; هجائية الحب (۲۱) «حرف القاف» قوَّهمَّتهـم | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (۲۱) «حرف القاف» قوَّهمَّتهـم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2011

مشاهدات 52

نشر في العدد 1974

نشر في الصفحة 58

السبت 22-أكتوبر-2011

اصطفَّ المسلمون في غزوة القادسية، وقاتلوا الفرس قتالًا شديدًا، بهمة عالية وعزيمة فولاذية، ولكنهم لم يستطيعوا تحقيق النصر في اليوم الأول، وذلك لأن الفرس قد حشدوا لهم الأفيال الكثيرة الضخمة وكان المسلمون يمتطون الخيول، وكانت الخيول تخشى الأفيال لضخامتها فلا تقدر على مهاجمتها فتتقهقر، فلما كان المساء فكر أحد المسلمين من ذوي الهمم المتقدة القوية، ولم ييأس، وبهذه العزيمة وتلك الهمة توصل إلى فكرة إبداعية، حيث شكل من الطين أفيالًا، ثم درَّب الخيول على اقتحامها بجرأة، فلمّا كان اليوم التالي اقتحمت الخيول هذه الأفيال الحقيقية بعد أن تدربت على اقتحام الأفيال المصنوعة من الطين، وانتصر المسلمون، بفضل الله عز وجل، وبسبب هذه الفكرة الإبداعية التي كانت ثمرة الهمة العالية.

إن من أعظم آلامنا الآن أننا نجد أفرادها ضعيفي الهمة، فإذا ما أدركنا أن الشباب أصابهم الفتور والكسل، لأدركنا خطورة الأمر، لأن قوة الأمة في شبابها.

 فلينهض الآباء والمربون بهذه المهمة العظمى، وليكن شعارهم: «مقصدي أن يكون ولدي نفسًا تضيء وهمة تتوقد».

ليكن لسان حالك قبل مقالك - أيها الأب الفاضل، وأيتها الأم الكريمة - للولد: انهض من سريرك لحياة جيدة، غادر الكسل وابدأ طريق الحيوية والنشاط والنجاح، لا تعبأ بالأشواك اصنع لنفسك النجاح، واصنع لأمتك المجد التليد وردد في همة عالية قول الشاعر:

ليس يثنيني أن ينأى مسيري ***  أو تطالعني في المسير الصعاب

 لقد وجد عمر بن الخطاب قومًا يجلسون في المسجد للعبادة والدعاء، ولا يعملون، فقال لهم: «لا يقعد أحدكم ثم يقول: اللهم ارزقني فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة».

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نرفع همم أولادنا؟

إن لرفع الهمم لدى أولادنا فـنـونـًا وطرقًا ووسائل، أهمها:

 أولًا: أن نكون قدوة لهم في علو الهمة:

فحسبنا أن نرجع إلى صنيع رسولنا الكريم ﷺ، لندرك همته في العبادات وسائر الأعمال والغزوات، فقد رأيناه في غزوة الأحزاب قدوة وأسوة، وجدنا ذلك في حفر الخندق، فقد كان أصحابه رضي الله عنهم يستنجدون به إذا واجهتهم صخرة لا يقدرون عليها، وقد بث في نفوسهم الأمل عندما جزعوا، وبث الطمأنينة عندما خافوا، وجاع ولم يأكل حتى أكلوا، فكان مثلًا أعلى، وأسوة حسنة لهم، لذا فقد وجدنا هممهم عالية تدعو إلى الدهشة والانبهار!!

 ثانيًا: حدث أولادك عن أعمالك وهمتك:

فإن كنت من ذوي الهمم العالية فإن حديثك لأولادك يجعلهم يقتدون بك ويسلكون مسلكك.

 اجعل لسان حالك ومقالك يقول للكسول منهم في حب ورفق: يا كثير الرقاد، أما لنومك نفاد؟! سوف تدفع الثمن يا من غلبه النعاس تظن الحياة جلسة؟ وكبسة؟ ولبسه؟ وخلسة؟ وتعسة؟ ولعبة؟!

 بل الحياة شريعة ودمعة وركعة وعمل ومجاهدة.. الله أمرنا بالعمل لينظر عملنا: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 94).

ثالثًا: حدثهم عن همة السلف:

لقد قام رسولنا الكريم ﷺ حتى تفطرت قدماه، وربط الأحجار على بطنه من شدة الجوع في غزوة الأحزاب وغيرها، وأدميت عقباه بالحجارة، وخاض بنفسه قيادة الغزوات وضرب الأعداء وضُرب.

وهذا أبو بكر رضي الله عنه.. صرف للدين أقواله وتوجه إلى ربه بأفعاله، وأقام بالحق أفعاله وأنفق في سبيل الله أمواله، وهاجر وترك عياله.

 يقول الشيخ عائض القرني: فالحياة عقيدة، وجهاد، وصبر وجلاد وكفاح، ونضال، فلا مكان فيها للكسول، فابدأ في طلب الخير من الفجر، بتلاوة وذكر، ودعاء وشكر، وقراءة وفكر، وطلب للرزق، فقد قال رسولنا الكريم ﷺ ودعا: «بارك الله لأمتي في بكورها».

أبنائي بناتي.. كثرت شكاوى الوالدين من نومكم الطويل، نمتم عن صلاة الفجر، وعانينا في إيقاظكم كي تذهبوا إلى مدارسكم نشيطين مستبشرين، أو تستذكروا دروسكم في يوم عطلاتكم، فهل نفضتم غطاء الكسل، ونهضتم من فراشكم مقبلين بهمة على يومكم، لتسمعوا الطير تغرد والقمر ينشد والهواء يهمهم، فهل يليق أن يفوتكم ذلك كله وأنتم جثة على الفراش؟! لا في عبادة ولا معاش؟! نائمون.. هائمون، بعد أن سهرتم ليلكم في لعب ولهو وطرب وأكل وشرب وسمر؟!

ولا تقل الصبا في اتساع *** وفكركم صبي قد دفنت

تفر من الهجير وتتقيه *** فهلا من جهنم قد فررت؟

 وجه ولدك برفق كي يترك مجالس الكسالى، لأنهم لن ينالوا أبدا المنازل العالية، ولن يحققوا الأماني الغالية.. أما من أراد الدرجات العلا والمجد التليد، والشرف الرفيع، فلا بد أن يجد ويعمل، ويصبر ويثابر ويجاهد بعزم فولاذي وهمة عالية.

صاحب الهمة يسبق الأمة إلى القمة، وصدق ربنا عز وجل إذ يقول عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120)، فقد كانت همة إبراهيم عليه السلام تفوق همة أمة.

وقد أثنى ربنا على السابقين وبشرهم، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة:10-11)، لأنهم على الصالحات دائبون، وفي أعمال البر نشيطون.

عُمي بعض المحدثين من كثرة الرواية، فما كل ولا مل، حتى بلغ النهاية.. وقد مشي الإمام أحمد بن حنبل من بغداد إلى صنعاء، ولولا المحنة ما سمي الإمام أحمد بإمام السنة، ووصل بالجلد إلى المجد، ونحن في فتور في العلم والدعاء. سافر أحدهم إلى مصر، وغدوه شهر ورواحه شهر في طلب حديث واحد ليدرك به المجد الخالد.

رابعًا: حفظهم أشعار الهمة:

أنا إن عشت لست أعدم خبزًا *** وإذا مت لست أعدم قبرًا

همتي همة الملوك ونفسي *** نفس حرترى المذلة طفرًا

السلام على أهل الهمم، الذين هم صفوة الأمم وأهل المجد والكرم.. طالت بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود مطالع السعود، ومراتب الخلود، ومن أراد المعالي سهر لها الليالي.

 عليك الجد إن الأمر جد *** وليس كما ظننت ولا وهمت

وبادر فالليالي مسرعات *** وأنت بمقلة الحدثان نمت

خامسًا: أخرجهم من الكسل:

وجه ولدك برفق، لتخرجه من سرداب الأماني، وأسر الأغاني، ولينفض غبار الكسل وليهجر من عذل، فكل من سار على الدرب وصل، قل له يا بني لماذا نسيت الآيات؟ وأخرت الصلوات؟ وأذهبت عمرك السهرات وتريد النجاح والفلاح والجنات؟

 سادسًا: استخدم الإقناع والمنطق:

أقنعهم برفع همتهم، وذلك بضرب أمثلة مثل ما شبع النمل حتى جد في الطلب، وما ساد الأسد حتى وثب، وما أصاب السهم حتى خرج من القوس وما قطع السيف حتى صار أحد من الموس. 

يقول الشيخ عائض القرني: الحمامة تبني عشها والعنكبوت تهندس بيتها والضب يحفر مغارة، والجرادة تبني عمارة، وأنت لك مدة ورأسك على المخدة.. أحرص على ما ينفعك، لأن ما ينفعك يرفعك إن الكسول النائم الثقيل الهائم لن ينال من عالم المجد شيئًا، ولن يصيب من ماء العزة قطرة، فانهض - يا بني - وأمسح النوم عن عينيك، واطرد النعاس من جفنيك، واشحذ الهمة، لتكون من أهل القمة، فإن الغافلين الكسالى مكانهم في الحضيض، ولن يشفع لهم رقادهم العريض، وقل للقاعدين الراقدين ما قاله لهم رب العزة: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُود أَوَّلَ مَرَة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفين﴾ (التوبة:83)، فهبوا إلى العمل الجاد، ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:41).

اشحذ عزيمتك يا بني، وقو همتك، وأقبل على طلب العلم بقوة، يقول الشافعي - رحمه الله -: «من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نمت قدرته، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه».

إن واقع الأمة ينطق بضعف الهمم والعزائم ومن ثم فأمتك - يا بني - في حاجة ملحة إلى العزائم القوية، والهمم الفولاذية.. أجل ما أحوج أمتك - يا بني - إلى إيقاظ الغافلين، وتنبيه الكسالى، ليكن شعارك أيها الأب، وأنت أيتها الأم أيقظ الغافلين، وما أكثرهم فجروا الطاقات، وأنت - أيها الزوج الكريم - لتتذكر قول حبيبنا ﷺ لزوجته الحبيبة خديجة رضي الله عنها: «لقد مضى عهد النوم يا خديجة».

إن رفع الهمم طريق لصلاح الأمم، لأن الأمة مجموعة من المجتمعات، وكل مجتمع هو مجموعة من الأفراد، فإذا كان الأفراد هم أصحاب الهمم والطاقات، فإنك بإيقاظ هممهم ورفع عزائمهم ستبلغ بهم أمتهم العلياء.

سابعًا: احذر إحباطهم:

 ثمة كلمات تجري على ألسنة الآباء والأمهات تطلعها ألسنتهم دون أن يلقوا لها بالا، وهم يحطمون طاقات أولادهم وقدراتهم وإبداعاتهم دون أن يدروا، فما أكثر ما يقول أحدهم لولده أنت فاشل، أنت خيالي كن واقعيًا، لا تحلم، ويقصدون بالواقعية أن تموت أحلام أولادهم.. كما يقول بعضهم لولده أنت مغامر وليست لديك قدرات، أنت عاجز.. إلى غير ذلك من الكلمات المحبطة المدمرة!!

الاستماع إلى دروس العلم والقصص والتراجم والشخصيات التي برزت في أعمالها وإبداعاتها سواء أكانت هذه الدروس حية تلقى مباشرة بالمسجد أو في ندوة أو ديوانية أم كانت عن طريق «السيديهات» أو «الفلاشات»، أو أشرطة التسجيل.

ثامنًا: ضبط الهمم بالحماس المعتدل

لأن الحماس الفاتر لا يؤدي إلى إنتاج، كما أن الحماس المندفع لا يصل إلى المقاصد، ولا يحقق الأهداف بالصورة المنشودة، وربما تعثر بصاحبه، فأصحاب «طالوت» زاد حماسهم على هممهم، فلم ينجح منهم إلا القليل، وقد سجل القرآن الكريم ذلك في سورة البقرة، حيث يقول رب العزة سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:246).

ولقد وضعهم في اختبار موقفي تربوي، ليبتليهم، ويتميز منهم ذوو الهمة والعزيمة من ذوي الحماس الزائد غير المنضبط، قال عز وجل:

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:249-250).

 تاسعًا: مصاحبة ذوي الهمم العالية:

يقول الإمام أبو حنيفة: قصص السابقين جند من جند الله.

فمعلوم أن معايشة ذوي الهمم العالية يؤثر إيجابيًا في النشء وقد تربى السلف على الهمة بمعايشة الطلاب لأساتذتهم ذوي الهمة العالية وكذلك معايشة الأبناء للآباء، والبنات للأمهات.

عاشرًا: إلهاب غيرتهم:

وقد يكون ذلك بإلقاء الضوء على دور السلف في قيادة العالم، وقد يتخلل ذلك شعر يثير حماسهم، مثل:

ملكنا هذه الدنيا قرونًا *** وأخضعها جنود خالدون

وسطرنا صحائف من ضياء *** فما نسي الزمان وما نسينا

وآلمني وآلـم كل حر ***  سؤال الدهر أين المسلمون؟

 وقد يكون ذلك بحكاية موقف بطولي فدائي، أوقدته الهمة العالية، كموقف أنس ابن النضر رضي الله عنه، الذي نادى في الصحابة رضي الله عنهم في غزوة أحد يحذرهم من أن يصل الأعداء إلى رسول الله ﷺ، ثم يمضي ليقاتل بعزيمة الأبطال وهمة الأقوياء الأشداء، فيقتل من الأعداء ما شاء الله أن يقتل، ثم يستشهد، وإذا بهم لا يعرفونه فقد وجدت فيه أكثر من ثمانين إصابة فلم تعرفه إلا أخته من بنانه!!

الرابط المختصر :