العنوان من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة: العلامة الشيخ حسن أيوب
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009
مشاهدات 93
نشر في العدد 1848
نشر في الصفحة 38
السبت 18-أبريل-2009
الشيخ حسن أيوب من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، وقد لاقى في سبيل الدعوة إلى الله العنت الشديد، وبذل نفسه وعمره في خدمتها. ولد بمحافظة المنوفية بجمهورية مصر العربية، وهو من علماء الأزهر الشريف، تخرج في كلية أصول الدين، سنة 1949م، وعمل في مصر - بعد تخرجه - مدرساً بوزارة التربية والتعليم، ثم موجهاً بوزارة الأوقاف، ثم مديراً للمكتب الفني فيها. اعتقل نحواً من عشرين سنة، لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، بأمر من الرئيس جمال عبدالناصر، وبعد الإفراج عنه انتقل للعمل بدولة الكويت واعظاً ثم خبيراً، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد أفاد خلال هذه الفترة بجهوده الدعوية الواسعة، التي شملت الخطب والدروس والمواعظ العامة، وله أكثر من ألف شريط صوتي (كاسيت)، كما ساهمت كتاباته في إثراء المكتبة الإسلامية. وأثمرت حركته الدؤوبة عن عشرات الدعاة الذين هداهم الله على يديه وبجهوده، في مرحلة طغى فيها المد التغريبي، وعلت بعض أصوات الإلحاد والانتقاص من كرامة الدين والمتدينين، ولقد شرح الله صدر العشرات على يد الشيخ حسن أيوب، ومازال الكثير منهم حاضراً بعطائه ونتاجه.
تنقـل الشيخ حسن أيوب من مسجد إلى آخر، فكان الناس يرحلون وراءه في كل مرة، حتى استقر به الحال بمسجد العثمان في «حولي» مدة طويلة، فداوم الناس على حضور دروسه بالمسجد، وأصبح له جمهور كبير من المحبين. وأنشأ الشيخ حسن أيوب مشروعات دعوية وخيرية كان على رأسها «لجنة زكاة العثمان»، التي نالت شهرة واسعة على مستوى العالم العربي، وأسهمت في مساعدة وكفالة عدد كبير من الفقراء والمحتاجين.
ثم انتقل للعمل في المملكة العربية السعودية، فعُيِّن أستاذاً للثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز، ثم أستاذاً بـ «معهد إعداد الدعاة» بمكة المكرمة، فتقاطر عليه الشباب، وتعاظمت الصحوة الإسلامية في ربوع المملكة بخطاب أصيل، وعلم غزير، وتجربة غنية، وبديهة حاضرة، ساهمت في إذكاء جذوة العمل الإسلامي مع إخوانه من علماء المملكة ودعاتها. قالوا عنه يقول عنه تلميذه الشيخ أحمد القطان: إن مصاب الأمة الإسلامية في وفاة شيخي الحبيب فضيلة الشيخ محمد حسن أيوب - يرحمه الله - مصاب جلل، بموته ينزع العلم.. ولا يخفف هذا المصاب العظيم إلا المصاب الأعظم الذي يقوله عنه النبي (صلى الله عليه وسلم): «من أراد أن تهون عليه مصيبته فليتذكر مصيبته فيّ؛ فإنها أعظم المصائب»، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم)، وكما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} (الأنبياء).
جاء فضيلة الشيخ حسن أيوب إلى الكويت في أواخر الستينيات أيام انتشار العفن الفني، والخنافس، والميني جيب، والربا، والانفتاح على الغرب، فكان قدومه كالماء من السماء، أحيا الله به قلوباً ميتة، كنت أنا منهم، فاستمعت إلى محاضرة له في مسجد العثمان في منطقة «النقرة» و«حولي»، وكانت عن عذاب القبر، فأحيا الله به قلبي، فكنت كما يقول سبحانه: { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} (الأنعام)، فحملت نور الدعوة المعتدل الوسطيّ على بصيرة أنا ومن اتبعني، فصرت «حسنة» من حسنات «حسن» عام 1970م.
ويقول عنه د. عبدالله العتيقي - أمين سر جمعية الإصلاح الاجتماعي-: لقد قدَّم الشيخ حسن أيوب - يرحمه الله - خدمة جليلة لوطني الكويت، وأشهد له أمام الله تعالى بما قام به من أعمال دعوية، أفادت المجتمع الإسلامي عموماً، والكويت خاصة، فقد كان رجلاً لا يكلّ ولا يملّ من الدعوة إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، واستفادت منه الصحوة الإسلامية في بدايات نهوضها في السبعينيات، والثمانينيات، فقد كان الناس في الكويت يتوافدون إلى مسجده الذي يلقي فيه الدروس مساء كل خميس في مسجد «الشيخة بدرية» في منطقة السالمية زرافات ووحداناً، الذي بدأ فيه سلسلة العقيدة الإسلامية حتى أنهاها، وأصدرها بكتابه المشهور «تبسيط العقائد الإسلامية»، ثم سلسلة «السلوك الاجتماعي في الإسلام» في مسجد «العثمان» في «حولي»، وقد أصدر ذلك في كتاب يحمل العنوان نفسه، ثم سلسلة «الأسرة المسلمة»، وأصدرها في ألبومات من الأشرطة، ثم سلسلة «الجهاد»، وقد أصدر ذلك في كتاب، وقد كان محبوباً من أهل الكويت عموماً والناس الذين تجاوبوا معه خصوصاً، وقد أنشأ «لجنة للزكاة في مسجد العثمان»، وما زالت موجودة حتى اليوم، يديرها إخوانه وتلاميذه، وكم أنقذت من محتاج ويتيم ومسكين وزوجت من عزب! وكان الشيخ يتمتع بأسلوب خطابي علمي مؤثر يتدفق حماسة وتقوى يصل إلى القلب مباشرة، إنه من شيوخ الأزهر القلائل الذين عاشوا هموم أمتهم حتى لقاء ربهم، قدوة وعملاً ونشاطاً وتأليفاً وكتابة وإخلاصاً وعفة.
كنت أحضر محاضراته مع أهلي وأبنائي، وأحث إخواني على حضورها، وله الفضل علينا وعلى جميع من سمعه بما علمناه من علمه، فجزاه الله عنّا وعن الشعب الكويتي خير الجزاء.
وقال عنه الدكتور جابر قميحة: كان بحق عملاقاً شكلاً وموضوعاً، فائقاً في علمه، وفكره، وعقيدته، وأدائه، كنت أحضر له.. بل أحضره في دروسه بمسجد العثمان في الكويت، وكنت أسمع كلاماً جديداً، يؤدَّى بحنجرة قوية تأخذ بمجامع القلوب، وتشد الأنظار، وكان حريصاً على أن يكون لكلامه وتوجيهاته تأثيرها العملي والسلوكي في نفوس السامعين، وخصوصاً الشباب.
وقف مرة في المسجد، وقال: إن تحقيق المحبة والتعاون بين المسلمين واجب ملزم، لذلك آمل أن يأخذ كل خمسة منكم بأيدي بعضهم، ويتعارفوا، ليكونوا جماعة صغيرة، يجتمعون كل أسبوع على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وسيرة السلف الصالح، بحفظ جزء من كل أولئك أسبوعياً ومذاكرته. وبذلك نجح الشيخ دعوياً في تكوين نظام «الأسرة» دون أن يتهمه أحد بأنه يروج للمبادئ الإخوانية.
وكان واسع الأفق، يطرح فكره بأسلوب سهل واضح، جلسنا معه ذات يوم وتحدثنا عن الظلم والظالمين والدكتاتورية التي تحكم بلادنا فابتسم، وقال: لا تبحثوا عن الظالم، ولكن ابحثوا عن شخصية المظلوم، فقد حسم القرآن هذه القضية في كلمات قلائل، إذ جعل جريمة المظلوم الراضخ كجريمة الظالم الدكتاتور، وذلك في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)} (النساء).
وقال عنه السيد حمود الرومي - رئيس مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة «المجتمع»-: حينما أتى الشيخ حسن أيوب - رحمه الله - إلى الكويت، تزامن ذلك مع حضور الشيخ «حسن طنون» من السودان، وكان المد الليبرالي والقومي منتشراً في ذلك الوقت! مما أثر على المجتمع بظهور بعض التصرفات المخالفة للشرع من الشباب والفتيات. وبعد أن حضر الشيخان الجليلان «حسن أيوب، وحسن طنون» إلى البلاد عملا بالوعظ والدعوة إلى الله بما يتمتعان به من قدرة على التأثير في المدعوين والبلاغة في القول، بالإضافة إلى سلوكهما الملتزم الذي توافق مع ما يدعوان إليه، مما عمل على جذب الشباب إليهما، وقد تتلمذ عليهما علماء كثيرون. وكان مهيباً يعتز بدينه وبنفسه، بعد خطبة نارية في مسجد العثمان، استدعاه وزير الأوقاف - كما أخبرني الشيخ الجليل - وطلب منه أن يعرض عليه خطبة الجمعة مكتوبة قبل إلقائها، وهو دائماً كان يلقي خطبه ارتجالاً، فرفض في إباء وشمم، وقال له: والله ما فعلتها طالباً، أفأفعلها بعد تخرجي في الأزهر؟!
وقال عنه وصفي عاشور أبو زيد: كان الشيخ حسن أيوب يرى تفسير الشهيد سيد قطب للقرآن فينبهر ويتأثر، فيلح على الله تعالى باكياً ضارعاً ويقول: «اللهم فهِّمني القرآن كما فهمته هذا الرجل».
ويقول أحد تلامذته عدنان القطان: هو موسوعة علمية ضمت الكثير من العلوم والمعارف، واستفاد منه الكثير من الناس في الخليج، وخصوصاً في الكويت، حيث قضى فيها قرابة عشرين سنة، يدرس ويعلم ويوعي في جامع العثمان، وتخرج على يديه العديد من العلماء المشهورين.
معرفتي به:
عرفته منذ وصوله إلى الكويت، حيث كان من وعّاظ وزارة الأوقاف بالكويت، وكانت لقاءاتي به في الوزارة وفي بيتي وبيته، وبيوت بعض الإخوان متصلة، وقد حدثني الكثير من إخواننا المصريين الذين زاملوه في السجون بأنه كان نعم الأخ الصابر على البلاء دون شكوى، بل كان من الثابتين الذين لم يتزحزحوا قيد أنملة عن مواقفهم الصلبة في رفض التأييد للطاغية عبدالناصر وقد عرض أزلامه وزبانيته على السجناء من الإخوان إرسال برقيات تأييد له وتنصل عن الجماعة كي يفرج عنهم، وانخدع بمقولته بعض الضعفاء ممن لم يتحملوا طول المحنة وقساوة التعذيب، وبقيت الأكثرية على ثباتها على منهج الدعوة وتحمل الأذى في سبيل الله والصبر على الامتحان وكان منهم الأخ الشيخ حسن أيوب.
ولقد كان له فقه في الدعوة وأساليبها مما كسب فيه قلوب الجماهير في الكويت من الشباب والنساء والرجال الذين كانوا يقبلون على دروسه ومحاضراته بشوق، ويتعلمون منه ويتربون على يديه، حتى تخرجت أجيال من الدعاة ساروا مسيرته، وكانوا نماذج صادقة عن الإسلام، سواء من الكويتيين أو المقيمين بالكويت.
وأصبح هؤلاء الذين تربوا على يديه أساتذة تربى على أيديهم الكثير من الشباب وتأثروا بخطبهم ومواعظهم. وكان الشيخ حسن أيوب رجلاً عملياً يتحرك بالدعوة في كل الأوساط وبين كل شرائح المجتمع، فيزور المريض، ويساعد الفقير، ويشفع لذوي الحاجات، ويستجيب للدعوات التي يدعوه إليها الشباب في تجمعاتهم في البيوت أو الديوانيات أو المخيمات، فضلاً عن المحاضرات والندوات التي يقوم بها على مدار العام وفي مختلف مناطق الكويت.
ولقد كان عزيز النفس لا يرضى أن يجامل أي مسؤول على حساب الدعوة وكرامة الإسلام وعزة النفس، مما جعل الهيبة له في قلوب الكثير من كبار المسؤولين، لما عرفوه عنه من صدق في القول، وفقه في الدين، وأدب في المعاملة، وبعد عن كل ما يتكالب عليه الناس من المطامح الدنيوية والمكاسب المادية.
وكان التزامه بحركة الإخوان المسلمين واضحاً في كل مواقفه، ولكنه يؤثر العمل الصامت، ولا يحب الحديث عما يقوم به من جهد لرفد الحركة ودعمها بكل أنواع الدعم. وكان له دور رائد في تشكيل لجان الزكاة بالكويت، وفي معظم المناطق فهو صاحب الفكرة التي بدأها في مسجد «العثمان» ثم تتابعت اللجان في مناطق الكويت المختلفة والحمد لله.
وحين ترك الكويت وذهب إلى السعودية سعدت به في «مكة المكرمة» حيث كان يُدرِّس في «معهد الأئمة» التابع لرابطة العالم الإسلامي، والذي يتبع الأمانة العامة للمساجد التي كنت على رأسها، ووجدته كعهدي به - رغم كبر سنه - على نشاطه وحيويته والتزامه بدعوته، وحين غادر المملكة كنت أواصل السؤال عنه بمصر وأسمع ما يسرني من استمراره على العطاء - رغم شيخوخته - واستفادة الناس منه والتتلمذ على يديه، والانتفاع بعلمه، والتزود من توجيهاته لم يتأخر عن دوره في الدعوة إلى آخر أيام حياته.
وفاته:
توفي يوم الأربعاء 16 من يوليو 2008م عن عمر يناهز 90 عاماً، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.