العنوان من اليمن إلى أفريقيا.. مجاعة تزحف وبطون تئن
الكاتب محمد سرحان
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2017
مشاهدات 75
نشر في العدد 2106
نشر في الصفحة 17
السبت 01-أبريل-2017
63 ألف طفل يمني دون سن الخامسة ماتوا جراء سوء التغذية الحاد خلال العام الماضي فقط
المجاعة في الصومال تكررت منذ عقود كان أشهرها في الأعوام 1974 و1992 و2011م
6 ملايين صومالي يواجهون انعداماً شديداً للأمن الغذائي منهم 360 ألف طفل
رغم المجاعة الشديدة بجنوب السودان فإن الحكومة أنفقت معظم عائداتها النفطية على شراء الأسلحة
مالاوي من أشد دول العالم فقراً فهي دولة حبيسة وتعتمد بشكل أساسي على الأمطار
محمد سرحان
أن تموت جوعاً، أن ينفرط منك عقد عائلتك شخصاً وراء الآخر، تتصاعد أرواحهم إلى السماء في صمت بعد صراع مكتوم مع أنين الجوع.. هذا هو حال أكثر من 30 مليون إنسان يعانون خطر المجاعة التي تزحف من اليمن إلى منطقة القرن الأفريقي التي تشمل الصومال وإريتريا وكينيا وجيبوتي، بالإضافة إلى نيجيريا وجنوب السودان ومالاوي.
اليمن السعيد لم يعد سعيداً، فقد لخص مسؤول الأنشطة الإنسانية بالأمم المتحدة «ستيفن أوبراين» الوضع في اليمن بقوله: «إن اليمن يعاني أزمة إنسانية تعد الأضخم في العالم»، في ظل استمرار فشل إيصال المساعدات إلى العديد من المتضررين والجوعى وتواصل موجات النزوح، كما كشفت تقارير أممية أن اليمن دخل رسمياً في دوامة المجاعة، حيث إن هناك أكثر من 7 ملايين يمني أغلبهم من الأطفال بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة، وإن نحو 19 مليون يمني من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 26 مليوناً، غير قادرين على إطعام أنفسهم، فيما يشتد سوء الأوضاع في محافظات تعز ومأرب وحضرموت وصعدة وحجة والحديدة.
ومن جانبه، دعا «برنامج الأغذية العالمي» الأطراف المتحاربة والسلطات في عدن وصنعاء إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى الجوعى الذين باتت حياتهم مرتبطة بالحصول على المساعدات والأغذية اللازمة، وأوضح البرنامج أنه اضطر إلى تخفيض الحصص الغذائية بسبب نقص التمويل كي يتمكن من توفير المساعدة لعدد أكبر من الأشخاص.
وتزداد أعداد المتضررين مع استمرار المعارك والغارات الجوية والتي تتسبب في سقوط مزيد من الضحايا فضلاً عن تخريب البنية التحتية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية وكانت منظمة «اليونيسيف» التابعة للأمم المتحدة، أعلنت في وقت سابق، وفاة 63 ألف طفل يمني دون سن الخامسة، جراء سوء التغذية الحاد خلال العام الماضي، في ظل تدهور الوضع في البلاد وانهيار المنظومة الصحية.
الصومال.. مجاعة متكررة والحلول غائبة:
في الصومال أطلت المجاعة برأسها مجدداً على هذا البلد الذي على ما يبدو لم يتعافَ بعد من كابوس المجاعة الذي اجتاحه في عام 2011م عندما توفي أكثر من ربع مليون شخص أغلبهم من الأطفال.
فالمجاعة في الصومال ظاهرة تكررت منذ عقود كان أشهرها في الأعوام 1974، و1992 و2011م، وسببها الرئيس غياب الأمطار أو عدم انتظامها وندرتها في بعض المواسم، ومن هنا يكمن الحل الرئيس لهذه الكارثة، وهو إيجاد طرق عملية لتوصيل المياه إلى المناطق التي تعتمد على الأمطار لا سيما المناطق النائية، بشكل دائم بما يجنب الأهالي الحاجة إلى النزوح، خاصة مع بُعد المسافات عن المدينة وانعدام وسائل المواصلات، إذ يضطر الناس للمشي لنحو خمسة أيام للوصول للمدينة ويموت منهم أعداد كبيرة خلال رحلة النزوح.
وتتركز المجاعة في المناطق الشمالية والشرقية للصومال، كما امتدت أيضاً إلى المناطق الوسطى والأقاليم الزراعية جنوبي البلاد، بسبب تراجع مستويات مياه نهري «جوبا» و«شبيلي» بعد توقف الأمطار خلال المواسم الثلاثة الأخيرة، وقضى الجفاف على مساحات واسعة من المراعي؛ ما تسبب في نفوق الآلاف من رؤوس الماشية التي يعتمد عليها السكان المحليون للبقاء على قيد الحياة؛ حتى أصبح أكثر من 6 ملايين شخص يواجهون انعداماً شديداً في الأمن الغذائي؛ وبالتالي يعتمدون كلياً على المساعدات الإنسانية، منهم ما لا يقل عن 360 ألف طفل يعانون من نقص حاد في التغذية، وسط تحذيرات من ارتفاع العدد إلى مليون حال عدم توافر الدعم اللازم، بالإضافة إلى نحو 70 ألف طفل مهددين بالموت فعلياً، وفق تقرير للأمم المتحدة التي زار أمينها العام «أنطونيو جوتيريس» منطقة بيدوا في الصومال أوائل مارس المنقضي، ليدق للعالم ناقوس الخطر من هناك.
ومع تردي الأوضاع الإنسانية، وافقت الأمم المتحدة على قرض طارئ بقيمة 22 مليون دولار في محاولة للحيلولة دون تكرار المجاعة بالصومال، والتي إن خيمت على البلاد فستكون المجاعة الثالثة التي تضرب الصومال منذ عام 1992م.
مجاعة من صنع الإنسان
في منطقة القرن الأفريقي أيضاً، امتد شبح المجاعة إلى جنوب السودان هذه الدولة التي ولدت في عام 2011م بعد الانفصال عن السودان، فالمجاعة في جنوب السودان وإن كانت في جزء منها جراء الجفاف، إلا أنها ليست بذنب الطبيعة وحدها، إذ إن المجاعة هناك في غالبيتها ووفق منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في جنوب السودان «يوجين أويوسو»، هي من صنع الإنسان، فقد اجتمعت عوامل الحرب الأهلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتدهور الإنتاج الزراعي.
ففي فبراير الماضي، أعلنت حكومة جوبا ومنظمات إغاثية دولية، أن أجزاء من جنوب السودان تعاني المجاعة جراء الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية الطاحنة، خاصة بعض المقاطعات في ولاية «الوحدة» التي تسكنها غالبية من قبائل «النوير»، وهذه الولاية هي مسقط رأس «رياك مشار»، النائب السابق للرئيس «سلفاكير»، والذي يمثل أحد طرفي الصراع والحرب الأهلية بجنوب السودان التي اندلعت في أواخر عام 2013م، على خلفية قبلية بين أنصار «سلفاكير» من جهة، و«مشار» من جهة أخرى.
فخلال مؤتمر صحفي في جوبا، قالت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وبرنامج الغذاء العالمي: إن المجاعة تؤثر حالياً في أجزاء من ولاية الوحدة شمال وسط البلاد، إذ بات 100 ألف شخص يواجهون خطر المجاعة فعلياً، فيما توقع رئيس المكتب الوطني للإحصاءات بجنوب السودان «إساياه تشول أرواي» أن يعاني نحو 5 ملايين آخرين من انعدام الأمن الغذائي بحلول شهر يوليو.
وفي أوائل مارس، دعت الأمم المتحدة، على لسان «ستيفن أوبراين»، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إلى ضرورة إرسال مساعدات غذائية عاجلة لإغاثة أكثر من 100 ألف شخص في ولاية الوحدة، ونحو مليون آخرين على حافة المجاعة في أجزاء عدة من جنوب السودان، توقفت فيها أعمال الزراعة منذ اندلاع الحرب الأهلية.
من جانبها، وصفت منظمات إنسانية في السودان أوضاع اللاجئين من جنوب السودان في مخيماتهم بولاية النيل الأبيض الحدودية، بالكارثية، محذرة من مخاطر كبيرة نتيجة استمرار تدفق آلاف الأسر المهددة بالمجاعة من جنوب السودان، بمعدل ما بين 100 و150 أسرة يومياً إلى المخيمات.
وفي وقت سابق من هذا العام، كانت مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين قد أعلنت أن نحو 1.5 مليون شخص فروا من القتال والمجاعة في جنوب السودان إلى الدول المجاورة، فيما كانت منظمة «أنقذوا الأطفال» البريطانية، أعلنت تعليق جميع عملياتها الإنسانية في منطقة «وات» شمال شرقي جنوب السودان بعد تعرض مخازنها للنهب على يد مجهولين.
وبرغم انتشار المجاعة والأزمة الإنسانية، وتأكيداً لما أعلنه منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة، فإن أزمة المجاعة في جنوب السودان «من صنع الإنسان»؛ حيث كشف تقرير أممي صدر في مارس 2017م، النقاب عن إنفاق حكومة جنوب السودان معظم عائداتها النفطية على شراء الأسلحة.
في مالاوي.. بطون الفقراء أولى من طائرة الرئاسة:
ومن جنوب السودان، إلى دولة مالاوي الواقعة جنوب شرقي أفريقيا، وهي واحدة من أشد دول العالم فقراً، حيث إنها دولة حبيسة لا تطل على سواحل، تعتمد بشكل أساسي على الأمطار، وتمثل الفيضانات، إلى جانب عدم انتظام هطول الأمطار خلال الموسم الزراعي، عاملين يفاقمان أزمة الغذاء، لسكان مالاوي البالغ عددهم نحو 16 مليون نسمة.
تعتمد الزراعة في مالاوي على الأمطار، والتي عادة ما تكون في فصل الصيف، ومحصولها الأساسي هو الذرة، وتشتد أزمة الغذاء في الفترة من ديسمبر إلى نهاية مارس من كل عام، حيث يكون قد نفد المحصول القديم ويبقى أمامهم الاعتماد على المساعدات، حتى إن الأسرة المالاوية قد يمر يومان أو ثلاثة دون وجود طعام.
هذا الواقع بلا شك أثر على الحياة في مالاوي وخاصة حياة الأطفال، كما ساهم في انتشار الأمراض والأوبئة، ووفق منظمات إنسانية، فإن نحو ثلاثة ملايين شخص يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الغذاء الكافي لعيش حياة صحية.
فرغم اتساع أراضي مالاوي فإن هذه المساحات الشاسعة من الأراضي غير قادرة على تأمين احتياجات سكانها من الغذاء، في ظل التغير المناخي وعدم انتظام هطول الأمطار المصدر الرئيس للزراعة.
وسبق أن قامت مالاوي ببيع الطائرة الرئاسية مقابل 15 مليون دولار، لتدبير سيولة مالية لشراء محصول الذرة للمساعدة في إطعام الآلاف من الجوعى.
وهكذا؛ ففي ظل ارتفاع أنين الجوعى وتزايد معدلات خطر المجاعة، يبقى جزء آخر من العالم منشغلاً بإشعال الحروب أو صناعة الاضطرابات، ليبقى لهؤلاء الجوعى فقط قطرات المطر تتنزل عليهم من السماء تنبت أجسادهم الهزيلة مجدداً، أو تتصاعد أرواحهم إليها في صمت.>