العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة «14» البطل «الفضيل الورتلاني»
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 66
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
الفضيل الورتلاني: المجاهد الذي حار الناس في مواهبه
من أي الجوانب أتحدث عن هذا الشخص العظيم، والسياسي المحنك والبطل
الشجاع، والمغامر الجسور، والمجاهد الصابر، الذي حار الناس في مواهبه المتعددة،
وعجزوا عن مجاراته في انطلاقه لتحقيق الأهداف التي يؤمن بها، والمبادئ التي يدين
لها، وهي تحرير الشعوب الإسلامية بكاملها، من ربقة الاستعمار الأجنبي أيًا كان
لونه وجنسه، وإحلال الإسلام كنظام شامل للحياة كلها عقيدة وعبادة وخلقًا وشريعة
ومنهج حياة.
ومن هنا كان بطلنا الشجاع الفضيل الورتلاني، صاحب السبق في ميادين
الجهاد، والعمل لتحرير العبادة من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار.
ولئن كان الورتلاني من أبناء
الجزائر، فإن تحركه وجهاده لم يكن للجزائر وحدها، بل للمسلمين عامة؛ لأن غايته
الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.
أدوار جهادية عابرة للحدود
لقد أسهم الورتلاني ورفيقه المصري أمين إسماعيل مع إخوانهم في اليمن
لرفع الظلم الواقع بهم، وإزاحة العقبات التي تحول دون تحقيق أمانيهم في الحياة
الحرة الكريمة، كما كان للورتلاني دور فاعل ومؤثر في رفد حركة الجهاد الإسلامي في
فلسطين ضد يهود ومن والاهم.
فضلاً عن الدور الأساسي الذي يضطلع به مع إخوانه من مجاهدي الجزائر،
لتخليص بلادهم من نير الاستعمار الفرنسي والتصدي لكل القوى الماكرة التي تكيد
للإسلام والمسلمين في كل مكان.
إن أستاذنا الفضيل الورتلاني علم من أعلام الإسلام المعاصرين، عرفته
قبل أن أراه، وتتبعت جهاده في أكثر من ميدان، حتى إذا شاء الله التقيته في مصر
أوائل الخمسينيات، فوجدت الرجل أكبر مما سمعت وفوق ما علمت.
صفات القائد المسلم الفريد
فقد آتاه الله علمًا واسعًا، وذكاءً حادًا، وبديهة حاضرة، وثروة من
التجارب وافرة، وأسلوبًا في الحوار نادرًا، وجرأة في الحق، وقدرة على التصدي
للباطل، وسلاسة في الحديث، وفصاحة في الخطابة، وقوة في الإيمان ويقظة في الضمير.
ولست في هذا مبالغًا، ولكنه بعض ما في الرجل؛ لأن الفضيل الورتلاني
نموذج فريد للرجل المسلم القوي، الذي تصغر في عينيه عظائم الأمور، وتهون أمامه كل
الصعاب، فلا يتهيب من اقتحام الميادين، مهما عظمت التضحيات، ولا يتردد لحظة في
مواجهة الباطل المنتفش مهما كانت قوته وجبروته.
إن الجزائر المسلمة هي أرض البطولات وبلد التضحيات التي أرخصت الدماء
الغالية في سبيل عقيدة الإسلام، والذب عن حياض الوطن الإسلامي، وقاومت المستعمرين
سنين طويلة، وانتفضت كالمارد بعد طول رقاد، وقدمت الشهداء بالملايين، لتفخر أن
يكون في طليعة رجالها ومقدمة أبطالها ابنها البار الفضيل الورتلاني، الذي كان
كالشامة في جبين الأمة الجزائرية المسلمة.
جمعية العلماء المسلمين ودورها الريادي
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان لها الفضل- بعد الله- في
تخريج هذه القمم السامقة وهؤلاء الأئمة الأعلام، والرجال العظام، ولن ينسى
المنصفون من الناس هذا الدور العظيم لهذه الجمعية المباركة، سواء داخل الجزائر أو
خارجها.
فقد كان لمكتبها في القاهرة وفيه أمثال الإبراهيمي، والورتلاني، دور
فاعل مؤثر في تهيئة الرأي العام العربي والإسلامي، للوقوف إلى جانب الجزائر في
محنتها، كما كان لهذه الجمعية الأثر الكبير في جمع كلمة الدعاة والقادة المسلمين
في العالم العربي والإسلامي، لمواجهة التحدي الاستعماري، الذي يستهدف الإسلام كدين
والمسلمين كأمة، والأرض الإسلامية كوطن.
ولقد استطاع الشيخ البشير الإبراهيمي بمؤازرة أخيه الفضيل الورتلاني،
أن يكسبا تأييد الشعوب العربية والإسلامية، بل بعض الحكام المسلمين، بحيث صارت
قضية الجزائر المحور الأساسي للخطب والمحاضرات والندوات والمؤتمرات.
الحشد الشعبي للقضية الجزائرية
وأقبل الناس يجودون بأموالهم بسخاء منقطع النظير، لرفد حركة الجهاد
الإسلامي في الجزائر، وقامت المظاهرات الكبرى في أنحاء العالم العربي والإسلامي،
كلها تؤيد وتؤازر شعب الجزائر المسلم، في تصديه للطغيان الفرنسي.
وأصبحت لا ترى مسجدًا أو ناديًا أو معهدًا أو مقهى أو مجتمعًا، إلا
وكان الحديث فيه عن الجزائر وجهادها وضرورة الوقوف إلى جانب شعبها المسلم المجاهد.
ولقد فاضت أنهار الصحف والمجلات بالقصائد والمقالات، التي تهيب بالمسلمين جميعًا
لدعم إخوانهم مسلمي الجزائر.
إن هذا الدور الرائد الذي قام به الإبراهيمي والورتلاني وإخوانهما،
ليسجل في صفحات التاريخ المشرقة، كما نرجو من الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين
أعمالهم يوم القيامة.
محطات المحنة والوفاة والعودة
لقد تعرض الورتلاني أثناء جهاده إلى مخاطر عديدة، وكان دمه مهدرًا من
قبل فرنسا، ووقع أكثر من مرة بالأسر ولكن عناية الله حفظته ورعته، وكان للإمام
الشهيد حسن البنَّا دور في الإفراج عنه وعن رفيقه أمين إسماعيل بعد أحداث اليمن
عام 1946م.
واستمر الورتلاني في جهاده إلى أن لقي ربه، وكانت وصيته أن يدفن في
أرض الجزائر، إلا أن الطغمة العلمانية التي قفزت إلى السلطة بعد التحرير، رفضت ذلك
وبقي في الباخرة دون أن تجرؤ دولة عربية على أن يدفن جثمانه في مقابرها.
ثم قبلت تركيا ودفن، وقبل سنوات نقل رفاته حيثما دفن في مسقط رأسه
بالجزائر.
رحمه الله رحمة واسعة وأعاد للجزائر وجهها الإسلامي المشرق والله
الموفق.
انظر أيضا:
الفضيل الورتلاني موحد المعارضين ضد الإمام في اليمن
الفضيل الورتلاني.. جيفارا الإسلام السياسي
المُصلِح الجزائري الفضيل الورتلاني 1906 – 1959م أسهم في تغيير مجرى تاريخ اليمن الحديث