العنوان تحرير تنزانيا.. قضية إسلامية..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1978
مشاهدات 109
نشر في العدد 381
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-يناير-1978
الاستراتيجية والاقتصاد
تقع جمهورية تنزانيا- بشعبها البالغ تعداده حوالي ١٤ مليون نسمة- في منطقة استراتيجية مؤثرة على الشعوب الإفريقية البالغ تعدادها حوالي مائة مليون نسمة.
وجمهورية تنزانيا اتحاد بين دولتي زنجبار «الجزيرة» وتنجانيقا، وقد كانتا منفصلتين من قبل. تعتمد تنزانيا اعتمادًا تامًا على الزراعة، وتعتبر من الدول المؤهلة لتكون غنية حيث إنها تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة التي لم تستغل للآن، وغابات شاسعة وأنهار وبحيرات عريضة، وتعتبر أنهارها وبحيراتها من أكبر الأنهار والبحيرات في العالم نظرًا لغزارة الأمطار، كما أن بها ثروة حيوانية كبيرة. كما أن هناك أيضًا مناطق كبيرة تتمتع بغزارة أمطارها الموسمية كمنطقة السهول والجبال في الشمال والجنوب، وتمتاز الأراضي القريبة من الأنهار بخصوبتها كأراضي الدلتا في شمال مصر، حتى أنه يقال إن هذه المساحات الشاسعة من الأراضي في تنزانيا تستطيع مد منطقة شرق إفريقيا بأكملها بالغذاء، وبالإضافة إلى نهر «روفيجي».
فهذه المساحات تكفي لسد الاحتياجات الغذائية لشعوب منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ولكن الواقع أن معظم هذه المناطق الخصبة القريبة من الأنهار تترك بلا عناية لتغمرها المياه كلما حل موسم الأمطار الغزيرة.
وبرغم توافر الثروة الحيوانية في جمهورية تنزانيا بكميات كبيرة إلا أنها تستورد معظم المنتجات الحيوانية كاللحوم والزبد... إلخ.
أما عن مساحات الأراضي الخصبة التي توجد في جزيرة زنجبار، فقد كانت زنجبار حتى وقوع الانقلاب في ١٩٦٤ من الدول المنتجة والمستهلكة والمصدرة لأنواع الفاكهة التي تزرع في المناطق المدارية وشبه المدارية، لكن اليوم لا يجد معظم أفراد الشعب قوت يومهم وإن وجدوه فبصعوبة بالغة بالرغم من امتلاك جزيرة زنجبار للخيرات التي يمكن أن تجعلها دولة مستقرة في حالة وجود مشروعات مدروسة تحركها عقول إدارية مخلصة.
وبجانب الثروة الزراعية تملك تنزانيا ثروة معدنية هائلة، لم تنقب لتستغل بعد.
- الإسلام والمسلمين
وصل الإسلام إلى شرق إفريقيا عامة، وإلى تنزانيا خاصة، في القرن الأول الهجري، وكانت لتنزانيا صلاتها الوثيقة بشعوب الوطن العربي بما لا يقل عن ثلاثة آلاف سنة، كما سجل التاريخ، ولكن يحتم العقل قبول بداية هذه الصلات بعد غزو الإنسان للبحار، فليس غريبًا إذًا أن يكون معظم سكان زنجبار مسلمین ويكون ٨٠ بالمائة من سكان تنجانيقا من المؤمنين برسالة محمد «صلى الله عليه وسلم».
- سياسة التفرقة:
مع التفوق العددي للمسلمين في تنزانيا على أي ديانات أخرى، إلا أن العكس صحيح بالنسبة المنهج الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إذ إن السياسة التي يحركها «جوليوس نيريري» رئيس جمهورية تنزانيا، تهدف- مستعملة كل قواها- لوضع المسلمين دائما في المراكز الخلفية وفي حالة العبودية الدائمة التي كانوا يعانونها أيام الاستعمار.
وتلك الأمثلة تستطيع أن تبين إلى أي حد وصلت السياسة التي يتبعها نيريري لتدمير المسلمين والدين الإسلامي.
فمن بين ۱۷ وكيلًا للوزارة، لا يوجد مسلم واحد. ولا يوجد سوى ٣ نواب وكلاء وزارة مسلمين بين ما لا يقل عن ۳۰ نائبًا. ووضع ٣ طلبة مسلمين في قائمة ١٤٠ طالبًا مبعوثًا من قبل حكومة تنزانيا للدراسة في كندا، وقد فصل ذلك المسئول الذي تجرأ واختار هؤلاء الطلبة وعندما جاءت عملية الاختبار الثاني لم تتضمن قائمة العشرين طالبًا المختارين طالبًا مسلمًا واحدًا.
- الظلم والتعصب الديني:
لا تتبع أهداف سياسة نيريري الخارجية العدل ولا الحق، بل تتبع العصبة الديني ولاحظ كراهيته غير المحدودة للرئيس عيدي أمين!
ومؤامرته لجعل توقيع التسوية مع أوغندا تحت رعاية الإمبراطور هيلاسيلاسي في ذلك الوقت بدلا الرئيس سياد بري- رفيقه في الاشتراكية- الذي عمل بجدية لإنقاذه من الهزيمة. ولاحظ أيضا معارضته للمرشح الصومالي لمنصب السكرتارية العامة لمنظمة الوحدة الإفريقية وتأييده لانفصال «بيافرا» ومعارضته لتحرير إريتريا ودعمه للانفصاليين في جنوب السودان وغزوه لزنجبار.
ولم ينته تعسف «جوليوس نيريري» بإطاحته للحكومة الشرعية بزنجبار في عام ١٩٦٤، وقتله لأكثر من عشرين ألف شخص، وهتكه أعراض المئات من النساء ومصادرته للممتلكات وزجه بالألوف في غياهب السجون، وما زال تعسفه مستمرا إلى يومنا حتى اغتيال مساعده الأكبر عبيد كرومي عام ۱۹۷۲ لم يوقف المذابح والتعسف والاعتقالات وكانت المهمة الأولى لعبود جومبي «خليفة كرومي» هي قتل ١٩ شخصًا خفف عنهم كرومي حكم الإعدام بنفسه وأمر بسجنهم لمدة عشر سنوات. ويوجد الآن ٢٤٠ شخصًا في عداد الموتى هم وآخرون غيرهم صدر ضدهم أحكام مختلفة بالسجن، ولم يحاكموا محاكمة شرعية بأي شكل.
إن التعذيب والاضطهاد، والإنكار لمعظم حقوق الإنسان كحرية الخطابة والعبادة والسفر حتى ولو كان داخل البلاد.. لمن الأمور اليومية في تنزانيا اليوم.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217)
- قضية واحدة.. عدو واحد.. وهدف مشترك
كانت زنجبار قلعة جنوبية للعالم الإسلامي، ولذلك حاول أعداء الإسلام دائما تحطيم هذه القلعة، ولكن محاولتهم كانت دائما مصيرها الفشل.
فقد احتل البرتغاليون ساحل شرق إفريقيا لأكثر من مائتي عام محاولين محو الإسلام بتدمير مدن بأكملها، ولكنهم لم ينجحوا.
ثم حل مستعمرو القرن التاسع عشر ولأكثر من سبعين عاما تعرض مسلمو شرق إفريقيا لمختلف أنواع الضغوط والضربات.. ولكنهم لم يستكينوا. ثم هبت «رياح التغيير».
ونالت البلاد الإفريقية استقلالها، وحصلت هذه البلاد ذات الأغلبية المسلمة على استقلالها، وسلم المستعمر مقاليد الحكم فيها إلى غير المسلمين، مع منحهم القوة الاستبدادية المطلقة، عند مغادرته للبلاد- ليضمن بقاء نفوذه في تلك المنطقة.
وكانت زنجبار هي الدولة الوحيدة التي نجت من هذا المخطط ولكنها خضعت المخطط آخر- إذ نالت تنجانيقا استقلالها قبل زنجبار لتستغل في قلب حكومة زنجبار الإسلامية بعد شهر واحد من نيل استقلالها.
وقد أعلنت مجلة الدعوة النصرانية المسماة «الحقيقة الواضحة» «أن أمل المسيحية في التقدم في منطقة الشرق الأوسط قد عاد بانقلاب حكومة زنجبار الإسلامية وهجرة المسلمين بأعداد كبيرة إلى منطقة الشرق الأوسط بمساعدة ومشاركة الحكومات الغربية، وأضافت المجلة أنه بهذا يمكن حصر الإسلام الآن في منطقة الشرق الأوسط وأن المناطق الإفريقية الباقية ستكون مفتوحة أمام المسيحية»!
ويحارب الإسلام من جميع الجهات بطرق مختلفة، ولذلك فمشاكل مسلمي تنزانيا لا تنفصل عن مشاكل مسلمي إريتريا ولا مسلمي فلسطين والفلبين.
ومن الأهمية هنا أن نتذكر ما قالته مريم جميلة- اليهودية التي أعلنت إسلامها في كتابها:
«الإسلام إزاء أهل الكتاب حاليًا وفيما مضى».
«يمكننا أن نلاحظ في كتاب دكتور كراج «دراسات قدسية عن الإسلام» عن مدى تعاون البلاد المسيحية مع اليهود وعداوتهم غير المحدودة للإسلام».
«وكانت تلك الأيادي الخبيثة كأيادي د. كنت كراج وراء اغتيال أحمد بللو وأبو بكر تفا وابليوه في نيجيريا- وضع نهاية الحكم الإسلامي فيها.. ونفس الأيادي كانت وراء قلب الحكومة الإسلامية في زنجبار. والمجازر البشعة، وطرد العرب منها ومدت الإمبراطور هيلاسلاسي بكل المساعدات اللازمة في جهوده الرامية إلى تحطيم المسلمين في إريتريا بالرغم من أن المسلمين فيها هم الأكثرية، إنهم يهللون لكل انتصار غير شرعي جديد تحرزه الصهيونية في احتلالها للأراضي العربية وإبادة الحضارة العربية في العالم العربي ومحو جميع آثار الإسلام في فلسطين، حتى أنهم لا يحاولون إخفاء سعادتهم وهم يرون يهود أوروبا يغتصبون أرض فلسطين ويطردون العرب، حتى الذين يتبعون الدين المسيحي منها».
ونأمل أن تحظى تلك الكلمات باهتمام بالغ إذ إن قائلتها يهودية الأصل أعلنت إسلامها. وعندما ذهب وزراء الحكومة السابقة، في أثناء الانقلاب في زنجبار، لتسليم أنفسهم يوم ١٣ يناير ١٩٦٤ وجدوا في انتظارهم قادة الانقلاب وهم عبيد كرومي، زعيم الحزب الأفروشيرازي و«جون أوكيلو» المرتزي العسكري المأجور من خارج زنجبار، واليهودي والصهيوني «موشى» الذي كان يقيم في زنجبار قبل الاستقلال رئيسا لشركة صيد أسماك تحمل اسم منتجات المحيط- وقد استخدمت مراكبه في نقل الرجال والأسلحة من تنجانيقا إلى زنجبار لتقوم بتلك المجزرة المشئومة في يناير الأسود.
إن تحرير تنزانيا من هذه العصابة الحاكمة الظالمة والمعادية للإسلام لن يأتي بالحرية والتقدم لشعب تنزانيا فحسب بل سيساعد أيضا على السلام الشامل وكسبا جديدا للمسلمين في الدول الأخرى.
وبالنسبة لاقتصاد دول الشرق الأوسط وشرق إفريقيا فيمكن أن يعتمد كل منهما على الآخر، وفرص التنمية متاحة لتحقيق مصلحة كل منهما.
فسلامة الصومال والسودان تتوقف على وجود دولة صديقة في شرق إفريقيا فإن تعرض سلامة هاتين الدولتين للخطر يهدد سلامة قلب الأمة الإسلامية.
إن تنزانيا هي أندلس القرن الحالي، فمستقبل الإسلام في إفريقيا على كفة الميزان، فإذا لم نستطع إعادة صولة الإسلام في تنزانيا فإن ذلك سيؤدي إلى انكماش الإسلام إلى الخرطوم ومقديشيو.
وإذا ما قدر لنا النجاح بإذن الله تعالى فسيكون الإسلام على أهبة الاستعداد للسير قدما إلى وسط وجنوب إفريقيا.
- الخير في باطن الشر:
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 54)
- لقد دبر أعداء الإسلام للإطاحة بالحكومة الشرعية لزنجبار عام ١٩٦٤ تنكيلًا للإسلام.
- وتعرض ثلاثة آلاف من شعب زنجبار لأبشع أنواع التعذيب وفقدوا حرياتهم كما فقد الكثيرون حياتهم، ولكن كل هذا يمكن أن يتحول ويصبح رحمة غير مرئية إذا تصرفنا بسرعة وبحكمة متحدين.
- قد يكون هذا هو الحل، ليس لإنقاذ عشرة ملايين مسلم في تنزانيا فحسب من الظلم وإذلال نيريري لهم بل أيضا لإزالة الخطر الذي يهدد مسلمي أوغندا وكينيا وزائير ورواندا وبوروندي وموزمبيق وجزر القمر.
واليوم تقوم الدول العربية بدفع الملايين للحفاظ على سلام وأمن أوغندا، أوليس من الأفضل لو وجه هذا الدعم مرة واحدة للقضاء على حكم نيريري الظالم ليتحقق النصر الكبير للمسلمين في الشرق الأوسط وإفريقيا بصفة دائمة.
وبعد النصر بإذن الله تعالى سيدخل أفواج جديدة في الإسلام، متبعين منقذيهم من الظلم، كما حدث في التاريخ الإسلامي عندما أنقذ المسلمون نصارى مصر وسوريا من احتلال وظلم الروم.
وقد بدأ الآن نصارى تنزانیا- نظرا لمصالحهم الخاصة- بمشاركة المواطنين المسلمين لقلب نظام حكم نيريري البغيض، فالإذلال والمجاعة منتشرة في تنزانيا. ولذا فإن «أوسكار كامبونا» وزير خارجية تنزانيا السابق، وهو الآن من أكبر المعارضين لسياسة نيريري، قد صرح في مؤتمر صحفي عقد في كمبالا عاصمة أوغندا، أثناء انعقاد مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية بتصريح يندد فيه بسياسة نيريري في محاربة المسلمين ووجه نداء إلى مسلمي ومسيحيي تنزانيا أن يتحدوا ويتضامنوا ضد نيريري لإنقاذ البلاد!
واليوم أصبحت تنزانيا مستعدة للثورة، إذ تهيأت جميع خطوات الثورة وقد أشار عبود جومبي النائب الأول لرئيس تنزانيا ورئيس زنجبار في خطبة له أنه منذ عام ١٩٦٤ وحتى الآن قد قامت إحدى عشر محاولة للإطاحة بالحكومة الزنجبارية كما قامت محاولات أخرى عديدة في تنجانيقا للإطاحة بحكومة نيريري.
وقد باءت تلك المحاولات جميعها بالفشل نتيجة عدم وجود قيادة حكيمة، وتنسيق منظم لها ولكن الآن كم تغيرت الأحوال بوجود الوزيرين الزنجبارين ومعهما أوسكار كامبونا، ولكن القيادة الحكيمة وحدها لا تنجح فهي بحاجة ماسة لمساعدة فعالة من الدول الإسلامية، فلدينا مؤيدين من خارج وداخل تنزانيا والخطط جاهزة وينقصنا الدعم اللازم لتنفيذها.
وهناك خطر كبير إذ إن الشعب الآن لا يقدر على الاحتمال أكثر من ذلك، ومن المحتمل أن تقوم مجموعة من الذين لا يمثلون مصلحة الأمة الإسلامية، أهدافهم غير أهدافنا بمحاولة لقلب نظام الحكم وإذا كتب لهم النجاح في قلب الحكومة من يضمن ألا تأتي حكومة في سوء حكومة نيريري، أو أكثر سوءا، إذ أمكن أن يكون هناك من يسيء أكثر من نيريري وحينئذ تقع مصيبة كبيرة وبلية ليس لها مثيل.
لذلك فمن المهم أن تعجل هذه المساعدات من قبل المسلمين، وأن تكون كافية للقيام بثورة ضد حكومة نيريري، اليوم قبل الغد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل