العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة «12»- الشهيد: محمد صالح عمر
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1069
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
التقيت به أول مرة في بيروت أوائل الستينيات
الميلادية، وكنا نتدارس قضايا المسلمين وأوضاع العالم الإسلامي وموقف العاملين في
الحقل الإسلامي من التحديات التي تواجههم، ومؤامرات قوى الكفر التي تكالبت على حرب
الإسلام والمسلمين، وحركت عملاءها من الدمى والأقزام والفراعنة الصغار لضرب الحركة
الإسلامية المعاصرة، وتصفية الدعاة إلى الله وقادة الفكر الإسلامي بكل وسائل البطش
والتنكيل باعتبارهم الخطر الذي يهدد إسرائيل والشوكة التي تكدر صفو استقرارها
بالمنطقة. وقد رسمت الخطط الجهنمية، لتكون هذه الضربة للدعوة والدعاة أعظم وأعم من
سابقاتها سنة ١٩٤٨ وسنة ١٩٥٤. وبالفعل اعتقل عشرات الآلاف من الشباب المسلم وصفي
الكثير منهم بأيدي الجلادين في السجون، أو على أعواد المشانق، وعاش العالم
الإسلامي في ظلام دامس لغياب مصابيح الهدى وأعلام الحق.
وانطلق شياطين الإنس والجن وخفافيش الظلام
وفئات المرتزقة والمنافقين والمتآكلين بالدين، يصفقون للفرعون ويباركون إجرامه في
حق المؤمنين، وانطلقت أبواق الطاغية وإعلامه الفاجر يرعد ويزبد، ويتهدد ويتوعد،
وصار التدين أو ارتياد المسجد أو إطلاق اللحية أو الحديث عن الإسلام جريمة يعاقب
عليها قانون الفراعنة.
ولم يقف الأمر عند الدعاة وحدهم، بل شمل البطش
عوائلهم من النساء والشيوخ والأطفال الذين زج بهم بالسجون بتهمة إيصال بعض القروش
للعوائل المحتاجة من أسر الشهداء والمعتقلين.
ولما بلغ السيل الزبى تداعى رجال الحركات
الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وكان منهم الأخ الشهيد محمد صالح عمر للبحث
في سبل التصدي لهذه الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين بعامة، وعلى الحركة
الإسلامية المعاصرة، وقادتها بخاصة.
والأخ محمد صالح عمر من شباب الحركة الإسلامية
في السودان الذي نشأ في أحضان الدعوة الإسلامية وتربى على مناهج الإسلام منذ كان
في مقاعد الدراسة، حيث برز كداعية مثقف واع يتحرك بالإسلام وينتصب بقوة لتفنيد
مقولات الشيوعيين والعلمانيين في أوساط الجامعة وخارجها حين تقام الندوات
والمناظرات وتعقد الحلقات والاجتماعات. وأثمرت هذه الجهود المباركة المبذولة من
الأخ الشهيد محمد صالح عمر وإخوانه إلى الإطاحة بالنظام الدكتاتوري في السودان،
وتشكلت حكومة ائتلافية كان «رحمه الله» أحد وزرائها، ولم يدم الأمر كثيرا حيث
تداعى أعوان الاستعمار وقاموا بانقلاب عسكري آخر نصبوا عليه أحد الدمى المتعاونة]
معهم ليستأنف الحرب على الإسلام ودعاته.
لقد كان الأخ الشهيد من رموز الحركة الإسلامية
في السودان، بل إنه انتخب لقيادتها فترة من الفترات أثبت فيها حنكة وجدارة ومرونة
في سياسة الأمور ومعالجة القضايا وحل المعضلات. وحين شكلت الحركة الإسلامية أواخر
الستينات كتيبة لمناوشة اليهود على الحدود، وأقامت معسكرا لتدريب المجاهدين التحق
فيه الكثير من الشباب المسلم، من مصر والسودان وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين
واليمن والعراق، وخاضوا المعارك الشرسة مع يهود التي طار صوابها، حيث كانت تظن أن
الضربات المتتابعة على الدعاة، والتصفيات الجسدية والاعتقالات ستمنع أبناء الحركة
الإسلامية من معاودة الكرة لحرب إسرائيل. وقد استشهد عدد من الإخوة الكرام من مصر
وفلسطين وسوريا واليمن، كما سقط الكثير من الجرحى والمصابين بعد أن أصابوا من
العدو اليهودي مقاتل موجعة وضربات قاتلة.
وحين استشرى الشر في السودان وأوغل الدكتاتور
العسكري في الظلم والبطش، وعم البلاء سائر طبقات الشعب واستعملت كل وسائل التنكيل،
بما فيها هدم البيوت على ساكنيها، واستعمال الطائرات لقصف مناطق المسلمين، كان
الأستاذ محمد صالح عمر مع إخوانه السودانيين في خط الرباط وميدان القتال ضد يهود،
فاستأذن للعودة مع مجموعة من إخوانه إلى السودان لمحاربة الطاغية والتصدي لظلمه
وشارك في المعارك التي خاضها الشعب السوداني في جزيرة «أبا» ولقي ربه شهيدا متقبلا
إن شاء الله.
إن الأستاذ محمد صالح عمر داعية دمث الخلق لين
الجانب مع إخوانه، صلب متمرس في ميادين القتال، سياسي محنك داهية يعرف ألاعيب
السياسة ودروبها فلا ينخدع بمعسول الكلام الذي يجري على ألسنة السياسيين ولا يغتر
بالوعود الكاذبة التي يطلقونها هنا وهناك. وفي نفس الوقت هو داعية عالمي النزعة
يتجاوز الحدود الإقليمية ويستعلي على الروابط الطينية وينتظم في صف العاملين لوحدة
الحركة الإسلامية انطلاقا من عالمية الإسلام ومن أمة الإسلام الواحدة.
لقد تكررت لقاءاتي مع الأخ الشهيد محمد صالح
عمر فلم تزدني إلا حبا له، وإكبارا لمواقفه وثقة بدينه وإعجابا بثاقب رأيه وبعد
نظره، كما كنت أغبطه على الحرص الشديد للقاء ربه شهيدا في ميادين القتال مع أعداء
الله وكان مستشرفا للشهادة في فلسطين مع إخوانه الذين سبقوه، فشاء الله أن يكرمه
بالشهادة مع إخوانه السودانيين في جزيرة «أبا».
رحم الله أخانا الشهيد محمد صالح عمر وجمعنا
وإياه في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.