العنوان من الذي يهدد ياسر عرفات؟ ولماذا؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1984
مشاهدات 87
نشر في العدد 690
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 06-نوفمبر-1984
«لقد أنقذت نفسك من المأزق بموافقتك على مبادرة السلام العربية؛ لأن دولتين من الدول الموافقة على المبادرة كانتا تتمنيان رفضكم للمبادرة لتقوما برفضها أيضًا، لتتاح الفرصة بطرح مبادرة تكميلية تقضي بأن يتحدث العرب نيابة عنكم في اللقاءات الدولية لحل القضية الفلسطينية، وكان هذا يعني التشكيك في أحقيتكم بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية».
هذا ما قاله مسؤول عربي لياسر عرفات في أعقاب حضور الأخير قمة فاس، التي انعقدت على إثر خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، وبعد إعلان ريغان لمبادرته في سبتمبر 1982.
وما قاله المسؤول العربي يكشف عن حقيقة أن قيادة ياسر عرفات أصبحت منذ الخروج من بيروت مستهدفة من قبل أنظمة عربية، وتؤكد أحاديث ياسر عرفات وتصريحاته الصحفية، وكذلك مصادر منظمة التحرير الفلسطينية- أن ياسر عرفات أصبح مهددًا بالقتل منذ الخروج من بيروت وبشكل أكثر تأكيدًا بعد حادث «الانشقاق» والخروج من طرابلس في أواخر العام الماضي.
يريدون قتلي:
وها هو عرفات يقول لمجلة التضامن (العدد 81، تاریخ 27\10\84):
«ما زال في مخطط العدو التخلص مني، ويساهم إخوة عرب في التخطيط لاغتيالي، إنهم يريدون قتل حتى لا أفضحهم، وأكشف أسرارهم التي أمتلكها».
وفي جواب أكثر وضوحًا وإثارة قال عرفات: «يريدون قتلي لأني أنا الشاهد الحي».
وتشير تصريحات عرفات وغيره من قيادات منظمة التحرير -أن تلميحًا أو تصريحًا- إلى أن سورية هي الطرف العربي في اللعبة على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، أما الانشقاق أو محاولة الانقلاب العسكري على قيادة عرفات فلم تكن في رأي عرفات سوى «زوبعة»، وقد تمخض الجبل فولد فارًا، وتوارى الكومبارس من على خشبة المسرح ليظهر الممثلون الحقيقيون والمنفذون الفعليون لمؤامرة التصفية التي أرادوا لها وجهًا فلسطينيًا.
طبعًا لا يخفى أن العدو الصهيوني هو العدو الأول لقيادات منظمة التحرير، وقد عمل جاهدًا -من خلال المخابرات «الموساد» أو غزو لبنان- التخلص منها، لكن الذي يهمنا الإشارة إليه هنا من أسماهم عرفات بالأشقاء العرب، خاصة الذين يهددونه في الوقت الحاضر.
ويبدو أن ما قاله عرفات صحيحًا؛ فالملاحظ أن بعض «المنشقين» عادوا لتنظيم فتح بالذات، وبعض قيادييهم بدءوا يدركون كم كانوا «مستغفلين» فطلبوا الصفح والعودة، فضلًا عن أن المحاولة قد فشلت بعد توقيع اتفاق عدن الجزائر، الأمر الذي جعل الرئيس السوري يذهب بنفسه للجزائر لتعطيل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني؛ لأنه يعني «إعادة انتخاب ياسر عرفات رئيسًا للمنظمة»، وهذا ما يعمل ضده، بحيث أنه أوضح للرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد أن المجلس الوطني الفلسطيني لن ينعقد إلا على «آثار دمي»، وهذا ما جعله يستعجل السوفيات للقائه الذي تم في الشهر الماضي، ولكنه -كما أجمع المراقبون- فشل في الحصول على الورقة السوفياتية أمام عرفات.
فلسطين أم سوريا:
ولعل فشل اللقاء السوري الروسي في موسكو أثار قلق عرفات الذي أخذ يذيع شخصيًا، أو يسرب لبعض وسائل الإعلام العربية عن أن هناك مؤامرة لتصفيته شخصيًا كخطوة في طريق تصفية وجود منظمة التحرير الفلسطينية، وتعلل قيادة عرفات هؤلاء الأشقاء بأنه يرتبط «بحلم للعب دور مميز في المنطقة»، وأن هذا الدور متناغم ومتكامل مع الموقف الأميركي والصهيوني الذي يهدف إلى القضاء على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
فمشروع ريغان الذي أعلن بعد الخروج من بیروت لم يتطرق للمنظمة ولا لحقوق الفلسطينيين، بل ركز على دور أردني، وأتاح المجال لكونفدرالية أردنية فلسطينية، ويؤيد هذا ما قاله خبير الشؤون الدبلوماسية العربية السوفياتي إيغور بيلاييف لكونا قبل أسبوعين من أن الخلاف بين نظام دمشق وعرفات هو خلاف بين صيغتين «سوريا أولًا ثم فلسطين، وفلسطين أولًا ثم سوريا».
فسوريا على الرغم من ارتباطها مع الاتحاد السوفياتي بمعاهدة صداقة وتعاون، إلا أنها تعتقد بأن هذه العلاقة يجب أن تكون ورقة للعب، تبرزها في الوقت الذي تراه يحقق لها مصالحها الإقليمية الخاصة، فهذه العلاقة لم تحل دون تدخل سوريا في لبنان عام 1976، للحفاظ على المعادلة السياسية السائدة في لبنان، كما لم تدعها للوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية إبان الاحتلال الإسرائيلي عام 82، وهذه العلاقة لم تمنعها من استقبال الموفدين الأميركان والاتفاق معهم على تحجيم منظمة التحرير مقابل دور أكبر في المنطقة.
فهل وصل الأمر بسوريا إلى حد تهديد حياة عرفات؟
الحقيقة أن تهديد حياة أي فرد ليس عجيبًا ولا غريبًا في العالم العربي، وخاصة من قبل أنظمة درجت على استخدام القهر والتعذيب والأغلال في استعبادها للشعوب، ومن الناحية العملية فقد ذكرت الأنباء أن فرقًا أعدت خصيصًا لتصفية بعض قيادات منظمة التحرير، وأن هذه الفرق أرسلت لعواصم عربية وعالمية، ويرى بعض المراقبين أن ملاحقة بعض الدبلوماسيين من دولة الإمارات العربية جاء انتقامًا من هذه الفرق؛ نظرًا لقيام حكومة الإمارات باعتقال عدد منهم، وتسفيرهم للخارج.
المنظمة تقبل الحلول السياسية:
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان استهداف قيادة منظمة التحرير من قبل نظام عربي يقع ضمن مؤامرة أميركية صهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، وهذا صحيح، فهل القيادة الفلسطينية بالذات قيادة عرفات المستهدفة تعارض مخططات التسوية الأمريكية؟
والجواب بالتأكيد لا؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية أعلنت بصراحة ووضوح منذ عام 1974 أنها تطمح لحل سياسي للقضية الفلسطينية، ولكن بشروط، أهمها قيام دولة فلسطينية مستقلة، ولكن بسبب دور الأنظمة العربية الذي أشار إليه أبو إياد مؤخرًا في حديث له مع القبس بتاريخ 29\10\84، وبسبب تعقيدات سياسية أثارها العدو الصهيوني، جعل المنظمة تتراجع شيئًا فشيئًا عن مطالبها وشروطها إلى أن أصبحت الآن مهددة بشطبها نهائيًا من أية مفاوضات قد تجري لحل القضية الفلسطينية في ضوء استئناف العلاقات الدبلوماسية (الأردنية- المصرية)، وقيام محور أردني مصري للتحرك نحو السلام، وإن كانت أطرافه -وخاصة الملك حسين- ما زالت تصر على أحقية منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني.
المطلوب من عرفات:
إن المراقب المنصف لا يملك إلا أن يبين حقيقة المؤامرة على القضية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير، ولكن في الوقت الذي نؤكد فيه على استقلالية الدور الفلسطيني، نؤكد على أن هذه الاستقلالية يجب ألا تكون لمصلحة توجه سياسي معين باتت ملامحه تتضح يومًا بعد يوم.
هلا كشفتم الوثائق:
ونريد أن نقول لعرفات ورفاقه إذا كنتم جادين فيما تطرحونه من أنكم «الشاهد الحي»، وأنكم تملكون الوثائق، فليس مطلوبًا منكم في المرحلة الراهنة أكثر من التالي:
1- إعلان رفض جميع مخططات التسوية الأميركية وغيرها؛ لأنها كما تدركون جيدًا تهدف إلى تصفية القضية إلى الأبد.
2- كشف ما عندكم من وثائق حول دور بعض الأنظمة العربية والعالمية، وذكر الأسماء والتواريخ بالتفصيل لتكون الأمة على بينة من أمر تلك الأنظمة.
3- البحث عن إستراتيجية جديدة للعمل، تتلافى أخطاء التجربة السابقة في التنظيم، والتربية، والفكر، والسلوك.
وليترك تحرير فلسطين للأجيال القادمة خير وأتقى من الانحناء للسيد الأميركي البشع.
ونود أن نقول لقيادة منظمة التحرير ولعرفات بهذه المناسبة إنكم إن فعلتم ذلك عادت لكم الحياة، وإن لم تفعلوا ذلك فإن استدرار عطف الجماهير من خلال سرد مؤامرات التصفية لن يفيدكم شيئًا، بل ربما إذا قتلتم لن تذرف عليكم إلا دموع ذويكم فقط، فهل أنتم سامعون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل