العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٢٣) الداعية المربي صالح مهدي الدباغ
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997
مشاهدات 81
نشر في العدد 1246
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 15-أبريل-1997
كان ذلك في عام ١٩٤٧م حين تعرفت عليه ببغداد، وهو الشاب النقي الورع الأخ صالح مهدي الدباغ (أبو صفوان)، معلم الناشئة ومربيهم، والباذل جل اهتمامه في توجيه البراعم المؤمنة إلى هدي الكتاب والسنة، وإعدادهم ليكونوا حملة الدين ودعاته، المجاهدين في سبيله، والذائدين عن حياضه، أمام كيد الكائدين ومكر الماكرين، الذين طغى شرهم، وعم ظلمهم وانتشر فسادهم، فصارت بغداد بلد الرشيد، تعج بدعوات الملاحدة الشيوعيين والزنادقة العلمانيين والأذناب والعملاء من المتغربين والمأجورين يمثلهم سيل من الكتب والمطبوعات والصحف والمجلات والأحزاب والجمعيات المدعومة من اليهود والسفارات، فكان الحزب الشيوعي وجريدته «القاعدة»، والحزب الشيوعي الآخر وجريدته «الشرارة»، والحزب الوطني الديمقراطي وجريدته «الأهالي»، والجناح التقدمي الديمقراطي وجريدته صوت الأهالي، وحزب الاتحاد الوطني وجريدته «السياسة»، وكلها أحزاب يسارية مضافًا لها الأحزاب، التي يقودها اليهود مباشرة مثل حزب التحرر الوطني، وحزب الاتحاد الوطني، وحزب العصبة الصهيونية... إلخ، وأمام هذه الهجمة الشرسة على الإسلام كدين وعلى المسلمين كافة كان لا بد من التصدي بحزم وقوة لهؤلاء المفسدين في الأرض، ومن هنا برز دور الدعاة إلى الله؛ ليقدموا الإسلام كحل بدلًا من الدعوات الشيوعية والقومية والعلمانية.
لقد نشأ الأستاذ الدباغ -رحمه الله -في منطقة الأعظمية؛ حيث جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، الذي يزخر بالعلماء والدعاة والوعاظ والمرشدين، الذين يتصدرون للوعظ والتدريس والتعليم والتربية والندوات والمحاضرات في جماهير المسلمين وبخاصة الشباب الذين يشكلون الحلقات في المسجد الجامع، وينهلون من علوم الإسلام النافعة على أيدي الأساتذة المربين، وفي مقدمتهم الأخ المربي أبو صفوان الذي يشهد هممهم، ويستجيش مشاعرهم، ويثير غيرتهم على الدين، ويستنهضهم لحمل رايته، والوقوف في وجه أعدائه، متسلحين بالعلم النافع والتربية الصلبة التي يتهاوى أمام صمودها دعاة الباطل والأقزام المهازيل من رموزه.
ولقد أصدر الأستاذ الدباغ سلسلة مع الناشئة؛ لتكون زادًا للشباب المسلم مكملة سلسلة قصص الدين والدنيا لمحمد لبيب البوهي ورسالة صرخة مؤمنة إلى الشباب والشابات للأستاذ محمد محمود الصواف، التي تولت مكتبة الإخوان المسلمين بشارع حسان بن ثابت في بغداد توزيعها في جميع أنحاء العراق، مما كان له أطيب الأثر في نشر الوعي الإسلامي والثقافة الإسلامية.
وكنت أعرف الأخ الدباغ عن قرب، ومن خلال معايشته بحكم وجودي بالثانوية الشرعية بالأعظمية؛ حيث مسكنه قريب من سكن طلاب الثانوية، فكنا نلتقي به كثيرًا، ونجد منه كل الحفاوة والرعاية وطيب المعشر وحسن الخلق، وقد استضافنا في بيته أكثر من مرة، وكان بسيطًا متواضعًا لا يحب التكلف، يلقاك ببشاشة الوجه وطيب الكلام وحسن الحوار، ويضفي على إخوانه وزائريه كل مظاهر الحب والتكريم والترحيب والتقدير، ويشعرهم بأنهم أصحاب المنزل.
وكم كان -رحمه الله- يؤكد على ضرورة الاهتمام بأبناء الجيل الجديد؛ لأنهم أمل الأمة في مستقبلها، ويبذل قصارى جهده في تنشئتهم النشأة الصالحة وتربيتهم التربية القويمة؛ ليكونوا رجالًا بحق يبصرون دين الله، ويشدون أزر المجاهدين في فلسطين، ويقاومون الاستعمار وأذنابه، الذين يريدون فرض معاهدة «بورت سموت البريطانية» على الشعب العراقي المسلم، وقد كان لجهاد الأستاذ الصواف وإخوانه وتلامذته الدور الكبير في التصدي لها حتى تم إسقاط هذه المعاهدة المشؤومة.
لقد ضرب الأخ الدباغ المثل الصادق للأخ المسلم في صدقه ووفائه ونبله وكرمه وحبه لإخوانه وإيثارهم على نفسه وقيامه بخدمتهم ورعايتهم؛ حيث وجدنا نحن الطلبة المغتربين النصيب الأوفر من هذه العناية والرعاية، التي أفاضها علينا وغمرنا بها بحيث لا زالت في ذاكرتنا رغم تقادم السنين. لقد تميز الأخ (أبو صفوان) بالزهد والورع وكثرة التلاوة للقرآن الكريم، والحرص على المأثورات من الأذكار وأدعية اليوم والليلة، كما كان -رحمه الله - موفقًا في حسن عرض الإسلام بأسلوب محبب، وطريقة جذابة تبشر ولا تنفر، وتسلك المنهج الوسط، وتتخذ الحكمة والموعظة الحسنة طريقها إلى النفوس والقلوب، فأقبل الناشئة والشباب زرافات ووحدانا ينهلون من نبع الإسلام الصافي وينتظمون في صفوف الدعاة العاملين والمجاهدين الصادقين، فكانوا ثمرة بائعة من ثمار جهود أبي صفوان المباركة؛ نتيجة عمله الدؤوب مع شبان الرافدين، كما كان للكتب الإسلامية الدعوية، التي تنشرها مكتبات الإخوان المسلمين الأثر البالغ في تعريف الشباب بحقيقة الإسلام ودوره في تأسيس المجتمع المسلم، الذي يقيم منهج الله في الأرض، ويخرج الناس من عبادة الطواغيت إلى عبادة الله، ومن فوضى المناهج الوضعية المستوردة إلى عدل الإسلام وكرامة المسلم وأمن المجتمع، وقد كان للمعسكرات الكشفية والمخيمات الصيفية - على شواطئ دجلة، وفي غابات الشمال التي تضم العشرات بل المئات من الشباب - أكبر الأثر في تربيتهم على الرجولة والشجاعة والتضحية والبذل والاعتماد على النفس من خلال الدروس، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والصيام والرياضة الكشفية؛ حيث التكامل في المنهج التربوي، الذي يعنى بالجسم والعقل والروح على حد سواء.
وعلى ضوء هذا المنهج، ويمثل هذا الأسلوب انطلق العلماء أمثال الزهاوي والقيسي والواعظ والصواف والدباغ وزيدان وغيرهم يتحركون بالإسلام من خلال المساجد ورابطة العلماء وجمعية الآداب الإسلامية وجمعية إنقاذ فلسطين، ثم جمعية التربية الإسلامية، وجمعية الأخوة الإسلامية فيما بعد.
إن الأخ صالح مهدي الدباغ كان صالحًا كاسمه في سمته ومظهره، وفي قوله وعمله، فهو مجاهد
صامت يؤثر العمل على القول، ويتوارى عن الظهور، ويعتبر الإمام الشهيد حسن البنا مجدد العصر والقائد الفذ، الذي قل أن يجود الزمان بمثله، ويرى أسلوبه في الدعوة المعاصرة أمثل الأساليب؛ لأنه مستقى من منهج الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وهو يرى أن الأستاذ الصواف ثمرة من ثمار البنا أهديت للعراق، كما كان الشيخ محمد الحامد والأستاذ مصطفى السباعي من ثمار البنا، التي أهديت لسورية.
وكان يكرر القول بأن الأمل معقود على حركة الإخوان المسلمين؛ لتعيد للأمة مجدها وتحررها من ربقة الاستعمار بكل أشكاله ومسمياته وبخاصة البريطاني، الذي يسعى ليتمكن اليهود في بلاد المسلمين، ومن ثم كان انطلاق كتائب الإخوان المسلمين من مصر وسورية والأردن والعراق؛ للتصدي لليهود في فلسطين بعد قرار التقسيم سنة ١٩٤٧م، الذي تواطأت على تأييده كل الدول الكافرة شرقية وغربية.
إن الأخ صالح الدباغ ليس من رجال الفكر البارزين ولا من الدعاة المشهورين، ولكنه من العاملين المجاهدين والأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا .
هكذا عاش معنا وهكذا رحل عن دنيانا وقليل من الناس من يعرفه، ولكن الله يعرفه وهو حسيبه ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
نسأل الله أن يتغمده برحمته، وأن يلحقنا وإياه بالأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا،
والحمد لله رب العالمين.