; من الحياة قواعد التغير | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة قواعد التغير

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 86

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 56

السبت 14-يوليو-2007

تحدثنا في العدد الماضي عن التغيير وأثره في ترقي الأفراد ورقي الأمم، ورأينا كيف غدا التغيير علما يدرس في جامعات العالم، له أسس وفنياته وآلياته، وفي هذا المقال تتناول أسس التغيير.

أسس التغيير:

إن لكل مجال أسسه ومبادئه وقواعده التي إذا ما استند إليها نجح القائمون على التخطيط له وتنفيذه، وللتغيير قواعد وأسس يمكن إيجازها فيما يلي:

أولًا: حسن الاستعداد للتغيير:

من حكمة الشارع أنه علمنا التهيئة لكل شيء وحسن الاستعداد له، حتى في العبادات وكذلك أمور الحياة فنستعد للصلاة بالوضوء، وللصيام بالسحور وللزكاة بالنية وللحج بالإحرام والتلبية.. وهكذا. وفي أمور الدنيا حتى عندما يجامع الرجل زوجته: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾  (البقرة:٢٢٣).

ونستعد عندما نحتفل بأفراحنا، ومن ثم فالاستعداد للتغيير أوجب، وينبغي أن يبذل فيه جهد يناسب أهميته فالساعة التي تنفق في التخطيط للتغيير توفر ساعات كثيرة عند التنفيذ، وتضمن نجاح التغيير بإذن الله تعالى.

ثانيًا: تحديد الأهداف:

فمن عزم على التغيير يجب أن يحدد أهدافه بدقة ووضوح، ومثله كمثل من يسير بسفينته في عرض البحر ومعه البوصلة التي يهتدي بها. فهل يتصور لمن يسير في طريق طويل أن يبلغ مرماه دون أن تكون معه بوصلة؟! وهل يتصور أن يستوي صائد رام حدد فريسته بدقة ثم صوب سهمه إليها بدقة، مع رام في «فرح العمدة»؟!!

إن تحديد الأهداف بدقة يعين من يقوم على تنفيذ التغيير على اختيار أنسب وسائل التغيير، كما ييسر عليه تقويم التغيير.

ثالثًا: تحديد مشروعات التغيير وآليات تنفيذه:

فبقدر أهمية التخطيط تكون أهمية التنفيذ فكثير من الناس يضعون خططا عظيمة تضيع ثمارها بسبب سوء التنفيذ.

رابعًا: الاحتكاك بالمتميزين والاستعانة بأهل الخبرة:

فإذا أردت النجاح والتميز فألق بنفسك في أحضان زمرة الناجحين المتميزين، وإذا أردت الصلاح والطاعة فاقذف بنفسك في صحبة الصالحين الطائعين، أما إذا أردت الخمول والموت فابحث عن الكسالى والأموات وهكذا حال الإنسان الذي يحيط نفسه بضعاف لا يخالفونه وهم لا يقدمون له شيئًا إلا الغرور الفارغ، لأنهم - والعياذ بالله - يسبحون بحمده ويخشون عقابه!!!

خامسًا: بادر بالتغيير ولا تنتظر تغير الظروف:

وهذه القاعدة تجسدها الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:۱۱).

سادسًا: القاعدة الذهبية: المتمثلة في قول الرسول ﷺ: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه» (رواه الدارقطني).

  وفي هذا المعنى يروى أن أحد رواة الحديث حرص على لقاء الشيوخ طلبا للعلم، لكنه لم يحفظ ولم يفهم، وحاول ذلك أياما دون تقدم فبينما هو يسير مرة، رأى ماء يتقاطر على صخرة، وقد أثر فيها، وحفر فيها حفرة، فوقف الرجل متأملًا وقال: هذا الماء على! لطفه ورقته أثر في هذا الصخر. على كثافته فليس العلم بألطف من الماء «يعني بأخف من الماء»، وليس قلبي وعقلي بأكثف من الصخر، فرجع يطلب العلم من جديد، وحصل العلم، وأصبح من رواة الحديث المشهورين.

الإمام الغزالي والقاعدة الذهبية:

لقد فطن الإمام أبو حامد الغزالي إلى القاعدة الذهبية التي تضمنها حديث رسولنا الكريم ﷺ، وصاغها في قاعدة مهمة من قواعد التغيير أسماها «العادة والدوام» قال عنها رحمه الله: «هي حمل النفس على الأعمال الجالبة للخير المطلوب، فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف الجود من البذل، ليصير ذلك طبعا له. وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين، وكذلك جميع الأخلاق المحمودة، فإن للعادة أثرًا في ذلك، كما أن من أراد أن يكون كاتبًا تعاطى فعل الكتابة، أو فقيها تعاطى فعل الفقهاء من التكرار حتى تتعطف على قلبه صفة الفقه، إلا أنه لا ينبغي أن يطلب تأثير ذلك في يومين أو ثلاثة، وإنما يؤثر مع الدوام، كما لا يطلب - في النمو - علو القامة في يومين أو ثلاثة، فللدوام أثر عظيم».

ومعنى ذلك أن طريق التخلص من العادات السلبية وإحلال العادات الإيجابية محلها إنما يكون بتكلف العادات الإيجابية وأفعالها وسلوكياتها فترة طويلة بعزم وصبر حتى تصير العادات الإيجابية طبعًا متأصلًا في الشخص.

سابعًا: قاعدة الدفع والجاذبية:

وهذه القاعدة تعني أن لكل شخص نوازع تجذبه إلى القعود والكسل وعدم التغيير، وهذه الجواذب تشبه الجاذبية الأرضية، ولكي ينطلق الفرد في التغيير يجب أن يكون داخله قوة دفع أقوى من الجاذبية.

الجاذبية الأرضية والقمر الصناعي:

إن قاعدة الدفع والجذب تشبه تمامًا فكرة إطلاق القمر الصناعي، فلا يمكن إطلاق القمر الصناعي إلا إذا توافرت له قوة دفع أقوى من الجاذبية الأرضية، لذا يستخدم في إطلاقه صاروخ، فإذا ما وصل القمر الصناعي إلى مداره حول الأرض واستقر... سار بلا تكلف ولا عناء، بعد أن يتخلص من الجاذبية الأرضية.

وقد جسدت هذه القاعدة في قول أحد سلفنا الصالح «جاهدت نفسي في قيام الليل عامًا، واستمتعت به عشرين عامًا»، أي أنه بعد أن صار قيام الليل طبعا فيه، وبعد أن أعطى ذاته قوة دفع وصبر عامًا، بل ذاق حلاوة قيام الليل، استقر طبعه على ذلك، تمامًا كالقمر الذي استقر في مداره لا يعوق حركته شيء، وقد تخلص من الجاذبية الأرضية.

وتأسيسًا على هذه القاعدة فإن العامل الحاسم في تغيير العادات هو مدى صبر الإنسان على مقاومة جذب العادات القديمة له، أو جذب زخارف الدنيا والشهوات له، فإما أن يستسلم لهذه الشهوات فيكون قد اغترب عن ذاته وأهلكها وإما أن يعطي نفسه قوة دفع ترقى بذاته إلى أفاق علا.

الرابط المختصر :