; من أدلة الصدق | مجلة المجتمع

العنوان من أدلة الصدق

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009

مشاهدات 55

نشر في العدد 1882

نشر في الصفحة 66

السبت 26-ديسمبر-2009

المسلمون في هذا العالم هم الوحيدون الذين يقرون بالنبوات كافة، ويحترمون الأنبياء جميعًا -عليهم السلام.

وهم يتلقون تحذيراً يومياً في كتاب الله بألا يفرقوا بين رسل الله وأنبيائه الكرام: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ۞ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٦-١٣٧)، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلَّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبه وَرُسُله لا تُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَد مَن رُسُلِه وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥) ، ﴿قُلْ آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وما أنزل عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مَن رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٨٤)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ويُريدون أن يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ ببَعْضٍ وَنَكْفَرُ ببَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أن يتخذوا بَيْنَ ذلك سبيلا۞ أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: 150-151).

بينما كل أتباع الديانات الأخرى على الإطلاق.. يفرقون.. بل يعلنون العداوة والبغضاء لهذا النبي أو ذاك.. ثم هم يمضون إلى أبعد من ذلك فيسبون ويلعنون!  أليس هذا وحده كافيا لتأكيد مصداقية هذا الدين والمنتمين إليه؟ ورغم كل انحرافات أهل الكتاب.. رغم كل كيدهم للمسلمين ودينهم ونبيهم ﷺ، ظل المسلمون، وظل نبيهم أوفياء معهم.

لا لشيء إلا لأنهم أتباع أديان كانت في أصولها قادمة من السماء.. وأتباع رسل كانوا جميعا أخوة لرسول الله. وحتى ساعات وفاته الأخيرة، كان رسول الله ﷺ يردد القول لمن حوله: «أوصيكم بأهل ذمتي».. هكذا بياء العطف عليه شخصيا ، ولذلك دلالته ومغزاه.. وعلى مدى عصر الرسالة.. بل على مدى التاريخ الإسلامي كله.. كان المسلمون صادقين مع أنفسهم وهم يعتبرون (أهل الكتاب) -بهذه التسمية التي تحمل دلالتها هي الأخرى- أقرب إليهم من الوثنيين والكفار. 

الشواهد كثيرة.. كثيرة جداً.. ويكفي أن نرجع إلى كتاب المستشرق البريطاني المعروف «سير توماس أرنولد»: (الدعوة إلى الإسلام)، وإلى كتاب المستشرق الآخر تريتون»: (أهل الذمة في الإسلام)، وإلى كتاب الدكتور عبد الكريم زيدان (أحكام أهل الذمة والمستأمنين في الإسلام) لكي نرى مئات الشواهد وألوفها على ما نقول.

سأقف عند حالة تاريخية تعكس الكثير من القيم والدلالات في العصر المكي وردت الأخبار من ديار الجزيرة الفراتية والشام تحمل نبأ هزيمة الروم البيزنطيين على أيدي الفرس الساسانيين.

حزن المسلمون حزناً شديداً لانكسار أهل الكتاب من النصارى أمام الفرس المجوس الوثنيين، وتنزلت آيات الله المعجزة لكي تطمئنهم على أن البيزنطيين من أهل الكتاب سيعيدون الكرة وسينتصرون، قال تعالى: ﴿الٓمٓ۞ غُلِبَتِ الرُّومُ۞ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ۞ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۞ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ۞ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 1-6).

وكما وعد القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. فبعد بضع سنوات عاد البيزنطيون وألحقوا بالفرس هزيمة نكراء أعادت الفرحة إلى قلوب المسلمين. أي صدق هذا مع الذات؟ وأي التواء في المقابل، يتعامل به أهل الكتاب مع المسلمين وكتابهم ونبيهم ﷺ؟

عندما قدم وفد من يهود خيبر إلى مكة في العام الخامس للهجرة، لتحزيب الأحزاب ضد دولة الإسلام الناشئة، والتقى الزعيم الوثني أبا سفيان، سألهم هذا يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه؟ أجاب اليهود بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه!.. كانوا على استعداد لأن يكذبوا على أنفسهم في سبيل مكسب أو مغنم عاجل يغنموه.

أي فارق كبير هذا بين الموقفين؟ ألا يكفي وحده أن يكون دليلًا على مصداقية هذا الدين؟!

الرابط المختصر :