; من الفقه المطلوب | مجلة المجتمع

العنوان من الفقه المطلوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

مشاهدات 89

نشر في العدد508

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

الفقه هو الفهم لغة، وفقه أمر ما ... هو معرفته وفهمه والدراية والإحاطة به من كل جوانبه والفقه – ولعله كصفة – يطلق على المرتبة العالية العميقة من الفهم والإدراك، وإلا فإن إدراك العامة لأمر ما – بإجمال – يُعتبر فهمًا، ونقول فقه فلان أمرًا، إنما هو تعبير يُراد به أنه أدرك وفهم واستوعب وأحاط بالأمر من كل جوانبه، وهو غير ذلك الفهم السطحي الذي استسيغ للعامة، وهذا هو أصل المعنى لكلمة الفقه.

«راجع مختار الصحاح ص ‎٥٠٨‏».

ولكن خص به علم الشريعة لذلك أطلق على العالم بها «فقيهًا» «وتفقه» إذا تعاطى ذلك العلم «وفاقهه» باحثه في ذلك العلم.

أقول: إنما الفقه بمراده الأصلي هو ما نبتغيه ونرضاه للداعية في كل أمره وشأنه وتحركه وعلمه.. الفقه المستلزم عملًا..

إن جانب الدعوة في الإسلام هو الجانب الأعظم الذي يحتاج منا لفقه، ولهذا كانت حاجتنا كبيرة، لما نطلق عليه الآن مصطلح فقه الدعوة، والذي نعني به «الفهم والإدراك العميق لماهية الدعوة الإسلامية وحقيقتها وسبيلها ومقتضياتها»، حيث إن فقه العامل لدعوة الله لا يقتضي منه أن يعمل على ترديد نظريات العمل الإسلامي في جوانبه المتعددة، من تربية وتخطيط ...إلخ بكلمات تنطق، ولكن بترجمة ذلك إلى وقائع محسوسة تسهم في الدفع المباشر والتطوير الفعلي والكسب الحقيقي لذلك العمل.

وهنا استعراض لبعض الجوانب التي يجب أن يفقهها الداعية وهو في مجال تحركه في الدعوة:

 أن يفقه إن العمل الإسلامي ليس هو المعلومات بذاتها، بقدر ما هو تعويد الداعية نفسه على أن يبذل قواه العقلية والجسمية، وينفق ماله وجهده ضمن خطة الدعوة ولتحقيق أهدافها.

 أن يفقه حق الفقه طبيعة مهمته، وأدوار الدعوة ومراحلها.

 أن يفقه أن هذه المهمة التي ألقيت على عاتق العاملين في الحركة الإسلامية لابد لها من شخص يفكر ويتحرك بنفس مستوى المهمة الرفيعة.

‏ وأن يكون تفكيره ليس مجرد تفكير نظري ‏ليس له رابط بواقع الدعوة ومشاكل الطريق، ‏وإنما يكون تفكيرًا عمليًّا يتلمس الحلول الواقعية المناسبة، وليس هذا فقط، وإنما فقهًا يحمل معه قوة دافعة ذاتية تدفع الداعية دفعًا سريعًا للمشاركة في إحلال هذه الحلول موضع التنفيذ.

‏ ومن الفقه – وهو كما كررنا المستلزم عملًا – معرفة ضرورة علو الهمة والمبادرة إلى الامتثال إذا انتدب لأمر ما. 

ومنه صدق الوعد والشعور بواجبه كقدوة للناس، وما يجب عليه من الأدب وتزكية النفس.

وأن من الفقه أن يسلك الداعية بنفسه وبمن معه من إخوانه المسلك الذي يبرز ويُرسِّخ شعورهم بشمول الدعوة وما يقتضيه هذا الشمول من لزوم الجمع بين الأمور الروحية والسياسية والحركية والعلمية جميعًا، دون الاصطباغ باتجاه واحد.

‎‏ إن أبرز ما يؤكد فقه الداعية، وخاصة في تحرًّكه، هو تمكنه من أن يربط يوميات نشاطه وإخوانه وتفكيرهم والوقائع الجزئية والكبيرة في حياتهم الإسلامية بأهداف الدعوة.

ومن الفقه أن يعمل على أن يركز جهوده وإخوانه للوصول بالعمل الإسلامي إلى درجة حسنة من المتانة، وبالتربية الروحية والأخلاقية إلى عمق كبير، وبالوعي السياسي إلى نضوج كافٍ، وبالفكر الإسلامي إلى صفاء كامل لا تشوبه شائبة مهما لاقت من ترهات الفلسفة والمشاعر والمبادئ الأرضية.

ومن هذا – وهو جزء من حديثنا حول فقه الداعية – وغيره؛ جاء وصفنا لفقه الداعية بأنه فقه هادف، لأنه ينبع من حاجة الدعوة، ويترعرع في محيط الدعوة، وتحتمه قوانين الدعوة، ويسير وفقًا إلى هدف الدعوة الأساسي، الذي رسمه وقرر إبعاده التخطيط التربوي الحركي.

ولنعلم أن منهاج العمل الإسلامي يقوم على الفقه – بالمعنى الذي حددناه – والإيجابية والعطاء، ويرفض السذاجة والسلبية والضياع.

الرابط المختصر :