العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة: محمد أمين الحسيني
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 55
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
عرفته في سن مبكرة عن طريق السماع لأخباره
وتحركاته في تعبئة الأمة الإسلامية للتصدي للمؤامرات التي يحيكها اليهود، وينفذها
أعوانهم المستعمرون، وعلى الأخص الإنجليز الذين أعطوا اليهود الحق في توطن فلسطين
حسب وعد بلفور المشؤوم، وكان لا يهدأ مطلقًا فهو في حركة دائبة، وعمل متواصلًا،
وجهاد شاق، وصبر ومصابرة لا يقوى عليها إلا أصحاب العزائم من الرجال.
إن سماحة الحاج محمد أمين الحسيني علم من أعلام
الإسلام المعاصرين في غنى عن تعريف مثلي، فهو أشهر من أن يعرف وأكبر من أن أقوم
بتعريفه، فقد ملأ الدنيا ذكره، وعم الخافقين صيته، وأذكر أن مجلة (الإخوان
المسلمون) كتبت تطالب حكومة مصر بالسماح له باللجوء إليها، بعد انتهاء الحرب
العالمية الثانية بهزيمة دول المحور، وعلى رأسها ألمانيا التي كان سماحة المفتي لاجئًا
إليها ومتعاونًا مع زعيمها هتلر في حرب اليهود، ونشرت المجلة على صفحات الغلاف
صورته، وكتبت تحتها: «مهاجر القرن الرابع عشر الهجري مفتي فلسطين الأكبر سماحة
الحاج محمد أمين الحسيني»، وقد مارست جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسها الإمام
الشهيد حسن البناء، وجماعة الشبان المسلمين وعلى رأسها محمد صالح حرب، والاتحاد
العام للجمعيات والهيئات الإسلامية بمصر وعلى رأسه عبدالواحد شبل، وغيرهم من
الشخصيات السياسية والوطنية مثل محمد علي علوبة وعبدالرحمن عزام وعلي ماهر وغيرهم،
مارس هؤلاء ضغوطًا سياسية وشعبية؛ حتى وافقت حكومة مصر على لجوئه رغم اعتراض
بريطانيا على ذلك.
وكان الإخوان المسلمون والمخلصون من قادة مصر
يبذلون قصارى جهدهم لمساعدة إخوانهم الفلسطينيين في جهادهم ضد اليهود وأعوانهم
الإنجليز؛ حيث شرعوا في شراء الأسلحة لهم من مخلفات الحرب العالمية الثانية في
الصحراء الغربية، بل شارك الكثير من الضباط المصريين ذوي الاتجاهات الإسلامية في
تدريب الفلسطينيين على أعمال العصابات لمواجهة العصابات اليهودية التي يقوم
الإنجليز بتدريبها في فلسطين ويزودونها بأسلحتهم الخفيفة والثقيلة.
ولم يكن هذا الأمر بالجديد على الإخوان
المسلمين، فإن الصلة بينهم وبين سماحة مفتي فلسطين قديمة منذ سنة 1935م، حين أرسل
الإمام الشهيد حسن البنا كلا من أسعد الحكيم وعبدالمعز عبدالستار وعبدالرحمن البنا
لمقابلة المفتي، وعرض خدمات الإخوان للشعب الفلسطيني في جهاده، وجاءوا بجواب
الرسالة من سماحة المفتي الحسيني إلى المرشد العام حسن البنا.
وفي سنة 1936م قام الإخوان المسلمون في جميع
أنحاء مصر بدعوة الناس للتبرع لمجاهدي فلسطين، ونظموا حملة باسم: (ادفع قرشًا
لفلسطين)، وانتشروا في مساجد المملكة المصرية يخطبون في المساجد والمحلات العامة،
يهيبون بالناس لنجدة إخوانهم الفلسطينيين، وقد كتب أديب العربية مصطفى صادق
الرافعي مقالًا تحت عنوان: «قصة الأيدي المتوضئة سنة 1936م»، وأثنى فيه على جهاد
شباب الإخوان المسلمين، وجمعهم التبرعات للمجاهدين الفلسطينيين، وذلك في أسبوع
أعلنوا عنه أنه «أسبوع فلسطين».
وأصدرت مجلة الإخوان المسلمون، أعدادًا خاصة
عن فلسطين الجريحة، وكتبًا عن «النار والدمار في فلسطين»، وأثاروا مشاعر الشعب
المصري ونخوته لنجدة فلسطين؛ حتى أغضبوا حكومة مصر التي أعلن رئيسها بأنه رئيس
حكومة مصر لا فلسطين، وذلك من أجل إرضاء الإنجليز الذين كانوا متنفذين في مصر،
وأثارهم غضبة الشعب المصري الصادقة وثورته العارمة لنصرة إخوانه الفلسطينيين،
ونقمته على الإنجليز لمساعدتهم اليهود.
وحين أعلن مجلس الأمن الدولي قرار تقسيم
فلسطين سنة 1947م، هاجت الشعوب العربية والإسلامية، وعمت المظاهرات الصاخبة أنحاء
العالم الإسلامي، وتعرضت المصالح الأجنبية لاعتداءات الجماهير الغاضبة، فسارعت
الجامعة العربية إلى عقد مؤتمر لتقرر دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وفق مخطط
أجنبي يظهر عجز الجيوش العربية عن التصدي لليهود وعجزها عن الحيلولة دون إقامة
دولة "إسرائيل" في أرض فلسطين.
غير أن القوى الوطنية والحركة الإسلامية في
مقدمتها، عقدت مؤتمرًا شعبيًا في القاهرة تكلم فيه حسن البنا ومحمد صالح حرب ومحمد
علي علوية وعبدالواحد شبل وأحمد حسين وصبري عابدين -مندوب أمين الحسيني- وغيرهم،
وكان الجميع يعارضون الجامعة العربية في إدخال الجيوش العربية إلى فلسطين؛ لأنها
ستكون ملزمة بالقرارات الدولية ومنصاعة لتنفيذها؛ لأن الدول هي التي أصدرت قرار
التقسيم الجائر.
ولقد طالب القادة في المؤتمر الشعبي بتسليح
شعب فلسطين وتزويدهم بالمعونات اللازمة، وفتح المجال أمام المتطوعين من البلاد
العربية والإسلامية للمشاركة في الذود عن الديار المقدسة بفلسطين، غير أن المؤامرة
سارت في مسارها، ودخلت الجيوش العربية، وكان ما كان من مهزلة الهدنة الأولى
والثانية والثالثة، وتولى الجنرال الإنجليزي كلوب بإنشاء القيادة الفعلية لهذه
الجيوش العربية التي انسحبت وأسلمت البلاد وأهلها لليهود الذين أقاموا المجازر
والمذابح على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
إن سماحة الحاج أمين الحسيني لم يدخر وسعًا
على كل صعيد، وفي كل مجال شعبي ورسميٍ عربي وإسلاميٍ ودولي، وظل المجاهد الذي لا
يكل ولا يمل، رغم تقدم السن، وضخامة الأحداث وقوة الأعداء، وقلة الأنصار، وتكالب
الخصوم، وتصدع الجبهات الداخلية، وكان أمله أن العلاج هو ما شرعه الإسلام، وهو
الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ومن هنا كان دوره في تعضيد كل عمل جهادي يستهدف
اليهود باعتبارهم جرثومة الفساد في العالم، والسوس الذي ينخر في المجتمعات، ولا
علاج لهم إلا بالقتل والاستئصال من الأرض لأنهم المفسدون في الأرض على مدار
التاريخ كله.
زرته في بيروت أواخر أيامه مع بعض الإخوة
الكويتيين والسوريين والمصريين فوجدت هذا الشيخ المهيب والكهل الوقور، يتوقد حماسًا
يفوق حماس الشباب، ويعرض الأمور ويحلل الأحداث بعين الناقد البصير والسياسي المحنك
والخبير المجرب، وكانت وصيته أن لا نقطع الأمل، وأن نبقى على العهد في مواصلة
الجهاد، وأن تظل راية الإسلام مرفوعة يسلمها الجيل الحاضر إلى الذي يليه حتى يقضي
الله أمره، ويحقق وعده، فالنصر آتٍ لا محالة، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فنثق
بموعود الله، ولنحسن التوكل عليه، ونخلص النية له: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل