; يخالفها عدد كبير من المسلمين. لماذا ؟! من الضوابط الشرعية للإنفاق والاستهلاك في رمضان (۲۰۱) | مجلة المجتمع

العنوان يخالفها عدد كبير من المسلمين. لماذا ؟! من الضوابط الشرعية للإنفاق والاستهلاك في رمضان (۲۰۱)

الكاتب حسين شحاته

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 91

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 16

السبت 22-أغسطس-2009

(*) أستاذ الاقتصاد الإسلامي

تضمنت الشريعة الإسلامية قواعد محددة تضبط الإنفاق والاستهلاك بصفة عامة، وعلى المسلم أن يلتزم بها فلا يحيد عنها. وفي شهر رمضان يخالف عدد كبير من المسلمين تلك القواعد؛ حيث يزداد الإسراف والتبذير في هذا الشهر الكريم، ويتجه الإنفاق نحو الترف، ويُوجه المال أحيانًا إلى معصية الله بإنفاقه في الملاهي، وفي إحياء البدع والضلالات، وهذا يقود إلى آثار سيئة تسبب العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

يأمرنا الإسلام بالإنفاق في طاعة الله، وفي مجال الطيبات دون إسراف أو تبذير أو ترف، وأن يكون الإنفاق معتدلا وسطا، ومن أهم الضوابط الشرعية للإنفاق التي يجب أن يلتزم بها المسلم سواء في رمضان أو غيره ما يلي:

الإنفاق في طاعة الله

يستشعر المسلم التقي الورع الصائم أن المال الذي بيده ملك لله سبحانه وتعالى وأن ملكية حيازته تنتهي بموته، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تؤكد هذا المعنى منها قول الله تبارك وتعالى

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾(سورة الحديد: أيه رقم7)، ويقول الله عز وجل في آية أخرى: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾(سورة النور: أيه رقم33)

تؤكد هذه الآيات أن على المسلم أن ينفق المال طبقًا لأوامر شريعة مالكه الحقيقي، أي في طاعة الله سبحانه وتعالى، وعليه قبل أن يهم بإنفاق درهم أو دينار معرفة هل هذا في طاعة الله أم لا؟ فإذا كان في طاعة الله فليسرع بالإنفاق، وإن كان في غير طاعة الله فليمتنع عنه، وأساس ذلك قول رسول الله : «إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان خيرا فأمضه، وإن كان غيا فانته عنه» «متفق عليه».

كما يجب على المسلم أن يؤمن أن له وقفة مع الله سبحانه وتعالى، يحاسبه على هذا المال من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وأساس ذلك قول رسول الله : «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع». منها: «عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟» «رواه الطبراني والترمذي»، وإن كان هذا هو الواجب فعليك أن تحرص عليه كل الحرص في شهر رمضان.

أما واقعنا هذه الأيام فمناقض لما يأمرنا الله به، حيث يقوم بعض الناس بإنفاق جزء كبير من الأموال في السهرات والحفلات التي يشاهدون فيها الأجسام العارية ويسمعون الأغاني الخليعة. وكثيرا ما نشاهد في الصحافة إعلانات لدور اللهو التي تعلن عن «قضاء سهرات رمضان، وتناول السحور على أنغام الموسيقى والغناء» !!

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾(سورة الحديد: أيه رقم16)، ألم يأن لحكوماتنا أن تمنع ذلك حتى تفوز برضاء الله سبحانه وتعالى؟!

الإنفاق في الطيبات

لقد أمرنا الله أن يكون الإنفاق في مجال الطيبات؛ حيث قال سبحانه وتعالى:﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾(سورة الأعراف: أيه رقم157) وقال عز وجل:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾(سورة الأعراف: أيه رقم32)

فعلى المسلم-ولاسيما في شهر رمضان-أن ينفق ماله في شراء السلع والخدمات الطيبة التي تعود عليه وعلى المجتمع الإسلامي بالنفع وأن يمتنع عن الإنفاق في مجال الخبائث حتى لا يضيع صيامه وصلاته وقيامه وقرآنه هباءً منثورا.

على المسلمين إنفاق أموالهم طبقا لأوامر وشريعة مالكها الحقيقي أي في طاعة الله سبحانه وتعالى

ومما نلاحظه في شهر البركات أن فريقًا من الناس ينفقون أموالهم في شراء السلع الخبيثة، مثل: الدخان ومشتقاته والخمور ومشتقاتها، وفي شراء شرائط الفيديو المنافية للقيم والمثل والأخلاق، وفي شراء تذاكر السينما والمسارح المشاهدة ما يغضب الله. ويبرر هذا الفعل المحرم بأن فيه تسلية لصيامه!!

وعلى مستوى الإنفاق الحكومي، نجد أن الدولة تنفق من الأموال في شراء أو إنتاج المسلسلات والبرامج التلفزيونية التي تعد خصيصًا لشهر رمضان، بل إن معظمها يتم بثه في وقت صلاة العشاء والقيام، وكأن هذا مقصود!!

ألم يأن لأولي الأمر من المسلمين أن يستشعروا أن الله سبحانه وتعالى سوف يحاسبهم عن أموال المسلمين، وكيف أنها تنفق في مجال الفساد والخبائث ؟!

ولا يعني ما سبق أن الإسلام يحرم السينما والمسرح والفيديو والتلفاز، بل يجب أن تستخدم هذه الوسائل في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وتقوية العقيدة، ونشر الفضيلة، وإبراز سير الأنبياء والصحابة ولاسيما في رمضان حتى يستطيع المسلم المحافظة على صيامه.

الاعتدال في الإنفاق

من قواعد الإنفاق في الإسلام الوسطية دون إسراف أو تقتير، لأن في الإسراف مفسدة للمال والنفس والمجتمع وكذلك الوضع في التقتير ففيه حبس وتجميد للمال، وكلاهما يسبب خللا في النظام الاقتصادي، وأصل هذه القاعدة من القرآن الكريم هو قول الله تبارك وتعالى في وصف عباده المؤمنين:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾(سورة الفرقان: أيه رقم67). وقوله عز وجل: :﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾(سورة الإسراء: أيه رقم29)

وعلى المسلم أن يلتزم بهذه القاعدة في شهر رمضان، فيجب ألا تجرفه السعة في الرزق إلى الإسراف بالتقليد الأعمى للعادات السيئة في رمضان، كما يجب ألا يضيق على أسرته أو أولاده إلى المدى الذي يبدل به نعمة الله تقتيرا.

تجنب الترف في الإنفاق

تحرم الشريعة الإسلامية نفقات الترف والمظهر بصفة قطعية؛ لأنها تؤدي إلى الفساد والهلاك، وهذا التحريم يخص الفرد في ماله والدولة في الأموال العامة، وأصل هذا من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: :﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾(سورة الأسراء: أيه رقم16). وقوله جل شأنه:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾(سورة سبأ: أيه رقم34)، يصف القرآن هؤلاء المترفين بصفة الكافرين والكاذبين فيقول جل وعلا: :﴿ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾(سورة المؤمنون: أيه رقم33)

الإسلام يحث على «الوسطية» في الإنفاق دون إسراف أو تقتير لأن في كليهما مفسدة للمال والنفس والمجتمع

الشريعة الإسلامية تحرم إنفاق الترف والمظهرية في المال الخاص والعام لأنه يؤدي إلى الفساد والهلاك

والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التي تحذر الناس من حياة الترف وإنفاق المال في الملذات والتفاخر والخيلاء، فيقول الرسول : «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة» «رواه ابن ماجه»، وفي رواية أخرى أن رسول الله قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا ترف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «رواه أحمد والنسائي».

ويقول : «إياك والمخيلة، ولا تلام على كفاف» «رواه ابن ماجه»، ويقول : «يأتي على الناس زمان همهم بطونهم، وشرفهم متاعهم وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله» «رواه الديلمي».

أما واقعنا الآن في رمضان، فقد ابتعدنا عن شريعة الإسلام، وأصبح الترف والتفاخر هو الأساس حتى اعتاده الناس، وظنوا أنه العرف والمعتاد فتهتم المرأة عند إعداد ولائم رمضان بـ«المحمر» و«المشمر» والمكسرات والعصائر وغيرها، وربما تعلم أن زوجها قد اقترض مالا. كما أن بعض شركات القطاع العام والخاص تنفق الأموال لإعداد ولائم الإفطار لموظفيها في الفنادق ذات النجوم الخمسة، وربما تكون خاسرة وعليها ديون أثقل من الصخور.

لذلك يجب على المسلم الصائم أن يبتعد عن كل سبل الترف حتى لا يكون ذلك إحباطا لعمله وخسرانا له في الدنيا والآخرة.

تجنب نفقات التقليد والبدع

لقد أمرنا الإسلام أن نتجنب تقليد غير المسلمين في سننهم وعاداتهم وتقاليدهم، وحذرنا رسول الله من ذلك فقال: «لتتبعن سنة من كان قبلكم باعا بباع، وذراعا بذراع، وشبرا بشبر، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فمن إذا غيرهم» «رواه ابن ماجه»

كما حذرنا من البدع فقال : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «رواه الترمذي». 

الرابط المختصر :