العنوان من أجل نهوض حضاري أصيل
الكاتب عامر عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 09-يونيو-1998
ما زالت أبصار الشعوب الإسلامية متطلعة إلى النهوض الحضاري واللحوق بركب الأمم المتقدمة، وما زالت هذه الشعوب تراوح في مكانها إن لم نقل تتقهقر إلى الوراء.
ووسط الغبار الذي تثيره أقدام الأمم المتسابقة. ووسط الدخان الذي يعلو من مصانعهم ويكاد يخنق شعوبنا تعلم الأصوات لماذا هذا التقهقر؟ أين يكمن الخلل؟ ما طريق النهوض؟ إننا إذا أردنا أن تكون نهضتنا أصيلة لا زائفة، متكاملة لا متفككة دائمة لا مؤقتة، فإنه ينبغي علينا أن نؤكد على قضية «الذات» فإن لكل أمة خصائصها الذاتية ومقوماتها المتميزة ينبغي أن تحترمها وتبني عليها نهضتها.
ومن ثم فإننا ندرك السر في فشل المحاولات التي تغافلت عن «الذاتية»، في عملية النهوض بالشعوب المسلمة أو الأمة الإسلامية.. المحاولات التي تجاهلت العقيدة الإسلامية التي تغلغت في هذه الشعوب منذ مئات السنين، ورافقتها في عمليات الصعود والهبوط والتقدم والتعثر، وشاركت إلى أبعد الحدود في تشكيل فكر ونفسية هذه الشعوب المحاولات التي تجاهلت تاريخ هذه الشعوب المحاولات التي غفلت عن الخصائص الذاتية لهذه الأمة، وحاولت- من ثم- نقل تجارب أمم أخرى- لها خصائصها ومشكلاتها الخاصة بها- إلينا نقلًا مباشرًا دون تمييز وانتقاء.
نقل التجربة الماركسية:
فلقد جرت محاولات كثيرة لنقل التجربة الماركسية- مثلًا- إلى بلاد المسلمين، وبناء نهضتهم على أساسها، وكذلك التجربة الوجودية، والتجارب الأخرى، ولقد تجاهل أصحاب هذه المحاولات الأوضاع الخاصة التي سادت في أوروبا وأدت إلى تمخض هذه التجارب، وأوضاع البلاد الإسلامية التي تختلف عن تلك الأوضاع اختلافًا كبيرًا. وهكذا أراد البعض أن يجعل من الأمة الإسلامية أمة روسية متقدمة، أو أمة أوروبية متقدمة أو أمة أمريكية متقدمة ولم يحاولوا أن يجعلوا منها أمة إسلامية متقدمة كما كان يفترض، فكان مصير هذه المحاولات الفشل طبعًا.
بينما نجد بلدًا كاليابان يحاول أبناؤه أن يجعلوا منه «يابان»، متقدمة فلا يتذكرون لعقيدتهم ولخصائصهم الذاتية، فيكون مصير المحاولة النجاح، هذا هو الخطأ الأول الذي طالما ارتكبناه ونحن نحاول النهوض بشعوبنا الإسلامية، إن على شعوبنا الإسلامية أن تحترم عقيدتها وخصائصها وتاريخها، ثم تمضي بخطى واثقة تبحث عن أسباب النهوض وطرقها.
ولكن.. هل هذا يعني أن ننعزل عن العالم ولا نستفيد من معطيات «الحضارة» التي تحيط بنا؟
وإذا كنا قد استوعبنا ذاتنا جيدًا، فكيف نستوعب العالم الذي نعيش فيه؟ إننا نجد أنفسنا أمام خطأين متضاربين: نجد في أحد الطرفين تقليدًا أعمى «للحضارات» التي تحيط بنا.. نجد ما يمكن أن نسميه بـ«الذوبان الحضاري»، وذلك بأن نتخذ منها كل شيء محاسنها ومساوئها، دون تمييز وانتقاء نأخذ منها ألصق الخصائص الذاتية بهم، ونتنكر بالمقابل لخصائصنا الذاتية.
ونجد في الطرف الآخر ما يمكن تسميته بالرفض الحضاري، وذلك برفض كل معطيات الحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة الغربية، والوقوف منها موقف المحارب المقاتل فنجد البعض يرفضون كل ما يأتي من أوروبا: غثة وسمينة سيئة وجيدة والموقفان لا يخلوان من الخطأ والتطرف، والصواب هو الموقف الوسط.. إننا يجب أن نستوعب العالم الذي نعيش فيه جيدًا-كما أشرنا من قبل- إن الغرب- اليوم- مليء بالانحرافات: انحرافات نفسية واجتماعية وسياسية، وهو مليء بالجرائم المألوفة منها وغير المألوفة، وهو يعاني من عدم الطمأنينة وغياب السكينة، والشعور بالفراغ والضياع هذه حقيقة يجب ألّا نغفل عنها.
ولكن صورة الغرب لا تخلو- كذلك- من «بعض» النقاط المضيئة والمشرقة، إننا نجد عندهم التنظيم الدقيق والتفكير العميق والتقدم التقني، وغيرها.. وهذه حقيقة يجب أن نعترف بها.
ومن ثم فإن على أبناء الأمة الإسلامية أن يتجاوزوا الذوبان الحضاري والرفض الحضاري ليصلوا إلى الانتقاء الحضاري، وذلك بأن «يفتحوا أعينهم جيدًا إزاء كل ما تعرضه عليهم الحضارات الجديدة من قيم ومعطيات، فيتمعنوا ويدرسوا ويتفكروا وينقدوا ويقارنوا، ثم يصدروا حكمهم لا بالرفض والقبول كلًا، فما علمهم الإسلام الرفض الحضاري، ولكن بالاختيار والانتقاء، والعزل والفصل، ثم إعادة البناء (د. عماد الدين خليل في النقد الإسلامي المعاصر، ص ۱۸۰، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨١م».
ولقد ذاق المسلمون الكثير من غياب هذه العقلية، فوجدنا بعض المسلمين يقفون في طريق أمور ما كان لهم أن يقفوا في طريقها، وجدنا «بعضهم» يقفون في طريق تعلم البنات في بدايات القرن العشرين وأواسطه، يقفون عقودًا من السنين ضد تعليمهن حتى اضطروا إلى التسليم في نهاية الأمر أمام ثقل الأمر الواقع! ولو أنهم استوعبوا إسلامهم لوجدوا أن تعليم البنات ليس أمرًا جديدًا على الإسلام غريبًا عنه.. أبدًا، إننا نقرأ في تاريخنا أن امرأة كانت تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم حفصة- رضي الله عنها- القراءة والكتابة، ونقرأ أن بعض شيوخنا تتلمذوا على نساء عالمات فقيهات، لقد كان الأمر واضحًا- في حقيقته- فكان ينبغي أن يقبلوا تعليمهن منذ اللحظة الأولى ويرفضوا ما قد يرافق العملية من مفاسد كالاختلاط والتبرج مثلًا. ووجدنا البعض يقفون أمام منجزات العلم الحديث مترددين لا يدرون أيقبلونها أم لا، وما كان لهم أن يترددوا ويحتاروا هكذا، أليست هذه المنجزات وسائل لخدمة الإنسان وتسهيل حياته؟ ألا تنفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا؟ ألا تعينه؟ إن عقيدتنا الإسلامية أوضح من أن تتردد هكذا.
ووجدنا البعض يرفض الدراسات الإنسانية النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية التي تأتينا من الغرب، يرفضها جملة وتفصيلًا، أو حتى يرفض مجرد الاطلاع عليها.
تردد وتقوقع:
فلماذا هذا التردد والتقوقع؟ لماذا هذا الخوف من كل جديد أو غريب؟
إن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يكونوا كذلك، لم يكونوا مترددين ضعفاء أمام كل جديد... لم يكونوا رافضين له دومًا، إننا نجد سلمان الفارسي يشير على الرسول صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق في غزوة الأحزاب وهو أمر لم يألفه العرب من قبل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بحفر الخندق دون تردد أو وجل.
ونجد الصحابة يمضون في الطريق نفسه، فنجد الخليفة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يُدخل نظام الدواويين في دولته، ونجد شتى أنواع الأسلحة، وشتى أنواع الخطط مما لم يألفوها من قبل تدخل جيش المسلمين على مر العصور.
وهكذا كانوا يأخذون كل جيد حسن من أي مصدر جاء، وكانوا مع ذلك محتفظين بخصائصهم الذاتية، معتزين بعقيدتهم الإسلامية.
وهكذا ينبغي علينا أن نتعرف على عقيدتنا وتاريخنا وخصائصنا جيدًا، ونبني على أساسها نهضتنا المنشودة، وينبغي كذلك أن نفتح أعيننا على التجارب والمعطيات الثرة للأمم الأخرى، وندرسها دراسة متأنية، فنأخذ منها ما يخدم مسيرتنا النهضوية وندع غيره، وينبغي علينا- أيضًا- أن نتعرف على المشكلات الخاصة التي يعيشها المسلمون في بلد ما دون غيره، ونتعامل معها بحكمة وتعقل.
ينبغي أن نفعل كل ذلك ونرفع أكفنا إلى السماء: «يا رب.. نحن عبادك نريد إعلاء كلمتك، وإسعاد عبادك.. فأعنا على ذلك»، ثم نمضي في طريق النهوض وكلنا ثقة وأمل.
[*]طبيب وكاتب- كردستان- العراق.