيق نظام الإسلام صاروا يرون ضرورة تركه وأخذ النظام الرأسمالي؛ ولهذا لم يكن سقوط الدولة الإسلامية وزوال الخلافة أمرًا مفاجئًا. لأنه لم تعد الخلافة عندهم قضية مصيرية؛ لذلك عندما أعلن مصطفى كمال إلغاء الخلافة لم يلقَ إلا معارضة قليلة. لأن الخلافة سقطت عن أن تكون قضية مصيرية عند المسلمين، ولم يقم أحد من المسلمين لقتاله والقضاء عليه لإعادة الخلافة وإعادة الحكم بأحكام الإسلام، مع أنهم يعلمون أنه إنما ينفذ إرادة الكفار وأنه عميل للإنجليز، والأنكى من ذلك أن الشريف حسين الذي يدعي أنه ابن بنت رسول الله وهو يتولى إمارة الحجاز، أعلن الحرب مع الإنجليز أعداء الإسلام والمسلمين ضد خليفة المسلمين، وبذلك ألغيت الخلافة ودمرت الدولة الإسلامية تدميرًا تامًّا. وأزيل الإسلام من الوجود السياسي ومن المجتمع ومن الحكم به في الأرض كلها. ثم باشر الكفار حكم المسلمين بالنظام الرأسمالي الكافر في جميع أنحاء الأرض، ثم مزقوا دولة الخلافة إلى كيانات ضعيفة ليسهل بقاء سيطرتهم عليها، وأقاموا مكانهم حكامًا من المسلمين لحكم هذه الكيانات الهزيلة، ولكن أشد منهم عداء للإسلام وأحرص منهم على محوه. وقد جعل هؤلاء الحكام من أنفسهم حراسًا لبقاء هذه الكيانات الهزيلة، كما جعلوا أنفسهم أعداء للإسلام وحملته، وأخذوا يعملون بكل ما أوتوا من قوة للبطش بحملة الإسلام، وللحيلولة دون عودة الإسلام إلى واقع الحياة، ودون عودة الخلافة إلى الوجود.
٩- وبذلك تمت سيطرة الكفار على بلاد المسلمين، وسيطرة أفكار الكفر وأنظمة الكفر على عقول المسلمين وعلى بلدانهم؛ مما جعل البلاد الإسلامية مركزًا استراتيجيًّا للدول الكافرة ومرتعًا يستثمرون بخيراته وثرواته، وسوقًا استهلاكية لصناعاتهم، وقد غرزوا فيه إسرائيل خنجرًا مغمودًا في قلب المسلمين لتبقى سيطرة دول الكفر عليهم، ولتحول دون انعتاقهم وتحررهم من سيطرة الكفار، ومن سيطرة أفكار الكفر وأنظمة الكفر، ودون إعادة الخلافة، ودون إعادة تطبيق أحكام الإسلام.
١٠- إن الحال التي وصل إليها المسلمون منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حتى اليوم- والتي سبق ذكرها- تتناقض مع الإسلام، ومع أحكام الإسلام كل التناقضات، وتوجب على المسلمين محاربتها والقضاء عليها قضاء تامًّا، كما توجب عليهم العمل لإعادة الخلافة وتنصيب خليفة، والعمل على إعادة تطبيق أحكام الاسلام في جميع شؤون الحياة عن طريق دولة الخلافة.
١١- فالإسلام يحرم على المسلمين الخضوع لسيطرة الكفار، أو القبول بحكمهم. قال: تعالى ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) وقال: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (آل عمران: 28) وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة: 1) وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ﴾ (آل عمران: 118)، وقال عليه السلام: «لا تستضيئوا بنار المشركين» وقال: «أنا بريء من كل مسلم يستضيء بنار المشركين، لا تراءى ناراهما».
الإسلام يحرم على المسلمين أن تسيطر على عقولهم أفكار الكفر، كما يحرم عليهم أن يحكموا بأنظمة الكفر. قال تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 60).
١٢- كما أن الإسلام يوجب على المسلمين أن يحكموا بجميع ما أنزل الله في جميع شؤون حياتهم، ويحرم عليهم أن يحكموا أو أن يعملوا أي عمل بغير أحكام الإسلام. وقد ثبت ذلك بالدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة. قال: تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44) ﴿....فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45) ﴿....فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47) وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: 65) وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ﴾ (المائدة: 1) وقال: ﴿وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ﴾ (النور: 33) وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: 43) وقال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ﴾ (الإسراء: 23) وغيرها من مئات الآيات والأحاديث الدالة على تشريعات الأحكام في كل شأن من شؤون الحياة. وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يحكم بين الناس بما أنزل الله، وكان أمره بشكل جازم. قال تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ﴾ (المائدة: 48) وقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ﴾ (المائدة: 49) وخطاب الله للرسول خطاب لأمته، فيكون خطابًا للمسلمين بإقامة الحكم، ولا يعني إقامة الحكم إلا إقامة الخليفة ليحكم بأحكام الإسلام. فهذه الأدلة صريحة بأن إقامة الحكم والسلطان على المسلمين فرض، وصريحة بأن إقامة خليفة يتولى هو الحكم والسلطان فرض على المسلمين، وذلك من أجل تنفيذ أحكام الشرع، لا لمجرد الحكم والسلطان، وإقامة الخليفة ونصبه يكون بالبيعة، عن نافع قال: قال لي عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»، وقد أوجب الإسلام على المسلمين كافة في جميع أقطار الأرض إقامة خليفة، وجعل نصبه فريضة يجب القيام بها، كالقيام بأي فرض من الفروض، التي فرضها الله على المسلمين، وجعل ذلك أمرًا محتمًا لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه. والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي، يعذب الله عليها أشد العذاب؛ لأنه لا يمكن تطبيق أحكام الإسلام بغير نصب خليفة.
13- إن الأوضاع التي تردى إليها العالم الإسلامي، وما حل به من ضعف وهزال، ومن قضاء على دولته دولة الخلافة، ومن تطبيق أنظمة الكفر عليه بعد إبعاد أحكام الإسلام عن واقع الحياة، ومن سيطرة الكفار والأفكار الرأسمالية على بلاد المسلمين، ومن تمزيق دولة الخلافة إلي دويلات هزيلة يحكمها عملاء للكفار بأنظمة الكفر، ومن إقامة إسرائيل خنجرًا في صدر الأمة الإسلامية، واستخذاء المسلمين عن القضاء عليها، وكل ذلك دفع بخُلَّصٍ واعينَ من أبناء هذه الأمة العظيمة إلى التفكير في هذا الواقع الذي آل إليه المسلمون، ودفعهم إلى دراسة هذا الواقع ودراسة الأسباب التي أدت إليه، ودراسة الحركات التي قامت لإنقاذه مما وقع فيه، سواء أكانت حركات إسلامية أم كانت حركات قومية أو وطنية، ودراسة الأسباب التي أدت الى إخفاقها وعدم نجاحها، ودراسة الحركات الكبرى التي كان لها أثر في التاريخ ودراسة أسباب نجاحها، ودفعهم إلى الرجوع الى أحكام الإسلام، ودراستها دراسة واعية من كتاب الله وسنة رسوله، واجتهادات فقهاء المسلمين، ودراسة كيفية سير الرسول صلى الله عليه وسلم لبناء الكيان السياسي الذي طبق فيه هذه الأحكام.
فخرج هؤلاء المخلصون الواعون من كل هذه الدراسات الواعية بقناعة تامة أن السبب الرئيسي لما لحق بالمسلمين هو الضعف الشديد، الذين طرأ على أذهان المسلمين في فهم الإسلام وأحكامه، من جرّاء فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية، حين أهمل أمر اللغة العربية في فهم الإسلام وأدائه، منذ أوائل القرن السابع الهجري، وبالتالي الغزو الفكري الغربي لبلاد المسلمين، والقضاء على دولة الخلافة وتطبيق أنظمة الرأسمالية الغربية الكافرة على بلاد المسلمين. كما خرج هؤلاء المخلصون الواعون بإيمان لا يتطرق إليه شك أن قضية المسلمين هي قضية الإسلام، بإعادة دولته وتطبيق أحكامه، وأن طريق الوصول إلى ذلك هو اتباع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في سيره في الطريق السياسي لإقامة الدولة في المدينة المنورة الشامل للصراع الفكري مع أفكار الكفر، وللكفاح السياسي مع السلطة الحاكمة ومن يسندها.
فالقضية إذن هي قضية استئناف المسلمين للحياة الإسلامية. وحمل الدعوة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية، التي هي الخلافة، والخلافة وحدها هي القادرة على إنقاذ المسلمين، وانتشالهم من قعر المنحدر الذي وصلوا إليه، وهي وحدها القادرة على جمع كلمة المسلمين تحت راية الإسلام، والقادرة على حماية بيضة الإسلام بسلطانها، وتمكين المسلمين من حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وجعلهم قوة دولية تؤثر في الموقف الدولي وفي مصائر العالم. وقد فرض الله على المسلمين جميعًا إقامتها.
١٤- وبعد الدراسة الواعية والبحث الجاد، تبنى هؤلاء المخلصون الواعون مبدأ الإسلام فكرة وطريقة، لأنه عقيدة ينبثق عنها نظام لجميع شؤون الدولة والأمة. ومعالجة جميع مشاكل الحياة وتبنوا أفكارًا وأحكامًا وآراء، تتعلق بمعالجة وقائع الحياة، وتلزم للسير في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة الخلافة من أنظمة حكم واقتصاد واجتماع وتعليم وسياسة خارجية. وتبنوا دستورًا لوضعه موضع التطبيق والتنفيذ عند إقامة الخلافة. وقد أخذوا كل ذلك من أحكام الإسلام المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله. فهي أفكار وآراء وأحكام إسلامية ليس غير، وليس فيها أي شيء غير إسلامي، ولا هي متأثرة بأي شيء غير إسلامي، بل هي إسلامية فحسب، لا تعتمد غير أصول الإسلام ونصوصه، فهي أحكام إسلامية، وهي لجميع المسلمين. وقد اعتمدوا فيها على الفكر وحملوها حملًا سياسيًّا، فأقاموا تكتلًا حزبيًّا على أساسها، يقوم على أساس الفكرة الواضحة، والطريقة المستقيمة، التي هي أحكام شرعية من جنس فكرة الإسلام التي هي أحكام شرعية، وقد حددوا مجال عملها ابتداء في البلاد العربية باعتبارها جزءًا من البلاد الإسلامية، تتكلم اللغة العربية التي هي جزء جوهري في الإسلام، وعنصر أساسي من عناصر الثقافة الإسلامية، لتقوم دولة الخلافة فيها ثم تنموا نموا طبيعيًّا، حتى تشمل جميع البلاد الإسلامية، ثم تحمل الدولة الإسلامية الإسلام لباقي أنحاء العالم باعتباره رسالتها، ورسالة المسلمين، وباعتباره رساله عالمية خالدة.
١٥- ونحن باعتبارنا من المسلمين ونؤمن بأن قضية المسلمين هي قضية الإسلام، ونؤمن أنه لا بد من تطبيق أحكام الإسلام على المسلمين، ونؤمن بأن العمل لإعادة الإسلام لواقع الحياة هو فرض وواجب علينا وعلى جميع المسلمين، قد اطلعنا على هذه الأفكار والأحكام والآراء التي تبناها حزب التحرير، والتي يحملها حملًا سياسيًّا، لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، عن طريق إقامة الخلافة الإسلامية وتنصيب خليفة على المسلمين، يبايع على السمع والطاعة.
فاقتنعنا بها وبصحتها، وبأنها أفكار وأحكام وآراء إسلامية مأخوذة من كتاب الله، وسنة رسوله واجتهادات المجتهدين من علماء المسلمين، فاتخذناها أفكارًا لنا وأخذنا ندعو لها بالطريق السياسي، الذي تبناه حزب التحرير وسار عليه، وهو الطريق الذي سار فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة، ونحن إذ نقوم بذلك إنما نقوم به على أساس أنه واجب فرض الله على المسلمين جميعًا القيام به.
١٦- وإنه لمن السخرية المؤلمة أن نقدم اليوم للمحاكمة ونحن في بلد إسلامي وفي معقل الأزهر بتهمة حمل الإسلام، والعمل لإقامة الخلافة الإسلامية، وتطبيق الإسلام، وإنه لمن الألم المُمِضّ أن يتوصل الكفار إلى هذا الحد من الانتصار الباهر، الذي جعلوا فيه أبناء المسلمين من حكام البلاد الإسلامية يقفون أنفسهم لمحاربة الإسلام، ومحاربة عودة الخلافة، وعودة تطبيق الإسلام، ويقدمون كل مسلم يعمل لإعادة تطبيق الخلافة والإسلام إلى المحاكمة، على أساس أن حمل الإسلام والعمل لإقامة الخلافة، وإعادة تطبيق الإسلام جريمة يعاقب عليها القانون، في الوقت الذي يسمحون فيه لمن يحمل أفكار الكفر الرأسمالية والاشتراكية، بالعمل السياسي على أساسها لحملها إلى المسلمين وتطبيق أنظمتها الكافرة عليهم.
4 من ذي القعدة 1403هـــ
12 آب «أغسطس» 1983م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل