; كن قويًا | مجلة المجتمع

العنوان كن قويًا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 12-ديسمبر-2009

مشاهدات 50

نشر في العدد 1880

نشر في الصفحة 56

السبت 12-ديسمبر-2009

يُحب الإسلام لأبنائه أن يكونوا أقوياء، فمن هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان» (رواه مسلم). 

بتدبرك للحديث السابق يمكنك أن تتأكد أنه دعوة لأن تكون قوياً، إن كنت زوجاً فيجب أن تكون قويا في مواجهتك لمشكلات الحياة الزوجية والحفاظ على زوجتك وبنيك، وإن كنت أبا فكن قويًا في تربية أولادك وتعليمهم كيف يواجهون مشكلات حياتهم بقوة وصلابة، وإن رأيت باطلا فكن إيجابيا وأصلح، وإن طلب منك أن تبدي رأيا في قضية معينة فاصدع بالحق ولا تخف، وإن ابتليت فكن قويا واصبر مهما كان نوع البلاء وحجمه، وإن شعرت في لحظة بضعف إيمانك فبادر بما ينمي إيمانك ويقويه.. فالقوة هنا لا تعني قوة الجسد فحسب، بل تعني ذلك وغيره، وقوة الروح أقوى من قوة الجسد، قال صلى الله عليه وسلم «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». 

ولله در شاعرنا إذ يقول عن حاله مع ربه سبحانه: 

ولو أنني أسعى لأدنى معيشة      كفاني ولم أطلب قليلا من المال 

ولكنني أسعى لمجد مؤثل        وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

الأقوياء من أهل الجنة

لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الجنة وسماتهم وأصحاب النار وصفاتهم، فذكر القوة والكرامة والنبل في صفات أهل الجنة، وعد الهوان والاختلاس والعجز والتلاعب بالآخرين من صفات أهل النار.

يقول صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال وأهل النار الخائن الذي لا يخفى له طمع - وان دق - إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» (رواه مسلم).

 كيف تكون قويا؟

أولا: تسلح بالإيمان

يقول الشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله - في كتابه «خلق المسلم»: العقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المذخورة واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار، بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب إن لم يكن لقاء محب مشتاق!! تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن، إنه يُضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقاً بقوله، وإذا اشتغل كان راسخا في عمله، وإذا اتجه كان واضحًا في هدفه، وما دام مطمئنا إلى الفكرة التي تملأ عقله وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلا إلى نفسه وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه.

ثانيا:أكثر من الاستغفار

فقد أرشد الله عز وجل قوم هود إلى أسباب القوة، وكانوا عمالقة جبارين، وذلك في قوله تعالى:  ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (هود:52).

ثالثا: لا تكن إمعة

إن القرآن الكريم يعطينا القدوة في التميز وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (الزمر:40).

بهذه الروح المستقلة المتميزة التي ترفض التبعية، وتثق بالحق الذي هداها ربها إليها، فغدت متميزة، إن صاحب هذه الروح يعاشر الناس على بصيرة من أمره، إن رآهم على الصواب تعاون معهم، وإن وجدهم على باطل نأى بنفسه واستمسك بالحق الذي عرفه ويثق به.

يقول صلى الله عليه وسلم : «لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم» (رواه الترمذي).

وليس بالضرورة أن يتبع الشخص شخصاً آخر حتى نسميه، إمعة،  بل قد يكون الشخص إمعة عندما يضعف أمام التقاليد الزائفة والعادات السلبية بالمجتمع، فتجد الرجل الضعيف تستعبده الأعراف الغالبة والتقاليد السائدة وإن كانت خطأ، فقد رأيت كثيراً من الناس يقلدون دون تمحيص ولا نظر، وعندما كنت أراجع الواحد منهم بيني وبينه بلطف يقول: «كل الناس هكذا يصنعون وقد يرتكب المعاصي ليلة زفاف ابنه أو ابنته»، بل يهيئ تلك المعاصي لغيره فيرتكبها ويحمل وزره وأوزار الآخرين، وإذا ما سألته: لماذا تصنع ذلك برغم أنك إنسان خير؟ أجابك: هي ليلة في العمر خلينا نفرح!! وكأن الفرح لا يتم إلا بمعصية الخالق.. سبحان ربي!! 

ولقد تفنن أعداؤنا في الكيد لنا ودخلوا من هذا المدخل وتلك الثغرة، ونحن نرى الآن أعداداً كبيرة من شبابنا يقلدونهم في قصات الشعر والملبس وغير ذلك، وكذلك الفتيات والنساء!! وهؤلاء يفعلون ذلك من باب التقليد الأعمى دون تفكير في الأمر، بل إن كثيراً من الناس - في جميع الأعمار - استحدثوا بدعاً في أفراحهم وأحزانهم وتجدهم يستمسكون بها أكثر من استمساكهم بحقائق الدين!! 

أما القوي فلا يكترث بشيء من ذلك ولا يكترث بنقد الناس له واتهامه بالتخلف فهذا كله لا يعنيه، والذي يعنيه هو أن يكون على جادة طريق ربه، مهما قسا عليه النقاد وأثخنته الألسنة تجريحًا وسخرية. 

إن القوي يقف ثابتاً ويسلك طريقه وسط تلك الأعاصير من السخرية والاستهزاء، وهو يوقن أن ذلك شرف رفيع، لأنه حدث لخير البشر من الأنبياء، وعلى رأسهم النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْ إِن يَتَّخِذُونَك إلا هُزُوا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾  (الفرقان:14).

رابعا: أحسن التوكل على الله

 جاء في الحديث: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» والتوكل هنا إنما ثقة بالله عز وجل ينعش الإنسان عندما يضعف، ويلتفت حوله فلا يرى عوناً ولا أملاً من البشر، فيقدم على إحقاق الحق برباطة جأش وثبات وعزيمة، ويظل يقاوم الباطل حتى يظهر نور الحق المبين، وذلك منهج النبيين مع الطغاة الظالمين.

ولقد قال ربنا في هؤلاء الأنبياء الأقوياء، مبيناً أثر التوكل على الله تعالى في تقوية أنبيائه وعباده: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).

بيد أن بعض الناس شوه معنى التوكل ولم يستوعبه، والتوكل الحقيقي هنا هو الثقة بالله تعالى وتوفيقه، ويجب أن يقترن بالإرادة المصممة والعزيمة القوية، والعمل الدؤوب والجهد المضني، والدعاء والإلحاح فيه على الله تعالى، فإن الله يحب العبد الملحاح، أي الملحاح في الدعاء.

خامسا: احرص على تنمية قدراتك باستمرار

لن يستطيع مخططو المناهج الدراسية التربوية أن يضعوا لطلابهم كل جديد في مجال دراستهم وعلومهم، لأن ذلك يقتضي تطوير المناهج يوميا، إذ في كل إشراقة يوم جديد تقذف أرحام المطابع بالجديد والجديد في شتى ميادين العلم.

لذا فلتحرص على أن تنمي قدراتك في مجال عملك وتخصصك، وكذلك في كل المجالات التي تمارسها في حياتك، وذلك مبدأ تربوي يسميه علماء التربية المحدثون التعلم الذاتي والتعلم المستمر. 

إنك تستطيع أن تتأكد من الضعف الذي ابتليت به الأمة في أفرادها إذا ما جمعت بعض الكتب التي ألفها أساتذة أو بعض البحوث العلمية التي أجراها بعض حملة الدكتوراه بل من اجتازوا الأستاذية في تخصص واحد لتجد ما تشيب له الولدان من النسخ المكرورة، والنقل الحرفي !! 

فإذا كان هذا حال الأساتذة الكرام الأفاضل الذين يناط بهم تعليم الأجيال.. فكيف بطلابهم الذين سيحملون اللواء من بعدهم رضوا أم أبوا!! فوا ثکلاه عليكِ أمتي!! ومتى يفيق أبناؤك فينتهون عما أجرموا!! 

بل رأيتُ رأي العين بعضهم يستأجر آخر بالمال، لينجز له كتاباً، أو يجري له بحثاً ويترقى به، فهل سأل نفسه: زيادة راتبه هذه التي جاءت بالباطل لا بمجهود منه وخان فيها الأمانة: أحلال هذه الزيادة المالية في الراتب أم حرام؟ ألم يشفق على الأولاد من أكل الحرام ورسولنا صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به؟ 

أنا أستوعب أن يساعد الباحث زميله في الإجابة عن بعض أسئلته، أو مراجعة البحث من باب التعاون على البر والتكامل بين التخصصات ومساعدة المحتاج، والأخذ بيد المبتدئ، لكن لا أحد يستوعب أن يُستأجر شخص لإجراء كتاب أو بحث لشخص آخر، فكلاهما ضعيف، وكلاهما يمسك بمعول هدم في المجتمع وأبنائه!! 

إذن، فعلى كل منا واجب ديني وطني أن يبذل قصارى جهده في تنمية ذاته، وإلا فسيسأل أمام ربه عن تضييع هذه الأمانة.. وما ذكرته عن أستاذ الجامعة قائم بالنسبة للطالب والأب والأم والمهندس والطبيب والزارع والصانع والمدير والرئيس... إلخ.

سادسا: رغب نفسك في الأخذ بأسباب القوة

فثم حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم،  يرغب فيه الناس في الطاعة والعطاء، ويرغبهم في ذلك بمنحهم الثقة بقوتهم كما وعدهم بتحقيق القوة لذواتهم إذا هم تصدقوا.

يقول صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتنكفي، فأرساها بالجبال فاستقرت فتعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالت: يا ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد قالوا: هل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من النار؟ قال: نعم، الماء قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها عن شماله» (رواه الترمذي).

سابعا: لا تكن كالثعلب مع الأسد

إن الإسلام يكره أولئك الذين يعيشون في الدنيا أذنابا، يتهافتون على أخذ خيرات وحقوق غيرهم، فيكون الواحد منهم كالثعلب الذي يقتات من فضلات الأسد!!

إن كثيراً من الناس إذا ما نصحته بأن يكون قويا ذا شخصية متميزة.. تعذر وتعلل بجبروت مسؤوليه أو الكبار.. إن هذا الصنف من الناس يجلب على نفسه الهواجس والكآبة والكدر، وهو لا يوقن بأن الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء بيد الله سبحانه، وليست بيد المخلوق. 

إن المسلم أكرم من أن يربط مصيره ببشر مثله مهما علت سلطاته وقدراته في الدنيا، بل ينبغي له أن ينأى بنفسه عن مواطن الضعف والنفاق، وأن يضرب في فجاج أرض الله الواسعة، يبتغي الرزق ممن خزائنه ملأى لا تنفد فيعيش في عزة وكرامة. 

بل إن كثيراً من الجبناء المرجفين المنافقين يتقربون إلى أسيادهم الضعفاء - الذين لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعاً - حتى يأكلوا لقمتهم، ولا يدرون أنهم يأكلون في بطونهم ناراً، لأنهم يكذبون على الأبرياء والشرفاء، وينقلون عنهم إلى أسيادهم إشاعات ومعلومات مغلوطة، لا أساس لها من الصحة وهدفها الأول والأخير الحصول على هذه اللقمة المسمومة!!

وقد توعد الرسول الكريم هؤلاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسى ثوبه برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» ( رواه أبو داود).

ثامنا اقتد برسولك صلى الله عليه وسلم 

بأن يمنحك الله القوة، وأن يعيذك من الضعف والعجز، وثمة أدعية مأثورة كثيرة في ذلك، أختم مقالي بواحد منها: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» (رواه أبو داود).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 248

100

الثلاثاء 06-مايو-1975

رحلة ومصير

نشر في العدد 717

54

الثلاثاء 14-مايو-1985

سيد الاستغفار