العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة.. هاني مصطفى بسيسو
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 75
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-مايو-1993
كانت فترة الدراسة بمصر من سنة ١٩٥٠ - ١٩٥٤م
من أخصب الفترات في النشاط الإسلامي الذي ينتظم عقد الشباب المسلم، وبخاصة طلبة
الجامعات الأربع بمصر. وكنا نحن الطلبة الوافدين من خارج مصر ينتظمنا أكثر من
رباط، ويجمعنا أكثر من لقاء، حيث مشكلات المسلمين وقضايا الإسلام في كل مكان هي
الشغل الشاغل لنا بعد دراستنا. وكان في مقدمة القضايا التي تشغلنا قضية فلسطين،
وما آلت إليه نتيجة التخطيط الصليبي اليهودي العالمي، الذي شرد الشعب الفلسطيني
وأسلم البلاد إلى الطغمة اليهودية والعصابات الصهيونية بعد المهزلة التمثيلية التي
شاركت فيها الجيوش العربية تحت القيادة الفعلية للجنرال الإنجليزي كلوب باشا.
فكنا نتحرق شوقا للعمل الجاد الذي يعطي فلسطين
حقها، ويمكن لشعبها المسلم من استرداد حقوقه المشروعة، وخاصة أن قضية فلسطين هي
قضية المسلمين جميعا، وليست الشعب الفلسطيني وحده، لأنها بلاد المقدسات، فيها أولى
القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
وكان طريقنا لخدمة هذه القضية هو تعبئة
الجماهير، وخاصة الطلاب، وعلى الأخص الفلسطينيين منهم، ليكونوا نواة عمل منظم يأخذ
أبعاد القضية ويدرس سبل تحقيق الأهداف وفق التصور الإسلامي، ويربي الشباب على
الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. ومن هنا برز دور الأخ المجاهد هاني مصطفى
بسيسو، الذي كان يدرس في كلية الحقوق، حيث كان مثال العامل الصامت، والمجاهد
الدؤوب، والعالم العابد، الذي يؤثر العمل على الكلام، ولا يكل ولا يمل من الاتصال
بالأفراد والجماعات، شارحا لهم الدور المنوط بهم كمسلمين لهم رسالة في الحياة، وهي
إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته، وتحرير بلاد المسلمين من كل سلطان أجنبي، وتطهير أرض
الإسراء والمعراج من رجس الصهاينة وأعوانهم.
وكان في المركز العام للإخوان المسلمين قسم
الاتصال بالعالم الإسلامي، وقسم طلبة البعوث الإسلامية، ومن خلالهما كان للأستاذ
هاني جهوده المشكورة وأعماله المبرورة. وقد ساعده على أداء مهمته والقيام بدوره
صلاحه وتقواه وزهده وعفته ودماثة خلقه وحسن معاملته للجميع، فكان صديق الجميع،
يحبونه دون سواه، ويؤثرونه على من عداه، ويجعلونه في المقدمة رغم حرصه على التواري
عن الأنظار، وإيثاره العمل في الصفوف الخلفية، بحيث يرى أثره ولا يعرف شخصه. وكان
سباقا إلى المكرمات والبذل للنفس والوقت والمال في سبيل مرضاة الله وخدمة المسلمين.
ولقد أسهم في أكثر من ميدان، وكان كخلية النحل
في نشاطه الإسلامي في محيط الطلاب وغيرهم، وقد أثمر الثمار الطيبة بهذه البراعم
المؤمنة التي حملت رسالة الإسلام عقيدة وشريعة وخلقا وسلوكا ومنهج حياة.
وكانت التجمعات الفلسطينية تضم أشتاتًا من
أصحاب المبادئ، من اشتراكية ووطنية وشيوعية وعلمانية وإسلامية.
ولكن التوجه الإسلامي كان له الدور الريادي
والهيمنة على معظم الشباب الفلسطيني، بفضل الجهود المباركة التي يبذلها هاني بسيسو
وإخوانه، وفي معركة قناة السويس سنة ١٩٥١م برز دور الشباب المسلم بكل وضوح، حيث
قاد المعركة طلاب الجامعات المصرية، وشارك معهم بعض الإخوة الفلسطينيين في
التدريبات، ومنهم الأستاذ هاني بسيسو، الذي وصفه عبدالله أبو عزة بقوله: كان هاني
بسيسو (رحمه الله) من أصغر الرجال حجما من حيث حجم جسمه المادي، لكنه كان من أكبر
الرجال في قوة إيمانه، وعمق إخلاصه، وزهده في المظاهر، ونكرانه لذاته، وتفانيه في
خدمة المبادئ التي آمن بها، والمنهج الذي أعلن له ولاءه (ص ٢٥ من كتاب مع الحركة
الإسلامية).
وإذا كان معين بسيسو الشاعر والزعيم الشيوعي
قد سلطت عليه الأضواء، وتحدث عنه الإعلام الذي كان يسيطر عليه اليسار في معظم
العالم العربي، فإن الأخ المجاهد هاني بسيسو كان الجندي المجهول، والعامل المحتسب،
والتقي الخفي، الذي يؤثر ما عند الله على ما عند الناس، ويعرف قيمته الرجال
المحيطون به، أمثال خليل الوزير ومحمد أبو سيدو وحسن عبدالحميد صالح وغيرهم من
الأعوان الخلص.
ظل المجاهد هاني بسيسو يؤدي دوره في العمل
الإسلامي وجمع كلمة الفلسطينيين على منهج الإسلام الصحيح، فترك أطيب الأثر في
فلسطين ومصر، وحين وقع عليه الاختيار ليعمل في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير مع
بعض الزملاء المصريين، صرف جل اهتمامه إلى الطلبة، يربيهم على الإسلام خلقا وسلوكا
وفهما وعملا. وكان يصحبهم للصلوات في المساجد، وقيام الليل، ودروس الفجر، والرحلات
الكشفية، حتى عم الخير وانتشر، وكثر الصالحون من الشباب الذين تعلقوا به وآثروه
حتى على آبائهم في طرح مشكلاتهم والإجابة على استفساراتهم. وكان القدوة العملية
للجميع في تواضعه الجم وخلقه الفاضل وخدمته للصغار والكبار على حد سواء.
ولم يكن انصرافه للعمل في التدريس ليصرفه عن
الاتصال الدائم بإخوانه العاملين المجاهدين في مصر وفلسطين، بل كان دائم الصلة
بهم، كثير التردد عليهم، يوفر لهم العون اللازم والدعم المستمر.
يقول أبو عزة في كتابه (مع الحركة الإسلامية،
ص ٧١): في يوم من الأيام، شهر تموز من سنة ١٩٥٧م، جاءني المرحوم هاني مصطفى بسيسو
يحمل مذكرة مكتوبة في بضع ورقات، وقال إن الأخ خليل الوزير قدمها إليه، وفيها
مقترحات تقدم مشروعا لنشاط إخواني كي يتبناه التنظيم، وطلب مني الأستاذ هاني أن
أدرس المذكرة وأعطيه رأيي فيها، فاعتذرت للأخ هاني بظروفي، وأعدت إليه المذكرة بعد
أن ألقيت عليها نظرة سريعة. ويبدو أن الأخ هاني ومن معه لم يأخذوا المذكرة مأخذ
الجد، ولكن أصحاب المذكرة خليل الوزير وإخوانه تابعوا الأمر إلى أن ولدت حركة فتح
سنة ١٩٥٨م.
ويمضي أبو عزة في كتابه المذكور، ص ٧٨: ربما
لا يعرف كثيرون أن أول بعثة إخوانية مصرية زارت فلسطين في شهر أغسطس سنة ١٩٣٥م
كانت تضم كلا من الأستاذ عبدالرحمن الساعاتي البنا (شقيق حسن البنا) والأستاذ محمد
أسعد الحكيم. وعندما اندلعت الثورة الكبرى في فلسطين سنة ١٩٣٦م هب الإخوان في مصر
لنصرتها، لكن دورهم الأكبر والأظهر كان في سنة ١٩٤٨م حين دخلت كتائبهم للقتال
بجانب الفلسطينيين، حتى كشف أمره لدى الطغاة المتسلطين على حكم مصر من العسكريين،
فقبض عليه وسجن، وبقي في السجن عدد سنين، حيث كان الدعاة في السجن يلتفون حوله
ويسهمون معه في تثبيت الناس وشد أزرهم وتبشيرهم بما أعده الله للمجاهدين الصابرين
والدعاة المخلصين.
ولم تلن له قناة، ولم تضعف أمام مغريات الوعود
ولا سياط الجلادين، بل كان رابط الجأش، صلبا في مواقفه، جريئا في أقواله، متوكلا
على ربه، حتى أتاه اليقين، حيث لقي ربه في غياهب السجن. فبكاه الجميع داخل السجن
وخارجه، وظل ذكره عطرا يتحدث فيه القاصي والداني لما عرفوه فيه من تدين صادق، وعمل
مخلص، ولسان عفيف، وخلق فاضل، وجرأة في الحق، ورجولة في المواقف، وإيثار عند
الشدائد، وزهد في الدنيا، وعزوف عما في أيدي الناس.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع
النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
اقرأ أيضًا: