; من النسيان ما هو نعمة: | مجلة المجتمع

العنوان من النسيان ما هو نعمة:

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 1018

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

من النسيان ما هو نعمة:

 

تصورت للحظة أننا خلقنا باستعدادات لا تؤهلنا للاحتفاظ بالمعلومات الجديدة، ولا المواقف الجميلة إلا لبضع دقائق ثم يتلاشى كل شيء وتخيلت كم كانت ستكون الحياة تافهة وفارغة، لو أنا خلقنا باستعدادات تجعلنا غير قادرين على استبعاد أو نسيان التجارب المؤلمة والمواقف المؤذية وأحسست ألم الحياة على هذا النحو، ومما زاد في يقيني أن الإنسان لم يخلق إلا في أحسن تقويم، ومما دعاني لتثبيت قناعة مفادها أنه إن كانت قدرتنا على تذكر ما يحيي النفوس من النعم، فإن قدرتنا على نسيان ما يقتلها هو من النعم الكبرى.

 

وكون النسيان نعمة قد يجعله هذا – كلية نعمة أخرى – أملا بعيد المنال ومع أن نسيان المعلومات غالبا ما يتم بسهولة وبدون إرادة، فإن نسيان المواقف على العكس من ذلك يتطلب من الجهد والعزم ما ليس بالقليل مما يجعله يستعصي علينا وبالتالي نجد أنفسنا مرغمين على التوقف في محطة من محطات الماضي بينما العالم يسير. وهذا خطأ يتطلب الخروج منه استحضار كافة السبل فإن قررت أنه لا سبيل أمامك إلا النسيان للخروج من واقع صعب على اعتباره الحل الوحيد لإمكان استمرارك في الحياة بدون معوقات نفسية، وعلى اعتباره الأسلوب الوحيد الذي ستستطيعين بواسطته ممارسة نشاطاتك ومواصلة مسؤولياتك على الوجه الأكمل، وعلى اعتبار أيضاً أننا كثيراً ما نجد أنفسنا أمام حالات مفروضة علينا، ولا نقدر على توجيهها الوجهة التي نريد أمام مثل هذه الحالات يكون النسيان ضرورة ملحة ونعمة مرجوة، ولأن الطب لم يكتشف إلى الآن جرعة دواء يساعد على نسيان ما تريد نسيانه فإن العبد سيكون عليه الاستعانة ببعض العوامل الخارجية التي سخرها الله رحمة بعباده أهمها عامل الزمن، إذ كلما اتسعت الهوة الزمنية بينك وبين الذكرى كلما سهل نسيانها وتلاشيها، وتلعب أهمية الذكرى بالنسبة لنا دورا مهما في سرعة أو بطء النسيان.
 تساعدك أيضا المعلومات الجديدة والمشاعر الجديدة، والمشاغل الجديدة التي ستؤدي دورها في صقل عملية النسيان أيضا يقول علماء النفس أن الذاكرة منتجة، فهي لا تكف عن تغيير معالم الصورة الأصلية للذكرى إلى أسوأ أو إلى أفضل - ربما حسب رغبتنا.

 

ومع أن النسيان يمثل عامل حماية لأنفسنا مما هو مؤلم وقاس إلا أن الوصول إليه ليس بهذه البساطة لأنه حتى بعد أن يتم فهو لا يعني قتل الذكرى، ودفن المواقف، إنما مجرد استبعادها عن ساحة التفكير والذكريات المخزونة كثيرا ما تحركها المواقف الجديدة. كما وتتدخل العديد من الوقائع اليومية في تحريك ما كان يعتقد أنه منسي.

 

هذا والقاعدة ليست عامة إذ تثبت الدراسات النفسية أن مرور الزمن مضافا إليه العوامل الأخرى وإن كان يلعب دورا هاما في إسقاط الذكرى عن ساحة الوعي، إلا أنه في أحيان كثيرة يزيدها ثباتًا ورسوخا في عمق النفس خصوصا تلك الذكريات التي مست المشاعر وجسدت المعاني الجميلة. جاهدي نفسك إذن في محاولة نسيان ما يعيق حركتك وينقص من عطاءاتك في هذه الحياة ضاعفي إيمانك بالله والقدر، ولا تنسي إنك أولا وأخيرا مخلوقة لأداء مهمة لذلك كان عليك أن تعملي على نسيان كل ما يشوه صورة وهدف هذه المهمة حتى لا تكوني كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

 

ابتهال قدور


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 475

98

الثلاثاء 25-مارس-1980

باختصار  (العدد 475)