العنوان من الجنوب اللبناني.. ترنو الأبصار نحو فلسطين المحتلة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001
مشاهدات 80
نشر في العدد 1468
نشر في الصفحة 34
السبت 15-سبتمبر-2001
مشاعر فياضة تجتاح المرء حين يزور مواقع هرب منها العدو الصهيوني تحت وطأة هجمات مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان. لم أجد تعبيرًا عن مشاعري تلك حين دعيت إلى الحديث في حفل غداء أقامه مضيفونا قرب تبنين بالجنوب إلا الآية الكريمة في وصف غزوة بني النضير : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2) وتطبيقًا للأمر الإلهي في عجز الآية السابقة بالاعتبار، والذي استنبط منه علماؤنا الدليل على شرعية القياس كمصدر من مصادر التشريع في الإسلام نقف هذه الوقفات.
لقد تصور الصهاينة أنهم لن يخرجوا من لبنان ولذلك شيدوا مواقع منيعة لا يقدر المرء على تخيلها إلا إذا رآها كميات ضخمة من الخرسانة المسلحة، ومواقع حصينة تحت الأرض لا تستطيع القذائف العادية أن تؤثر فيها، لذا استخدم اليهود الطائرات في قصفها لتدميرها عند هروبهم منها.
كان اجتياح لبنان على مرتين الأولى عام ۱۹۷۸ م والثانية في ۱۹۸۲ م وكانت استراتيجية اليهود والغرب أن لبنان قلعة متقدمة من بقايا الإمارات الصليبية التي أقامها الفرنجة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، لذلك تعامل العرب والمسلمون مع لبنان بحساسية وكان له وضع خاص أثناء الحكم العثماني تحت الخلافة الإسلامية، ووصل الأمر باليهود أن نجحوا في تثبيت رئيس الجمهورية بعد أن أشعلوا حربًا أهلية عام ١٩٧٥م ووقعوا معه اتفاق ۱۷ مايو للسلام وكانت النتيجة هي اغتياله، ووصل اليهود في النهاية إلى ضرورة الاستقرار في الجنوب في شريط محتل بحجة حفظ أمن شمال فلسطين المحتلة، وظن اليهود أن بقاءهم دائم في الجنوب، لذلك وظفوا جيشًا كاملًا من العملاء لمعاونتهم.
وظن العرب واللبنانيون أن اليهود لن يخرجوا، أو على الأقل أن الجنوب اللبناني سيكون آخر الأراضي المحررة حتى بعد حسم القضية الفلسطينية، «ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله».
وكانت هشاشة الوضع اللبناني وراء ذلك الاعتقاد:
- فهو بلد يعيش في طائفية مقننة دستوريًا «17 طائفة».
- وهو بلد التوازنات الدقيقة.
- والحركة الإسلامية فيه ضعيفة.
- وهو مخترق مخابراتيًا وساحة مفتوحة لكل القوى الدولية، كان مقرًا للمخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط ومثلها المخابرات الفرنسية.
فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا
كان تركيز اليهود على الجبهات المصرية والسورية والأردنية واكتفوا في الجبهة اللبنانية باصطناع عملاء لهم «الجيش الجنوبي» وتهديد سورية، فإذا بالآية تتحقق ويأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا وتكون خسائر اليهود في جنوب لبنان من جراء هجمات حزب الله الذي نبت في بيئة غير مواتية وجاء على قدر ليلقن اليهود درسًا بليغًا ووصلت تلك الخسائر قرابة خسائرهم في حرب كاملة مما دفع أمهات الجنود القتلى لتشكيل منظمة للضغط على الساسة والعسكريين لسحب القوات من جنوب لبنان.
وقذف في قلوبهم الرعب
نعم هذا هو المشهد المعبر عن انسحاب الصهاينة من الجنوب.
لقد نجحت عمليات حزب الله في بث الرعب في قلوب اليهود.
فقد كانوا يعتبرون الجنوب كلا مباحًا لهم. فصاروا يتحصنون في مواقع محصنة لا يغادرونها إلا في عربات مدرعة، وأصبحوا يتمترسون بالعملاء لتنفجر فيهم العبوات وحصنوا المواقع بأسلاك شائكة وألغام أرضية وكميات من الخرسانة هائلة واختاروا لها المواقع العالية لتكشف ما حولها، ولا يسيرون إلا في قوافل تحت الحماية.
وهكذا عندما جاءت لحظة الهروب والقرار صدق فيهم قول الحق تعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحشر: 2)
فهذا هو المشهد الذي تراه الآن عندما تزور الجنوب المحرر، ترى المواقع وقد حطمها اليهود بالقذائف قبيل مغادرتهم، دكوها دكًا ودمروا تدميرًا، وخربوها تخريبًا، وذلك بعد أن نجحت هجمات حزب الله التي انتقلت من تكتيك إلى تكتيك حتى وصلت إلى اقتحام المواقع عليهم وتثبيت الأعلام لترفرف فوقها وحطموا عشرات الآليات والعربات المجنزرة قبيل الانسحاب المهين في ٢٥ مايو عام ٢٠٠٠م.
وما زالت مشاهد التدمير قائمة يراها كل من يزور الجنوب المحرر.
فاعتبروا يا أولي الأبصار
هذا هو المقصد من الآية الكريمة، ومن الحدث الذي وقع قديمًا، وتكرر حديثًا: المهم هو العبرة والاتعاظ
وعبرة اليوم هي أن الجهاد هو السبيل التحرير الأراضي المغتصبة واسترداد المقدسات السليبة.
وأن عقيدة الشهادة في سبيل الله تحقق لنا النصر في الدنيا والفوز في الآخرة وترفع ها متنا بين الأمم والشعوب
وأظن أن طليعة مقاتلة مؤمنة ضرورية لتكون في المقدمة كشهداء وأن جبهة داخلية تلتف حول شعار المقاومة والجهاد تخلف الغزاة في سبيل الله بخير مهمة لكيلا تأتي الطعون من الخلف لذلك فالعمل لبناء القاعدة الصلبة الطليعة لا يجوز أن يمنعنا من العمل لبناء الجبهة الداخلية المتكاتفة.
وتحديد العدو الذي لا خلاف عليه كفيل بحسم أي جدل أو اختلاف في وجهات النظر فلا تتشتت الجهود.
وحسن الاستعداد يقتضي الأخذ بالأسباب والتدريب المستمر والاستعانة بالأصدقاء والأشقاء
ووجود غطاء محلي وإقليمي ضمان لعدم الغدر بالمجاهدين وحافز لتوجيه كل جهدهم وجهادهم نحو العدو.
والنصر يمكن تحقيقه وله تكاليفه وتضحياته، وما بعد النصر قد يكون أصعب من تحقيق الانتصار.
فالجنوب اللبناني يواجه مشكلات ما بعد الاحتلال الإنماء والتعمير، فهو يشكو الآن عدم الاهتمام الحكومي، ويطالب أهله بإعادة الاعتبار إليه ووضع الخطط الكفيلة بتحقيق التنمية ورصد الأموال اللازمة لتنفيذ الخطط في الوقت الذي يشكو لبنان كله من أزمة اقتصادية طاحنة والأسرى المحررون من معتقل الخيام اعتصموا في بيروت للضغط على الحكومة لتعويضهم كي يستطيعوا بدء حياة جديدة.
ولقد ذكرني معتقل الخيام بالمعتقلات التي عشنا فيها حينًا من الدهر فالتصميم واحد، وأساليب التعذيب البشعة واحدة، وكأنهم يتبادلون الخبرات عندما يكون الخطر الداهم هو الإسلام والإسلاميون والمقاومة للعدو أو المعارضة للنظم.
وكانت قصص التعذيب التي تعرضت لها الأخوات بشعة اقشعرت لها الأبدان، إلا أن بريق العيون عكس التصميم على دحر العدو الصهيوني حتى يتحقق النصر.
رأينا الزنازين الانفرادية التي كان يحتجز بها الخطرون مما يدفعنا إلى التفكير دون كلل في كيفية رفع المعاناة عن المجاهدين في كل مكان.
أما مقاتلو حزب الله فقد قال السيد حسن نصر الله عندما التقيته إنهم لن يكونوا عبئًا على أحد بعد أن تخففوا من عب القتال وأصبح واجبهم الرئيس يتركز في تحرير مزارع شبعا لاستكمال تحرير الجنوب.
لقد استفاد الشعب الفلسطيني من عبرة الانتصار في الجنوب اللبناني فعندما جاءت الشرارة بزيارة السفاح شارون للحرم القدسي الشريف وتدنيسه للمسجد الأقصى اندلعت انتفاضة الأقصى التي وضعت لها هدف تحرير الضفة والقطاع، وحرمت الاقتتال الأهلي الفلسطيني، وها هي مستمرة وهي في حاجة إلى الدعم الكامل من كل الشعوب، والأفراد، والنظم، والحكومات.
ومما يشكل حافزًا لكل من يزور الجنوب اللبناني نحو تحقيق النصر الكامل على العدو الصهيوني لافتات تراها في أكثر من مكان تذكرك بالقدس أولى القبلتين مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث إنها لا تبعد أكثر من ۱۸۰ كيلو متر فقط عن الجنوب.
وعند موقع العباد الذي اقتسمه اللبنانيون والصهاينة مناصفة يختبئ الجنود اليهود الذين لا يفصلهم عنا سوى السلك الشائك ولا يجرؤون على النظر في أعيننا.
ولا أستطيع أن أصف شدة الحسرة عندما كنا نسير بمحاذاة الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة للحدود اللبنانية فنرى المستوطنات الصهيونية التي احتلت مواقع قرى لبنانية أو فلسطينية حيث هناك ٧ قرى يصر حزب الله على أنها لبنانية لكن الحكومة اللبنانية تتغافل عنها ومنها قرية هورين التي احتلتها مستوطنة كريات شمونة، والتي طالما أمطرها حزب الله بقذائف الكاتيوشا.
وتزداد حسرتك عندما تقارن الشمال الفلسطيني المحتل الذي ينميه الصهاينة بالجنوب اللبناني الذي يشكو الفقر والحاجة. نعم إن لبنان يواجه مشكلات كثيرة:
- مشكلات الساسة وخلافاتهم الطائفية.
- الوجود السوري والجدل حوله مما دفع القوات السورية لإعادة الانتشار.
- أزمة اقتصادية طاحنة.
- أزمة الحشيشة التي يزرعها الفلاحون في البقاع.
- مشكلات الخصخصة.
- مشكلات الأسرى المحررين.
- مشكلات مع قوات الطوارئ الدولي بسبب انحيازها للعدو
- مشكلات يأخذ بعضها بخناق بعض إلا أنها لا تمنع الزائر من الإعجاب بهذا البلد الصغير الذي استطاع -وفق معادلة عجيبة- أن يحقق ما لم تستطع دول كبرى تحقيقه ألا وهو النصر على العدو الصهيوني دون توقيع معاهدات مخزية تكبله بقيود.