العنوان الغربال.. من العجب أن نرى من خرجت مليونية لإسقاطهم يتقدمون للترشح للرئاسة
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2012
مشاهدات 53
نشر في العدد 2007
نشر في الصفحة 52
السبت 16-يونيو-2012
سعدنا بتنوع أفكار المرشحين - و اختلاف برامجهم .. كانت أياما رائعة - شعرنا فيها بحرية تعطشنا كثيرا لها
في شرفة في أحد فنادق إسطنبول بالدور الخامس كنت أطل بعد سماعي لجلبة بالشارع أردت أن أتتبع مصدرها ، فرأيت فرقة تلبس الملابس العسكرية التركية وتسير بخطوات عسكرية مع طبل متناسق لو قدر لطبلتهم أن تسير لسارت معهم، فقد كان عرس انتخابي لأحد المرشحين ولفت نظري إعلانات بكل بقعة عن مرشحين مختلفين، نظرت إلى السماء بكل توسل للملك، وقلت من سويداء قلبي يارب مصر، وانشغلت بسحب تعانق الهواء وطيور مغردة تشاطرني الدعاء، وودت لو أسمعها تقول : آمين، كان ذلك قبل الثورة المصرية المباركة، ودارت الأيام يلف بعضها بعضاً، ليتراءى لعيني مشاهد مختلفة لعدة انتخابات بدأت بمجلس الشعب والشورى فانتخابات الرئاسة، لأرى ما تمنيت - في يوم ما لم يسمعني فيه حينها سوى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. –
وبدأت انتخابات الرئاسة بمصر ودخل أكثر من عشر مرشحين الانتخابات وسط دخان كثيف يحيط بجماعة الإخوان المسلمين مع حرب إعلامية ترافقهم، فحال الدخان بينهم وبين محبيهم، وأصبح الصباح معبأ لا يكاد المرء يرى فيه، وبدأ الغربال يتحرك للتمحيص والاصطفاء، ورأينا عجبا أناس كانوا يؤيدون المشروع الإسلامي طوال عمرهم، بل يدعون إلى تطبيقه، نراهم وقد تعهدوا بأن مشروعهم ليس بإسلامي من أجل المزيد من الأنصار، ووجدنا الأخ في الجهاد ينكر على نفسه وأخيه أن يتحدا من أجل الله، ولم نعد ندري علام كان جهادهم وعملهم .
أكبر العجائب
ورأينا من خرجت مليونية من مليونيات الثورة لإسقاطهم، فسقطوا، وجدناهم من مرشحي الرئاسة، بل إن بعض المرشحين كانوا يساندون الرجل الذي أسقطته الثورة ونأتي للعجيبة الكبرى والأكثر عجبا أن يجد هذان المرشحان من يصوتون لهما من الشعب الذي ثار على رؤسائهم، وتحرك الغربال بعنف لتصنيف أبناء الشعب الواحد ومعرفة هوية الكثيرين عن طريق معرفة اسم من يدعمون، وزادت وتيرة الدعاية كان للإخوان النصيب الأكبر فيها من كثرة الأنصار، فقد رأينا مؤتمرات حضورها بالآلاف وعشرات الآلاف، يهتفون في بقعة لها نفير عال، وفي المقابل هناك أكثر من عشرين فضائية، وصحيفة يومية، يعادون كل ما هو إخواني. وأتذكر حواراً دار بيني وبين إحدى من تأثرن بهذا النفير، وكان تركيز حديثها أن الإخوان رجعوا في عهودهم بعدم ترشيح أحد من الإخوان، ثم رشحوا بعد ذلك، لذلك لا أمان لهم، قلت لها : لو تقدم أحدهم لخطبة فتاة وشرط عليها ألا تعمل بعد الزواج ووافقت، ثم بعد الإنجاب ووجود الأولاد ترك الزوج عمله وترك الأولاد يتضورون جوعاً، وتستطيع هي العمل لإطعام أولادها فهل تخرج، أم تترك أطفالها يموتون؟ فكان جوابها : هذا الرجل لا يستحق أن تحافظ له على عهد وقد أخل هو بعهده، ابتسمت قائلة : هذا هو ما حدث تماما، ففي مجلس الشعب هذه السلطة التشريعية، كان المجلس لا يجد أدنى اهتمام ممن ينفذون، وأصبح كما ستقولين حتما ، لقد انتخبناهم بمجلس الشعب فماذا فعلوا لنا ؟! ردت بقوة: نعم
ماذا فعلوا لنا بعد الوعود، قلت لها : لذلك رشحوا أحدهم حتى يستطيعوا أن يفعلوا، وهكذا كانت هناك حجج واهية تنفخ فيها أجهزة الإعلام وللأسف تنطلي على كثير منالناس الذين لا يسمعون أو يشاهدون إلا من امتلأت قلوبهم بالحقد والغيظ، فامتلأت كلماتهم وأحاديثهم وحواراتهم بالافتراءات والاختلافات والكذب والبهتان بل والسفه والسباب الذي يعاقب عليه القانون، ولكن حينما يقوم الحوار بعقلانية مع كثير من عموم الناس، فإن الكثيرين منهم يستجيبون ممن يريد أو يوافق أصلا أن يستمع.
تنوع المرشحين
ولا أخفي سعادتنا المطلقة بتنوع المرشحين، وتنوع أفكارهم و اختلاف برامجهم عن طريق متابعة المؤتمرات، وخروجهم إلى الناس، أو عرض برامجهم، كانت أيام رائعة شعرنا فيها بآدميتنا وحرية تعطشنا كثيرا المرآها ، واستعد الغربال ليتحرك، في مفاجأة أذهلت شعب مصر برمته، بعد ظهور نتيجة المرحله الأولى، حصول مرشح العهد السابق ومن أسقطه الشعب عن مجلس الوزراء على أكثر من خمسة ملايين صوت، وأصبح كل منا يتلفت حوله من أين جاؤوا ؟ وهل هناك هذا العدد الضخم يريد فعلا عودة الظلم والقهر والفساد والسجون والمعتقلات والبوليس السري، وتبعية كل مصر لدولة تكره مصر ؟ وتحرك الغربال، فافترق الحق عن الباطل، ويالهول ما رأينا، باطلا ظاهرا واضحا، ويجد من يسانده ويطلبه، وانعقدت ألسنتنا، وتذكرت من كان يعلم أن رسول الله = رسول حق أكثر من ثقته أن ابنه من صلبه، فيقال لهم: فماذا أنت فاعل؟ فيقول: حربه إلى يوم الدين، ومع الفارق بدأت الحرب الضروس على الحق الذي يمثله مرشح الإخوان المسلمين، وبدأت المساومات وكأنه هو من خسر، وقد كان ترتيبه الأول، وبدلا من التمسك بالأمل المتبقي لنا، نجد أناسا يحاولون إضعاف الأمل للحصول على بعض المكاسب الدنيوية الرخيصة، وأصبحت الحرب جلية واضحة، فقد كانوا فيها كالدجاجة المذبوحة في حركتها المستميتة القوية الطائشة قبل أن تموت، وسمعنا كلمات لا تصدر إلا من رجل إما أنه فقد عقله، أو أن قلبه قد امتلأ بحقد ليس له من دون الله كاشفة، ثم نجد من يتبنون تلك الكلمات العجيبة الغريبة، ويحاولون نشرها بوسائل الإعلام المختلفة، ورحم الله حسان بن ثابت في بيت من أشعاره:
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم وكان ذا رأي فيهم وذا شأن
وفي مصر مثل يتداوله المصريون:«لو كان إللي بيتكلم مجنون، فالسامع عاقل».
فتحطم هذا المثل الذي له مئات السنوات فقد رأينا الاثنان وقد أصابهم الجنون.
وبدأت المساومات وكأنه هو من خسر وليس الأول وأفاق شعب مصر على كابوس من للوحات والصور لمرشح النظام السابق ليراها وميا، وسرح خيالي وأنا أرى مثل تلك اللوحات رى ماذا يحدث لو حكم مصر أعوان النظام السابق، وتحكموا في البلاد من جديد؟ وقتها - نستبعد أن يتم الإفراج عن الرئيس السابق إرجاع كل أملاكه، وكل أمواله، وكل الشوارع الحدائق والمدارس التي كانت باسمه واسم وجه المصون، ليخلد عليها أسماؤهما، أما من كان قائما على الأمن هذا المسكين المظلوم»، تستعود له كل صلاحياته، في كل شيء، وبالطبع سوف يتتبع كل من تآمر ضده، من شباب إرهابي»، «عاطل»، «خامل»، «فاسد»، «مفسد»، سيوافيه أعوانه بأسمائهم ليتعامل معهم بما عهد عليه من بطش وقسوة، وأيضاً ليطفئ كل من تسول له نفسه بالتظاهر في الشوارع كما تطفأ السجائر، أما نساء الثورة المشتركات فيها بقول أو فعل، فلربما يصب عليهن العذاب صبا بل إن الأطفال الذين شاركوا مع أمهاتهم في الثورة ستنضم أسماؤهم إلى ملفات المشبوهين والمغضوب عليهم إلى أن يتغير سلوكهم، وبالطبع سيضرب الحصار على غزه للتو، ويزول قلق «إسرائيل» وخوفها ، ولربما يتم غلق جميع السفارات التي ساهمت دولها في تأييد هذه الثوره الملعونة»، وغلق الحدود مع كل دولة قامت فيها بالفعل ثورة أو أيدت ثورة، ولا يهم بعد ذلك أن ترحل جميع الكوادر العلمية وكل من له رأي وكل من له صوت، ويتعود أفراد الشعب على لغة الخرس والبكم مجانا دون مقابل، ولا يبعد أن يتم حذف كل آية قرآنية يعترض على فحواها مسلم أو مسيحي، أو يهودي من الكتب الدراسية، وقد يتبنى نظام الحكم حينئذ كتابا كالميثاق أو الكتاب الأخضر، ويعطى المواطنون أنواعا من الحريات العجيبة، فكل طالب له الحرية في الذهاب إلى المدارس والجامعات أو عدم الذهاب، المهم ألا تكون هناك أية احتجاجات والمستشفيات بالطبع سيسوء حالها أكثر وأكثر، فهي لن تحصل على أي دعم على الإطلاق وعليها أن ترتب أمورها بنفسها ، أما اقتصاد البلد فالعصابة القديمة كفيلة بالقضاء على ما تبقى منه، ومن يعترض على سلب أرضه أو نهب أمواله، فلا يلومن إلا نفسه، أما الأمن والأمان فهو لمن يؤيد ويهلل، والويل لمن يعصي فبالعصا سيكون التفاهم معه، والإعلام سيتحرر من قيود المتزمتين والمبدعون هم المسبحون بحمد النظام، ولهم مطلق الحريات وغيرهم لا حرية لهم، أما السياحة فكل شيء مباح لها دون قيود أو حدود، وإن لزم الأمر تتغير القوانين من أجل عيون السياحة، أما الآثار فسوف يتم تصديرها بواسطة المسؤولين وزوجاتهم ليراها العالم كله، وينبهر بعظمة حضارتنا .
كابوس مريع
حركت رأسي لأنفض عن أفكاري هذا الكابوس المريع، وتسارعت أنفاسي وشعرت بالدوار، فقط لمجرد التخيل، وللأسف نحن = نعيش في كابوس واقعي وليس بخيال، فهناك آلة ضخمة تعمل بقوة وإمكانيات هائلة على أن يصبح رمز العهد البائد رئيسا، ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فسينزل الشعب للتصويت، وسندعو كل من بيده بطاقة تصويت للنزول والتصويت المرشح الثورة د. محمد مرسي» فهو الأمل والبداية الصحيحة لشعب عاش سنوات من عمره مقهورا . وجاء يوم الحكم على «مبارك» وبعض أركان حكمه، فكانت البراءة لكبار المسؤولين عن الأمن أيام أن قتل الآلاف تحت سمعهم وأبصارهم وعلمهم وربما بأوامر من بعضهم، ولربما يلحقهم «مبارك» و«العادلي» في النقض، فالواضح أن الأدلة التي قدمت للمحكمة سوغت للمحكمة إصدار ذلك الحكم وكانت صدمة، ولكنها صدمة متوقعة فمن ناحية أن الجنود المنفذين يلحقون زعمائهم مثال فرعون وجنوده مع الفارق) ومن ناحية أخرى فالسلطة التنفيذية التي تتولى مقاليد الأمور ما زالت في يد رموز النظام البائد وإن تبرؤوا منه.
تضييع الفرص وإلا على رأي المثل المصري سيصبح حاميها حراميها»، وقد أعطى شعب مصر لجنود فرعون (أقصد مبارك الفرصة تلو الأخرى، ولكنهم أضاعوها ، فغنى الشباب بالميدان، ومع أشعة الشمس المحرقة نزلنا من جديد نهتف: إيد واحدة، وهذه المرة نتكاتف مع مرشح الثوره الأمل المتبقي لثورتنا السلمية مع د. محمد مرسي» حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا .
وبعد المحاكمات هرع المصريون بالآلاف إلى الميادين بشكل عفوي وبالطبع إلى ميدان التحرير، ومع هتافات الشباب للميدان كنت فين من زمان أخذوا يعلنون قبل احتجاجهم عن صدمتهم، ورفض لا قامت به الأجهزة المسؤولة من إزالة وحجب كافة أدلة الإدانة المهمة، ثم يجدون بعد ذلك ترشيح أحد أعمدة النظام القديم، وتخصيص دعاية له تحتاج الإنفاق بالملايين، لا أدري كيف يستسيغ العقل البشري الطبيعي غير المريض مثل هذه الأمور صعبة التصديق، ولكنها تعبر عن حب الدنيا بأبشع صورها ؟!
الاعتصام بالميدان
قرر كثير من المتجمعين الاعتصام بميدان التحرير، فمصر تعيش فترة حرجة من انتخابات، وأيضا امتحانات طلبة الثانوي وطلبة الجامعة، مع الأنفس القلقة المضطربة بسبب وجودهم بالرغم عن بعضهم في مفرمة صنع التاريخ، فهؤلاء الناس لا يقرؤون التاريخ، وبيد أحدهم كأس من العصير يشرب منه، ولكنهم الآن الشباب، فتلقوا أشعة شمس قوية وحموا بأجسادهم الأرض من أشعتها، ولا يمنعهم الحر من الهتاف بصوت هادر لإسقاط النظام البائد وكل آثاره ورموزه، ويبحثون مع السيارات عن بوسترات لـ«مرسي» يرفعونها رغبة في إسقاط ذلك النظام، وقد تتجاوز الألفاظ ما تعارف عليه الناس، وبالرغم من ذلك فحماسهم وحبهم الأصيل لمصر يجعل المستمعين يغفرون ويبتسمون لهم على أمل أن يصلح الله الأحوال، ويأتي لحكم مصر من يأخذ بأيديهم، ويقدم لهم يد المعونة الحانية.
مكتنا على الكوبري لنصل الميدان التحرير مدة طويلة جدا، فقد كان الشباب من كثرتهم يتحركون بمشيتهم، وتتبعهم السيارات، ووصلنا الميدان على أذان المغرب فاصطففنا مع المصلين لأداء الصلاة ولفت نظري أن الصلاة ليست جامعة لكل الميدان كما كنا في الأيام الأولى للثورة، بل كل مجموعة تصلي بمفردها، ولفت نظري أيضا الكثير من الشباب الذين لم يصلوا مع الجماعة، وعند سؤالهم ظهر الحرج .
على وجوههم، وقالوا : عند رجوعنا المنزل سنصلي، وبعد الصلاة، كنت أسمع في كل بقعة إيد واحدة».
مقاطعة الانتخابات
ولكني أرى من يرتدون من الشباب ملابس منسوج عليها «مقاطعون» وهي قمصان متشابهة وكأن جهة قامت بحياكتها خصيصاً وتوزيعها على أناس بأعينهم، وأوقفت بعضهم لسؤالهم لماذا مقاطعون؟ ومن ستقاطعون؟ فقالوا : الانتخابات، لن نصوت لأحد، ولماذا ؟ سؤال عفوي خرج تلقائي قالوا : لا نريد أيا من المرشحين، يا مثبت العقل والدين يارب هكذا أسررت لنفسي، واحد منهم ونعلم ما يحيط به، ولكن مرشح الثورة الذي بتصويتي له حر لماذا نعاديه؟ وفي هذه المرحلة
الحساسة من تاريخ مصر، بعضهم يرفض أصلا الحوار أو المناقشة، وبعضهم يتحاور، ولكن صوت الألتراس الهادر «مرسي مرسي صوتنا لمرسي»، يجعل المتحاورين ينصتان فتصبح حجة المقاطع تتهاوى، نظرت يمينا ويسارا، فكل الأعمار موجودة وكل القوى الشريفة المخلصة متواجدة، وكأن كل بائعي مصر حاضرون للمشهد، وكأن مفجر ثورة تونس البائع جعلهم يخرجون ليبيعون بصمت، ليثبتوا وجودهم أيضا في مصر، خرجت من جهة قصر النيل، فكانت الأفواج الداخلة للتحرير بالمئات تتحرك بهتاف يتلوه هتافات، وفي طريقي لفت نظري بكاء طفل صغير، متشبث بيد والده، يبكي حينا ويعتب على والده أحيانا ، دق عتابه على أثير الهواء فأرهفت الآذان للبكاء، وقال الصبي وهو ينتحب : لماذا شاركتني الطعام، تحضر لي البسكويت وتأكل معي؟ فيرد الوالد : ياولد لقد أطعمتك معي ! بل كان لك النصيب الأكبر، فينتحب الطفل ناظرا لأبيه بدموع تملأ مقلتيه وبنظرات عتاب أوجعت قلبي ولكني أشعر بالجوع فهل إلى طعام من سبيل؟ والأب منشغل عنه بسؤال المارة: أين أجد محطة المترو؟ ويصرف نظره، بل يتعمد سد مسام الهواء أن تصل لمسامعه تحمل معها شكوى فلذة كبده، فتحت حقيبتي فقد كنت أحمل بعض الطعام وأخرجته سريعا، وأنا أخاطب الصغير : ها هو الطعام قد أتى إليك مهرولا، ابتسم الطفل سريعاً، وكأنه لم يكن يبكي وأخذ الكيس يخفي ما فيه عن والده حتى يستأثر به ضحك الوالد ملء شدقيه وهو مازال يسأل أين محطة المترو؟ نظرت لهما فوجدت الملابس تنم عن قوم متوسطي الحال، ولكن يبدو أن الأب لا يحمل معه ما يكفي من النقود، إما لأنه عاطل عن العمل أو لأنه رجل يعمل بشرف، وليس بسارق ولا من جامعي الرشوة، ويبدو عليه أن تعليمه عال، نظرت إليهما وهما يبتعدان رويدا رويدا ودموعي تتساقط على أهل بلدي، بعد أن عاث فيها المفسدون تخريبا ونهبا، فهذا هو الشعب المصري الأصيل المشارك في الثورة لعلها تنجح، ولعل أحواله وأسرته تتحسن.
باعة جائلون
واصلت طريقي فرأيت على طول كوبري قصر النيل وكوبري الجلاء يصطف الباعة الجائلون، والقهاوي العشوائية يفترشون كراسيهم ناظرة إلى النيل مباشرة وعلى طاولة متواضعة يصنعون الشاي والقهوة والغريب جلوس الناس على هذه الكراسي من جميع المستويات، فمن يتعب ليس أمامه إلا أن يجلس قليلاً ناظراً إلى جمال نيل مصر الأخاذ، وقلت في نفسي: كان الله في عون حاكم مصر القادم، كيف سيعيد النظام إلى مصر؟ وكيف سيقنع هؤلاء الباعة أن الثورة ليست رديفا للفوضى؟ ووقفت أنظر إلى النيل وإلى السماء، وأدعو الله بضراعة وخشوع أن ينقذ مصر مما يحاك لها، وأن يولي من يصلح لحريتها ونهضتها، وكأني سمعت النهر والسماء والمراكب والحيتان والسمك وكل من خلق سبحانه يرددون في صوت واحد «آمين». ومازال الغربال في حركته الدائبة، ومازلنا ننظر لأناس كنا نظنهم شرفاء صادقين ولكن أفعالهم فضحتهم، وأقوالهم خدعتهم وتتوالى الحقائق في الظهور وأصبحنا نخاف من خفايا أنفسنا ، ونسأل الله الثبات والموت ونحن على الصراط المستقيم، أخذت نفسا عميقا وواصلت سيري، وقد أوى الانشراح إلى صدري ..