; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (33) ... المفكر العلامة أبو الأعلى المودودي | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (33) ... المفكر العلامة أبو الأعلى المودودي

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

بدأ دعوته عن طريق الفكر، وتعرض للسجن ثلاث مرات، فكان يخرج بعده كأقوى ما يكون الداعية، ولم يضعف عزمه، أو يتوقف نشاطه

تصدى للقاديانية وفضح عمالتها للإنجليز، وكشف كفرها البواح، ولم يفلح الحكم عليه بالإعدام في تراجعه عن رأيه

كانت بداية معرفتي بالمفكر العلامة أبي الأعلى المودودي سنة 1947م، حين زارنا الأستاذ مسعود عالم الندوي مدير دار العروبة للدعوة الإسلامية بباكستان، والذي كان يحمل رسالة تعريف به وبمهمته من أستاذنا الشيخ د. محمد تقي الدين طلالي المغربي، ولقد سعدنا بالأستاذ مسعود، الذي حدثنا كثيرًا عن الجماعة الإسلامية بالقارة الهندية وباكستان، وعن أهدافها، وبرامجها، ووسائلها، وأفكارها، وتنظيماتها. 

وأسهب كثيرًا في الإشادة بمؤسسها السيد العلامة أبي الأعلى المودودي الذي كان ينافح بقلمه ولسانه عن الإسلام والمسلمين، ويتصدى لدعاة العلمانية بالقارة الهندية من أبناء المسلمين، الذين يريدون السير على منهج الطاغية «أتاتورك» الذي ألغى الخلافة الإسلامية، وسار في رحاب جمعية الاتحاد والترقي الماسونية، التي رشحته لرئاسة تركيا العلمانية. 

فكان أبو الأعلى المودودي يطرح الفكر الإسلامي الأصيل المستقى من الكتاب والسُّنة، وما أجمع عليه سلف الأمة، وينبري مفندًا كل المقولات والدعاوى الباطلة التي يرددها ببغاوات الغرب، وتلامذة المستشرقين وعملاء الإنجليز في القارة الهندية وباكستان، كما كان على اطلاع واسع على حضارة الغرب وعوراتها وسوءاتها، فهو كالطبيب النطاسي الذي يشخص المرض، ويصف الدواء، فأمراض المجتمعات الإسلامية علاجها هو الإسلام الحق وليس سواه. 

وقد زودنا الشيخ مسعود الندوي ببعض مؤلفات المودودي التي كان يحملها معه، وكان هذا أول اطلاعنا على فكر المودودي، من خلال تلك الكتب التي وجدنا فيها شبهًا كبيرًا بمؤلفات الإخوان المسلمين، ورسائل الإمام الشهيد حسن البنا، وتم إعادة طبعها بالقاهرة سنة 1995م، وانتشرت في أوساط الإخوان المسلمين بمصر والعالم العربي، كما سمعنا الثناء الحسن عليه من السيد أبي الحسن الندوي حين زارنا بالقاهرة سنة 1951م، وقال: «إن المودودي من مفكري الإسلام الكبار في هذا العصر، كما أثنى على الجماعة الإسلامية التي يرأسها، وأشاد بتلامذته، وإن كان الندوي يرى أن مناهج الجماعة الإسلامية تحتاج إلى أن تولي الجانب التربوي والروحي عناية أكثر من الجانب الفكري والسياسي الذي يطغى على ما سواه من المناهج. 

وقد التقيت المودودي أول مرة حين زارنا بالكويت أوائل الستينيات، حيث أقام له الأخ عبد الله المطوع وليمة كبيرة في منزله، كما شرفني بمنزلي بحضور جمع من إخوان العقيدة المقيمين بالكويت. 

وكانت له أحاديث، ومحاضرات، وندوات، ومسامرات، وأسئلة، واستسفسارات كان فيها الخير والبركة والحمد لله. 

ثم تكررت لقاءاتي به، في زياراتي المتعددة إلى باكستان مرات ومرات في دار الجماعة الإسلامية وفي مكتبه وفي داره، حيث كثيرًا ما يدعونا مع إخواننا القادمين معنا وإخواننا أعضاء الجماعة الإسلامية إلى بيته لتناول الطعام أو الشاي، ويبادلنا الطرائف والملح، التي تدخل البهجة والسرور على زائريه، ثم يتطرق بعد ذلك إلى أوضاع المسلمين، وأسباب ما هم فيه، وسبيل النهوض بهم، ويخوض في المسائل العلمية الدقيقة، ويغوص في أعماقها، ويستخرج الحكم الشرعي الراجح، المعزز بالدليل، والمؤيد بالبرهان، كما أنه يشخص أمراض العالم الإسلامي، ويتصدى للطغاة المستبدين، الجاثمين على صدور شعوبهم، والذين يحكمون الناس بالحديد والنار، ويسلبون خيرات البلاد، ويملؤون بطونهم وجيوبهم بالمال الحرام، ويبيعون الأرض والعرض لأسيادهم المستعمرين بثمن بخس. 

صلابة الموقف

والعلامة المودودي صلب في مواقفه، تصدى للقاديانية ودعاتها وأنصارها من الحاكمين، ولم يتراجع عن موقفه، وأصدر حكمه بكفر مذهبها، واستمر في فضح عمالتها للإنجليز، وارتباطها بالاستعمار، ولم تنفع معه كل السبل لتثنيه عن رأيه، وتلقى الحكم عليه بالإعدام عام 1953م، برباطة جأش وشجاعة منقطعة النظير، وأحدث هذا الحكم ضجة في العالم الإسلامي كله، مما دعا الدكتاتورية العسكرية في باكستان للعدول عن حكمها، والإفراج عنه بعد ذلك، حيث كانت المرافعة التي أعدها وقدمها من أقوى المرافعات القانونية والشرعية، فضلًا عن تدخل كبار علماء المسلمين لنصرته، والمطالبة بالإفراج عنه، وثورة جماهير المسلمين في باكستان والعالم الإسلامي التي ساءها هذا الحكم الظالم الجائر على هذا العالم الجليل والداعية الكبير والمفكر العظيم. 

إن العلامة المودودي علم من أعلام الإسلام المعاصرين، ومفكر من مفكريه، وداعية من دعاته، أتاه الله الحكمة وبُعد النظر، والعمق في الفهم والصبر على العلم، والتأمل في الواقع، والدراسة الميدانية للأفكار الرائجة والأوضاع السائدة، والتتبع لمصادر المعرفة، وتمييزها وتوثيقها، والنقد الموضوعي لحضارة الغرب، بأخذ الصالح منها، وطرح غير النافع، وتقديم الإسلام كحل لمشكلات الحياة في جميع جوانبها، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام الشهيد حسن البنا، وأتبعه بالبرامج العلمية التي تصوغ الأخ المسلم وفق منهج الإسلام الحق. 

ولقد حدثني -رحمه الله- في إحدى زياراتي له في بيته وبرفقتي الأخ خليل أحمد الحامدي وذلك بعد إعدام الشهيد سيد قطب –رحمه الله- بفترة غير طويلة، فقال: «إن ما ورد في كتاب معالم في الطريق هو نفس ما أراه، بل كأنني الذي كتبته فقد عبر عن أفكاري بدقة»، وكنت ألحظ الإكبار والتقدير له من إخوانه وتلامذته الذين يحبونه من أعماق قلوبهم لبعد نظره، ومحبته لهم، وتواضعه معهم، واهتمامه بشؤونهم، والسماع لوجهات نظرهم ومناقشتهم بموضوعية والنزول على رأي الشورى فيما تراه، بعد استيفاء الموضوع حقه، من البحث والحوار والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن، بحيث يخرج أعضاء الشورى وهم على رأي واحد وموقف موحد وقناعة كاملة.

وحين استقرت الجماعة، ووضحت أهدافها، وبرز الكثير من أفرادها كقادة ومفكرين حنكتهم التجارب، وصقلتهم المحن، واطمأن المودودي على سلامة سير الجماعة، طلب من إخوانه إعفاءه من المسؤولية ليتولاها الشيخ ميان محمد طفيل، وتفرغ المودودي للبحث والعلم، والتوجيه والمشورة، وظل كذلك حتى لقي الله عز وجل. 

ولقد ذهبت إلى باكستان لتشييع الجنازة وكان الأستاذ سيف الإسلام حسن البنا من مصر، وعبد العزيز العلي المطوع من الكويت، وجمع غفير من أنحاء العالم

الإسلامي، فكانت جنازة مهيبة وحشدًا هائلًا وموكبًا عظيمًا، يدل على مكانة الرجل، وتقدير الناس له، والوفاء لجهده وجهاده، في سبيل الإسلام وتبليغ رسالته، والدفاع عن قضايا المسلمين، والتصدي لأعداء الإسلام، من الصهيونيين والصليبيين والشيوعيين والعلمانيين والمنحرفين والهدامين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين. 

أذكر أن الإخوان المسلمين حين أقاموا معسكرات التدريب، وقواعد الجهاد، في الأرض سنة 1968م- طلبوا إعداد وإعادة طباعة بعض الكتب المختصرة المتعلقة بالجهاد، لتكون في أيدي مجاهدي الإخوان كزاد ثقافي، يعرفون منه حكم الجهاد، وفرضيته وأحكامه التفصيلية، فوقع الاختيار على بعض الإخوان ليقوموا بهذه المهمة، وكنت مع الأخوين الطحان وأبي غدة، أعضاء اللجنة المكلفة بذلك فوفقنا الله لإعداد كُتيب باسم «نداء الجهاد»، ثم أتبعناه بكتاب آخر جمعنا فيه ما كتبه الإمام حسن البنا والإمام المودودي والشهيد سيد قطب؛ لأن المؤلفين الثلاثة ينهلون من مورد واحد، ويسعون لتحقيق هدف واحد، هو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإقامة شرع الله في أرض الله. 

إخوانه وتلامذته

ولعل من المناسب أن أذكر بعض من عرفتهم عن صلة وقرب من إخوان المودودي وتلامذه وأخص بالذكر: غلام محمد -رحمه الله- الذي أنشأ المؤسسة الإسلامية في «نيروبي» بكينيا، وميان طفيل الذي تولى إمارة الجماعة الإسلامية بعد تنازل المودودي، وغلام أعظم أمير الجماعة الإسلامية السابق في بنغلاديش، وقاضي حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية الحالي، ود. خورشيد أحمد الذي أنشأ المؤسسة الإسلامية في «ليستر» ببريطانيا، ومسعود عالم الندوي، ومحمد عاصم الحداد، وخليل أحمد الحامدي- وقد تولى الإخوان الثلاثة مسؤولية دار العروبة، وغيرهم من كرام أعضاء الجماعة الإسلامية بباكستان، الذين لقينا منهم كل تعاون لخدمة الإسلام والمسلمين في كل مكان. 

وأشهد الله أن هذه الكوكبة المؤمنة من إخوان المودودي وتلامذته وجدناهم نماذج صادقة، للدعاة العاملين، والمجاهدين المخلصين، وكانوا معنا كالإخوان المسلمين الذين رباهم الأستاذ الإمام الشهيد حسن البنا، صدقًا ووفاءً، ومحبة وأخوة، وكرمًا وإيثارًا، بحيث نشعر وكأننا بين أهلينا وإخواننا، يقول الداعية الكبير أبو الحسن الندوي عن المودودي وتأثيره في الجيل المسلم: «إنني لا أعرف رجلًا أثر في الجيل الإسلامي الجديد، فكريًا وعلميًا مثل تأثير المودودي، فقد قامت دعوته على أسس علمية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية وردود فعل للاستعمار الأجنبي، وكانت كتاباته، وبحوثه موجهة إلى معرفة طبيعة هذه الحضارة الغربية، وفلسفتها في الحياة وتحليلها تحليلًا علميًا، قلما يوجد له نظير في الزمن القريب، وقد عرض الإسلام ونظم حياته، وأوضاع حضارته وحكمه وصياغته للمجتمع والحياة وقيادته للركب البشري والمسيرة الإنسانية، في أسلوب علمي رصين، وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف، وتملأ الفراغ الذي يوجد في الأدب الإسلامي من زمن طويل» انتهى. 

لقد بدأ المودودي دعوته عن طريق الفكر، حيث كان يكتب في الصحف الهندية ثم أصدر صحفًا هي: «تاج»، و«مسلم»، و«الجمعة» وكان له قراؤه العديدون الذين تأثروا بهذا الفكر الإسلامي الجديد، وكان فكرًا ثائرًا، وحين أصدر مجلته «ترجمان القرآن» ذات البحوث العلمية الدقيقة التي تتحدث بلغة العصر، وتعرض الإسلام بثوب جديد؛ استقطبت معظم المثقفين في الهند. 

وفي عام 1941م أصدر نداء للمتأثرين بكتاباته قال فيه: «لا بد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع صلتها بكل شيء سوى الله، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة وتلفيق الاتهامات وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والعطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار، وتقدم كل ما تملك قربانًا في سبيل إقامة مجتمع الإسلام ونظامه» فاستجاب المخلصون من المثقفين لهذا النداء، وتأسست الجماعة الإسلامية وطُرح دستورها للناس. 

     ولقد تعرض المودودي للسجن ثلاث مرات، كان يخرج بعد كل منها كأقوى ما يكون الداعية، قوة وصلابة وعمًا وثباتًا، وعملًا وإصرارًا، كما حُكم عليه بالإعدام من الطغمة العسكرية، فلم يضعف عزمه، ولم تلن قناته، ولا توقف نشاطه، بل ظل يسير بالجماعة على منهج الإسلام ووفق تعاليمه بكل ثقة واطمئنان. 

وقد بارك الله في جهود المودودي وجهاده، ووفق الله إخوانه وتلامذته، للتحرك بالدعوة الإسلامية، ونشر الفكر الإسلامي في كل مكان، حيث قاموا بحركة ترجمة ونشر وتوزيع واسعة، لكل مؤلفات المودودي في البلاد العربية والإسلامية والدول الأوروبية والولايات المتحدة وبلدان جنوب شرق آسيا وإفريقيا بكل اللغات. 

والمودودي رجل يحب السلم، ويرفض العنف، يقول أحد تلامذته وهو الأستاذ غلام أعظم: «الحكومات السابقة كانت لا تجد اتهامًا حقيقيًا فتلجأ إلى الاختلاق، كي تنال من الجماعة الإسلامية عن طريق تشويه السمعة، فمولانا المودودي يعارض بشدة استخدام السلاح في الدعوة، وقد طلب منه الجيل الجديد عدة مرات السماح له بالدفاع عن النفس باستعمال القوة ضد العناصر المعارضة، التي تستعمل القوة في مواجهة الجماعة الإسلامية، ولكنه أبى عليهم ذلك؛ لأن الإسلام إذا لم يكن حاكمًا فاستعمال أبنائه السلاح يُعد بمثابة انتحار، ويسوق دليلًا على ذلك بعدم سماح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه -في العهد المكي- باستعمال القوة ضد هؤلاء الذين كانوا يعذبونهم ويضطهدونهم، ولم يسمح لهم بذلك إلا بعد انتقالهم إلى المدينة المنورة وتكوين الدولة الإسلامية». 

عالم متبحر

إن أستاذنا العلامة السيد أبي الأعلى المودودي عالم متبحر في العلوم، وله في كل ميدان صولات وجولات، فقد تناول في محاضراته وخطبه وكتبه ومقالاته، سائر جوانب الإسلام، ولم يدع موضوعًا، إلا طرقه ولا قضية إلا وبين الحكم فيها وعالجها، وفق التصور الإسلامي؛ حيث شرح نظرية الإسلام السياسية، ونظرية الإسلام الخلقية، ونظرية الإسلام الاقتصادية، ومنهاج الانقلاب الإسلامي، وموقف الدين من الجاهلية، وتحديد النسل، والربا والحجاب، ودور الشباب المسلم وواجبه، والأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية، والمصطلحات في القرآن الكريم، وكان خاتمة جهوده العلمية المباركة تفسيره للقرآن الكريم الذي أسماه «ترجمان القرآن» وقد تولى أتباعه ترجمة كتبه إلى مختلف اللغات العالمية. 

يقول الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه القيم «النهضة الإسلامية في سير أعلامها»: «إن موقف الإمام المودودي من الماركسية، أشهر من أن يُشار إليه، فقد كتب عنها ما صار سلاحًا باترًا لدى كل كاتب إسلامي؛ لأن علم المودودي الموسوعي، وعقله المبلور، وفكره المستنبط، ونظره العميق إلى شتى حركات الانقلاب في الكتلة الشرقية، مما جعله يضع النقاط على الحروف، والحق أن مفكرًا كبيرًا من طراز المودودي يجب ألا تخلو مكتبة في بيت مسلم من مؤلفاته؛ إذ يعطي المسلم ما لا يجده عند سواه، وكأنه في عطائه الفسيح الزاخر مؤيد بروح الله» انتهى. 

    رحم الله الأستاذ العلامة أبا الأعلى المودودي، وبارك في آثاره التي خلفها، وتلامذته الذين رباهم، ونفع الله المسلمين بعلمه، ورزقنا الله وإياه الفوز بالجنة، مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. 

الرابط المختصر :