; قصة قصيرة من أرض البرتقال الحزين إلى البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة من أرض البرتقال الحزين إلى البوسنة والهرسك

الكاتب عبدالوهاب عبدالغني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993

مشاهدات 85

نشر في العدد 1041

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 09-مارس-1993

في قاعة الدرس، وفي فصل من فصول المرحلة المتوسطة في ثانوية من ثانويات الغوطة المحيطة بمدينة دمشق الشام، كان الجو متوترًا، أحداق الطلاب مشدودة إلى المدرس الذي يقف أمامهم يقرأ لهم صفحة من صفحات إجرام يهود بحق الشعب العربي المسلم في فلسطين. هي مجموعة قصص جمعها الكاتب من عمق المأساة من ألسنة الثكالى والأيامى، ومن الشيوخ الذين روعتهم المذبحة، وشتتتهم الهجمة الصليبية الصهيونية على الشعب الآمن في فلسطين.

قصص تحكي المأساة: الذبح، الإجرام، القتل، الترويع والتخويف، التشريد، الإبعاد. كان أسلوب الكاتب مؤثرًا صادقًا، تعمقت المأساة في نفسه، فكتب حروفها بالدموع والدماء، وعندما كان المدرس ينقلها إلى طلابه الفتيان – في حصة المطالعة – كان يعكس عليها، هو الآخر، المرارة والألم، ويضفي على كلماتها مشاهد المأساة مجسمة، بحركاته، بصوته المتهدج، بنظرات عينيه الحانقة حينًا، الكسيرة حينًا آخر.

كان عنوان القصة المقررة في ذلك اليوم «دير ياسين» ويكفي أن تنطق بهذا الاسم، أو تسمعه لتتصور مذبحة من أبشع المذابح الإجرامية الجماعية في التاريخ القديم والحديث.

بدأ المدرس – كعادته – بتمهيد للقصة مصورًا الفاجعة الأليمة: «دير ياسين قرية من قرى فلسطين تقع قريبة من مدينة «القدس» يشتغل أكثر رجالها بنائين في مدينة القدس، ينتقلون إليها بسيارات كبيرة عامة. ولا يبقى في القرية إلا النساء والشيوخ والأطفال، وفي يوم من أيام شهر (...) من عام ١٩٤٨م، وقعت المذبحة الفظيعة في أهل هذه القرية الآمنة». واستمر المدرس يروي لهم تفاصيل المأساة، وهو يمسك كتاب المطالعة بيمناه، وتتدافع الكلمات من فمه، تتراوح نبرات صوته فبينما هي هادئة حزينة، فإذا هي ترتفع فتصبح غاضبة مزمجرة ناقمة، ويلف الفصل جو مأساوي كئيب. فالمأساة دامية، ولم ينج من القرية– حسب إحصاء الكتاب– إلا واحد، نجا بقدر الله عز وجل، ليكون الشاهد الوحيد من أهل دير ياسين على المذبحة الرهيبة، وينظر المدرس إلى وجوه طلابه بعد أن نقل لهم إحصائية القتلى من شيوخ القرية، ومن نسائها وأطفالها: إنهم (٢٥١) مائتان وواحد وخمسون قتيلًا.

ويا لهول المفاجأة! فعيون الطلاب أكثرها دامعة، والحزن يلف الجميع، لا همس ولا كلام، ولا لفتات، وتخيم لحظات من الصمت الرهيب الحزين.. راع المدرس حال طلابه، وأدرك أنه ارتكب إثمًا في حق هؤلاء الفتيان، أدرك أنه ألقى على مسامعهم كل ما حمله الكتاب من أحزان وفجائع، وزاد عليها من ذوب نفسه وعصارة ألمه، أدرك أنه لم يقل لطلابه الحقيقة كاملة، لم يكذب عليهم بكلمة واحدة، وكذلك الكتاب لم يكذب ولم يبالغ، ولكن أين الجانب الآخر من هذه القصة؟! جانب البطولات التي ظهرت في ذلك اليوم المشهور يوم دير ياسين؟ صحيح أن اليهود قتلوا وأجرموا، وفظعوا، ولكن ماذا كان من أمر إخواننا المسلمين من عرب فلسطين، هل كانوا مستسلمين؟ هل مدوا رقابهم للذبح واستكانوا؟ القصة لم تشر إلى شيء من هذا.. تذكر المدرس في هذه اللحظة ما كان قرأه منذ أيام– وهو يحضر لهذا الدرس– في أحد الكتب التي تروي بطولات أبناء شعبنا المسلم في فلسطين، كان الوصف لأحداث «دير ياسين» يتناول الموضوع من زاوية أخرى، زاوية المقاومة الفلسطينية، وكيف استقبل أبناء دير ياسين الذين بقوا في البلدة، ذلك اليوم، كيف أنهم عندما علموا بما بيته لهم الصهاينة– وقد تعودوا منهم الغدر– سارعوا إلى اتخاذ مواقف الدفاع والتصدي ليهود، وكانت المعركة غير متكافئة: يهود ويدعمهم الإنجليز والصليبية العالمية بكل الحقد وبالأسلحة الفتاكة، والفريق الآخر: ما تبقى من شباب القرية وشيوخها وأطفالها ونسائها، سلاحهم الإيمان بالله والإصرار على الدفاع عن دينهم وأرضهم.

ودارت المعركة من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت، واستبسل الفلسطينيون وقتلوا من شراذم يهود (٤٩) تسعة وأربعين مجرمًا منهم.

ماجت هذه المعلومات في ذهن المدرس وسرعان ما رمى الكتاب من يده بعيدًا وقال بصوت يحمل كل آيات القوة والإصرار: «ولكن يا أبنائي: إن لهذه القصة صورة أخرى لم يعرض لها كتابكم المقرر، إنها صورة البطولة والشجاعة».

إنها قصة التضحية والفداء، وبدأ يروي لهم الجانب الآخر من القصة.

لقد قتل أبناء دير ياسين من المجرمين اليهود المهاجمين (٤٩) تسعة وأربعين مجرمًا.

هل قتل هذا العدد من المهاجمين وأهل دير ياسين متجمعون في ساحة القرية؟ راكعون مستسلمون يرفعون أيديهم كما أمرهم يهود؟ هل قتل هذا العدد من يهود ولم تكن بطولات وإقدام كما صورهم الكتاب المقرر؟!

كان المدرس يراقب طلابه، وهو يروي لهم هذا الجانب الآخر من قصة دير ياسين، وإذا به– ويا لفرحته– يرى وجوه طلابه قد أشرقت، وغلت الدماء فيها ونظرات الإعجاب والإكبار والتحدي في عيونهم، ولم يخلُ الأمر من تعليقات خافتة حينًا، وصارمة حينًا آخر تستحسن وتحيي الأبطال والشهداء. ولم يجد المدرس بدًّا من أن يعلق على القصة بقوله: «ربما كان للمؤلف عذر في أن يعرض الجانب المأساوي الحزين من القصة ليستدر عطف من هم خارج بلادنا على ما أصابنا من غدر يهود وإجرامهم، ولكنني أرى أنه لا عذر لأحد في أن يعرض على شعبه القصة مبتورة، دون أن يشير إلى ما كان من أمر البطولات والمقاومة وكثير من الانتصارات التي ضاعت في خضم ذلك الإعلام المأساوي الحزين لنكبة فلسطين».

شريط الذكريات عرض عليّ بعد ما يقرب من عشرين سنة وأنا أسمع وأتابع هذه الأيام ما يجري لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك.

ماذا ينقل لنا إعلامنا عما يجري هناك؟ ومن أين يستقي أخباره؟ وماذا يريد من الملايين العربية المسلمة التي ينقل إليها هذه الأنباء؟!

إن ما يعرض من أخبار البوسنة والهرسك أمر يفتت الكبد، ويدمي القلب، ويفجر ينابيع الحزن، كثيرًا ما تختنق العبرات في العيون، وإني لأتصور مئات الملايين من المسلمين في أنحاء الأرض كلها: رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، معلمين وطلابًا، أطباء وفلاحين، شيوخًا ويافعين، عمالًا وعسكريين، كلهم يستمعون إلى مآسي البوسنة والهرسك، وبعضهم يرون مشاهد القتل والتدمير، القتلى والجرحى، والمآذن المدمرة، والبيوت المهجورة، والحرائق المشتعلة، تُعرَض صور الهاربين من الجحيم نساءً ورجالًا، وأحيانًا فتيات وفتيانًا يلاحقهم كلاب الصرب.. مشاهد تفتت الصخر وتنهد له الجبال.. هذا وماذا يمكن لهذه الملايين المسلمة أن تفعل لنجدة إخوانهم هناك؟!

لا شيء إلا الحسرة والدعاء، وربما أتيحت له فرصة التبرع ببعض المال، تدور شائعات تكاد تكون موثوقة في أنها تصل تحت مظلة الصليب! ماذا تفعل الأمة الإسلامية كلها: حكومات وشعوبًا، مدنيين وعسكريين، قادة ورعية؟ ماذا تفعل لعضو من جسمها يبتره الصرب بل كل نصارى العالم بوحشية لم تعرف لها الإنسانية مثلًا!

ماذا ينقل لنا إعلامنا العربي من الساحة هناك؟ واأسفاه! أين إسلامية هذا الإعلام؟ أين عروبته؟ أين كرامته؟ أين قصص البطولة في البوسنة والهرسك؟ أين أخبار المجاهدين المسلمين الذين يتصدون للصرب ومدافعهم وجرائمهم؟ أين شباب محمد صلى الله عليه وسلم يفكون الحصار عن أجزاء من سراييفو؟ أين صور المقاتلين المسلمين يحررون «موتسار»؟ أين أخبار الصمود؟ أين أخبار الجهاد؟ لا شيء من هذا. إن الإعلام الغربي الماكر لا يريد أن ينقل إلى العالم هذه الصور المشرقة حتى يميتوا في المسلمين روح الجهاد والقتال، وحتى يقنعوا كل مسلم في البوسنة والهرسك ومن خلفه من المسلمين بأن الموت والتشرد والضياع هو المصير المحتوم لهؤلاء. وحتى يقنعوهم بأن لا فائدة من مساعدة إخوانهم في البوسنة فيكفوا عن مساعدتهم. وإذا كان الإعلام الغربي ينطلق في هذا كله من منطلق صليبي حاقد، فما عذر إعلامنا العربي المسلم في هذا كله.

أما آن لهذه الأمة أن ترمي بهذا الإعلام الفاجر المدمر أو ينطق بالحقيقة كلها، كما فعل ذلك المدرس الذي رمى بالكتاب الذي لا يعرض إلا الجانب السلبي الخائف المذعور من الحقيقة؟ ألم يأن لهذه الأمة أن تفرض على إعلامها ألا يقول إلا الحقيقة؟ ألم يأن لهذه الأمة أن تفرض على إعلامها أن «يغربل» هذا السيل الجارف من الأخبار والصور التي تأتي من ذلك الإعلام الغربي الموجه لضرب الأمة في فكرها وعقيدتها ولا يعرض على إنساننا المسلم إلا ما يبعث فيهم الأمل والتفاؤل والعزة والإقدام ويسقط من هذا الغربال كل أحقاد صرب ويهود ومن والاهم. ثم أخيرًا ألا من مدرس يرمي بروح الهزيمة والخوف بعيدًا، نرجو ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء:٥١).

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :