; من بحوث المؤتمر.. ثقافة الداعية ومصادرها | مجلة المجتمع

العنوان من بحوث المؤتمر.. ثقافة الداعية ومصادرها

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1977

مشاهدات 121

نشر في العدد 342

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 22-مارس-1977

الدعوة إلى الله تعالى هي مهمة الرسل والأنبياء الذين هم خيرة الله من عباده، وسفراؤه إلى خلقه، وهي مهمة خلفاء الرسل وورثتهم من العلماء العاملين، والربانيين الصادقين، وهي أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى؛ لأن ثمرتها هداية الناس إلى الحق، وتحبيبهم في الخير، وتنفيرهم من الباطل والشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: 33).

والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه، واتباع هداه، وتحكيم منهجه في الأرض، وإفراده -تعالى- بالعبادة والاستعانة والطاعة والبراءة من كل الطواغيت التي تطاع من دون الله، وإحقاق ما أحق الله، وإبطال ما أبطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.

وبعبارة وجيزة: الدعوة إلى الإسلام خالصًا متكاملًا، غير مشوب ولا مجزأ، ومثل هذه الدعوة إلى هذه المعاني ليست بالأمر الهين الذي يقابل بالإغضاء والسكوت، أو الموافقة والقبول، وكيف تقبل هذه الدعوة العقول الجامدة أو القلوب المريضة، أو القوى المتسلطة، أو الفئات التي أضلها الهوى أو أغرقها حب الدنيا؟!

لهذا كان لا بد للداعية الذي يريد أن ينتصر في معركته على الجهل والهوى والتسلط والفساد، أن يتسلح بأسلحة شتى لازمة له في الدفاع والهجوم.

وأول هذه الأسلحة -ولا ريب- سلاح الإيمان؛ فبدونه يبطل كل سلاح وتفشل كل ذخيرة، وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

وثاني هذه الأسلحة هو: الأخلاق، وهي من لوازم الإيمان الحق وثماره، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا.

وقد وصف الله سيد الدعاة من خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4) وخاطبه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ (آل عمران: 159).

وثالث هذه الأسلحة هو: العلم أو الثقافة. فهذه هي العدة الفكرية للداعية بجوار العدة الروحية والأخلاقية. الدعوة عطاء وإنفاق، ومن لم يكن عنده علم ولا ثقافة، كيف يعطي غيره؟! وفاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يملك النصاب كيف يزكي؟

وحديثنا في هذا البحث عن هذا الجانب خاصة: الجانب الفكري أو الثقافي المطلوب للداعية المسلم.. كيف يعد الداعية نفسه؟ أو كيف نعده نحن الإعداد الثقافي المنشود؟ وبعبارة أخرى: ما الثقافة اللازمة للداعية إن أردنا أن ننشئ مدرسة للدعاة، أو كلية للدعوة، أو أراد أحدنا أن يكون من نفسه داعية قادرًا على التوجيه والتأثير؟

إن الجواب عن هذا السؤال هو موضوع هذا البحث، الذي أردته مختصرًا، فطال بالرغم مني، ولعل في ذلك الخير، فالموضوع تتطلبه الحاجة اليوم، وبخاصة أن أكثر من كلية للدعوة أنشئت وتنشأ في عالمنا الإسلامي.

ولقد تبين لي أن الداعية في حاجة إلى مجموعة من الثقافات هي:

١- الثقافة الإسلامية.

٢- الثقافة التاريخية.

٣- الثقافة الأدبية واللغوية.

٤- الثقافة الإنسانية.

٥- الثقافة العلمية.

٦- الثقافة الواقعية.

والمطلوب من الداعية الناجح أن يتمثل هذه الثقافات ويهضمها، ويكون منها مزيجًا جديدًا طيبًا نافعًا أشبه شيء بالنحلة التي تأكل من كل الثمرات، سالكة سبل ربها ذللًا، لتخرج منها بعد ذلك شرابًا مختلفًا ألوانه، فيه شفاء للناس، كما أن فيه لآية لقوم يتفكرون.

وسأتحدث عن كل واحدة من هذه الثقافات الست بما يفتح الله به، ويتسع له المقام، وبالله التوفيق.

                                                                 الدوحة ١٨- ١٢- ١٣٩٦هـ

أولًا: ثقافة إسلامية

إن أول ما يلزم الداعية المسلم من عدة فكرية، أن يتسلح بثقافة إسلامية ثابتة الأصول، باسقة الفروع، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ (إبراهيم: 25). ونعني بالثقافة الإسلامية: الثقافة التي محورها الإسلام: مصادره، وأصوله، وعلومه المتعلقة به، المنبثقة عنه. وهذا أمر منطقي، فإن الداعية الذي يدعو إلى الإسلام لا بد أن يعرف: ما الإسلام الذي يدعو الناس إليه، ولا بد أن تكون هذه المعرفة معرفة يقينية عميقة، لا سطحية مضطربة. ولهذا كان لا بد أن يستمد هذه المعرفة عن الإسلام من مصادره الأصلية ومن ينابيعه المصفاة، بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

وبهذا يكون الداعية على «بينة من ربه»، وتكون دعوته على بصيرة كما أراد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه واهتدى بهداه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).

لا بد للداعية إذن أن يقف على أرض صلبة، من دراسة العلوم الإسلامية دراسة وعي وهضم وتفوق، ثم يخرج منها شرابًا مختلفًا ألوانه، ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ (النحل: 69).

القرآن الكريم وتفسيره 

القرآن الكريم هو المصدر الأول للإسلام؛ وبالتالي للثقافة الإسلامية. كل تعاليم الإسلام يجب أن ترجع في أصولها إلى القرآن: العقائد، والمفاهيم، والقيم، والموازين، والعبادات، والأخلاق، والقوانين والشرائع.. كل هذه قد وضع القرآن أسسها، وأرسى دعائمها، وجاءت السنة فبينت وفصلت وأقامت عليها بنيانًا شامخًا لا تنال منه الليالي والأيام. 

وقد حوى القرآن من حقائق الغيب، وحقائق النفس، وحقائق الحياة، وحقائق الاجتماع الإنساني، وبين من سنن الله تعالى، ومن آياته في الأنفس والآفاق ما لا يستغني بشر عن معرفته، والاهتداء به.

وقد صاغ ذلك كله في أسلوب معجز هو «نور من الكلام، أو كلام من النور» لا يوصف إلا بأنه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود: 1).

وصفه منزله بأنه «نور»، والنور من طبيعته أن يضيء ويهدي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (النساء: 174).

كما وصفه بأنه روح، والروح من طبيعته أن يحرك ويحيي: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا (الشورى: 52).

ولهذا كان شأن المؤمنين المهتدين بالقرآن أن يوصفوا بالحياة وبالنورانية معًا.. انتصروا على الموت وعلى الظلام جميعًا، يقول تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (الأنعام: 122).

وينبغي للداعية أن يحفظ من القرآن الكريم قدر ما يستطيع، بل يحسن بالداعية أن يحفظ القرآن كله ويستظهره، متى تيسرت له أسباب ذلك، وليكون أقدر على استحضاره والاستشهاد به في كل مناسبة ممكنة، فالقرآن ذخيرة لا تنفد، ومعين لا ينضب لإمداد الدعاة.

ومن اللازم -للحافظ وغير الحافظ- دوام التلاوة لكتاب الله بخشوع وتأمل وتدبر، تتفتح معه أقفال القلوب، وتنشرح الصدور لما جاء به من الحق، وتقتبس العقول منه أنوار المعرفة، وتجتني ثمار الحقائق.

ودوام هذه التلاوة مع التفهم والتدبر، يجعل الداعية متمكنًا من استحضار الشواهد القرآنية، التي يريد أن يؤيد بها فكرته، ويمنحها نسبة إلهية.

بل مما يلزم الداعية الموفق أن يحسن تلاوة القرآن بإتقان وترتيل كما أمر الله.

وأن يدرس من أحكام التجويد ما يصحح به قراءته، حتى يتلوه بخشوع وتأثر وحزن، فإن وجد بكاء بكى، وإلا تباکی.

خصائص القرآن 

وينبغي أن يريد أن يفهم القرآن أن يقرأه وهو يعي خصائصه ومميزاته ويدركها بعقله وقلبه.

1- كلام الله:

أولى هذه الخصائص: أنه كلام الله خالصًا، غير مشوب بأوهام البشر، ولا بأهواء البشر، ولا بتحريفات البشر، وانحرافات البشر، فهو كله من الله مائة في المائة، من ألفه إلى يائه، ليس لجبريل منه إلا النقل، ولا لمحمد منه إلا التلقي والحفظ، ثم التبليغ والبيان: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (الشعراء: 192- 195).

ومعنى هذا أنه يحمل في ثناياه علم الألوهية المتصفة بكل كمال، المنزهة الألوهية المتصفة بكل كمال، المنزهة عن كل نقص: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (الفرقان: 6).

ولا غرو أن تتصف أخبار هذا الكتاب بالصدق الكامل، وأحكامه بالعدل المطلق: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الأنعام: 115).

وكل ما في القرآن من أخبار ومواعظ، وأوامر ونواه، وتوجيهات وتشريعات يتجلى فيه الحق كله، والخير كله، والجمال كله، والعدل كله، والحكمة كلها، والرحمة كلها، والمصلحة كلها؛ لأنها كلها صادرة ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (النمل: 6) ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت: 42) ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (فصلت: 2) ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (الواقعة: 80).

ومن هنا يختم القرآن كثيرًا من آياته التشريعية بمثل هذه الفواصل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 216)، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الحجرات: 16)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (الإنسان: 30)، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (المائدة: 38)، ﴿إنَّاللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة: 28).

ومن ثم لا يجوز لمخلوق -أيًّا كان شأنه- أن يفرض نفسه على كلام الخالق: يفرض جهله مدعيًا العلم، أو يفرض هواه زاعمًا التحرر، أو يفرض نقصه متظاهرًا بالكمال، فكلمات الله هي العليا، وهي فوق الجهالات والأهواء والأوهام.

٢- التيسير:

والخصيصة الثانية للقرآن هي التيسير، فهو كتاب يسره منزله سبحانه.. يسر تلاوته، ويسر فهمه، ويسر العمل به لمن أراد، لا يكلف الإنسان شططًا، ولا يرهقه من أمره عسرًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (القمر: 17)، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان: 58).

ويستطيع كل إنسان سلیم الفطرة يقرأ القرآن أو يسمعه أو يفهم منه، ويتأثر به ويستقي من منهله، بقدر ما يتسع واديه: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا (الرعد: 17).

ولهذا كان من أوصاف هذا الكتاب: الإبانة والوضوح.. فهو كتاب «مبين» بل هو نور مبين؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (المائدة: 15) ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (النساء: 174).

والنور واضح بين في نفسه، مبين موضح لغيره، فكل بصير لا بد أن يرى النور، ولا يستطيع أن يرى شيئًا بغير النور.

وكل هذا يوجب على الداعية أن يعرض القرآن سهلًا ميسرًا كما أنزله الله، ولا يضعه في إطار من الألغاز والمعميات والتكلفات التي تخرجه عن طبيعته الميسرة، والميسرة كذلك.

كما ينبغي له ألا يكثر من القيل والقال في بيان معاني القرآن، وألا يغرق ويغرق الناس معه في أقاويل يضرب بعضها بعضًا، أو يكرر بعضها بعضًا مع اختلاف الألفاظ، دون أن يكون وراءها ثمرة علمية، أو يخرج منها برأي ناضج محدد.

٣- الإعجاز:

ومن خصائص القرآن: أنه كتاب معجز، أمر الله رسوله أن يتحدى به المشركين من العرب أن يأتوا بحديث كمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله، فغلبوا وانقطعوا، وسجل القرآن عليهم ذلك في جلاء وصراحة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء: 88).

فالقرآن -بهذا- هو آية محمد العظمى، ومعجزته الخالدة. كانت آيات الأنبياء السابقين مادية حسية وقتية، يؤمن بها من عاصرها وشاهدها دون من نأى بهم المكان، أو تأخر بهم الزمان.

أما القرآن فكان آية عقلية أدبية باقية على مر الدهر. وفي هذا جاء حديث البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». والإعجاز القرآني له أوجه أو جوانب عديدة يتجلى فيها، وأهم هذه الأوجه أو الجوانب التي تهم الداعية خاصة ما يلي:

أ- الإعجاز البياني: وهو ما يتعلق ببلاغة القرآن ونظمه وأسلوبه وعباراته وألفاظه، وهو الذي وجه إليه القدامى همهم وأوسعوا القول فيه.

وأسهم في ذلك علماء الكلام مثل الباقلاني، وعلماء البلاغة واللغة مثل عبد القاهر الجرحاني، وعلماء مثل الطبري.. وغيرهم.

وقام المحدثون فيه بجهد مشكور مثل الرافعي في «إعجاز القرآن»، وسيد قطب في «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن» ود. بدوي في «بلاغة القرآن»، ود. دراز في «النبأ العظيم: نظرات في القرآن»، وبنت الشاطئ في «التفسير البياني للقرآن» وغيرهم.

ب- الإعجاز الموضوعي: ونعني به: أن القرآن قد جمع من صنوف الهداية والحكمة والموعظة الحسنة، ومن وجوه الإصلاح التوجيهي والتربوي والتشريعي، ما يسعد البشر أفرادًا وأسرًا وجماعات ودولًا في دينهم ودنياهم لو أنهم اهتدوا به واتبعوه. وما يعجز حكماء الأمم ومفكرو الشرق والغرب أن يأتوا بمثله في شموله وتوازنه وعمقه. هذا مع أن الذي أتى به رجل أمي نشأ في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.

ولم يهتم الأولون بالتأليف في هذا اللون من ألوان الإعجاز، وإن أشاروا إليه ونبهوا عليه ضمن بحوثهم عن الإعجاز.

وفي عصرنا بدأت العقول تتجه إلى تجديد التحدي بالقرآن من ناحية موضوعه ومحتواه، وألف في ذلك العلامة السيد رشيد رضا كتابه «الوحي المحمدي»، وكتب العلامة الشيخ محمد أبو زهرة عدة مقالات عنوانها «شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله».

وألف كثيرون في موضوعات قرآنية شتى في القرآن والقتال: «القرآن والمرأة» للشيخ شلتوت، و«الإنسان في القرآن الكريم» و«المرأة في القرآن الكريم» للعقاد. التربية في القرآن. ولم يزل كما أنزله الله، وكما بلغه محمد، وكما تلقاه أصحابه، ومن بعدهم جيلًا إثر جيل، محفوظًا في الصدور، متلوًّا بالألسنة، مكتوبًا في المصاحف، يستظهره عشرات الألوف من أبناء المسلمين، حتى الصبيان منهم، بل حتى الأعاجم الذين لا يعرفون لغته.

وعلى الداعية أن يقرأ القرآن بهذه الروح، وهذه الفكرة: إنه كتاب الزمن كله، فلا ينبغي أن يحمل على ثقافة عصر خاص، أو أفکار جیل معين، فإن الثقافات تتطور، والأفكار تتغير، والعصور والأجيال تذهب، ويبقى كتاب الله كما أنزله الله.

٤- الخلود:

ومن خصائص القرآن: أنه كتاب الخلود؛ ليس كتاب جيل، ولا كتاب عصر، ولا كتاب أجيال أو أعصار محددة، بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، ولهذا تكفل الله بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9)، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ (فصلت: 41، 42).

ومن دلائل ذلك أن أربعة عشر قرنًا من الزمن مرت على نزول هذا منزله -وهو رب كل شيء- بأنه تبيان لكل شيء، فقد خاطب الرسول المنزل عليه بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (النحل: 89).

وقد قال الخليفة الأول: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله. فلم ينزله الله بيانًا للعقيدة أو للعبادة فقط، فيكون كتابًا في اللاهوت، ولا بيانًا للفضائل والآداب فقط، فيضاف إلى كتب الأخلاق، ولا بيانًا للشرائع والأنظمة فحسب، فيكون كتابًا في القانون، ولكنه كتاب يضم ذلك كله، وفوق ذلك كله، في نسق فريد ونظم بديع.

اقرأ هاتين الآيتين في سورة البقرة:

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 231، 232).

ترى كيف نصنف هاتين الآيتين؟ إنهما تتضمنان تشريعًا للأسرة، وتتضمنان كذلك تربية وتوجيهات أخلاقية وإرشادات دينية، وتذكيرًا بالله واليوم الآخر، وتقرران علم الله بكل شيء، على حين لا يعلم البشر.

فهل تحسب هاتان الآيتان في التشريع، أم في التربية، أم في العقيدة، أم في الآداب؟ الحقيقة أنهما في ذلك كله في وقت واحد.

٥- الشمول:

ومن خصائص القرآن كذلك: الشمول؛ فكما أنه كتاب الزمن كله، هو كتاب الدين كله: جمع أصول الهداية الإلهية، والتوجيه الرباني، في العقائد والشعائر والآداب والأخلاق، كما جمع أصول التشريع الإلهي في العبادات والمعاملات وشئون الأسرة وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي حتى أن أطول آية فيه إنما أنزلت لتنظم شأنًا من شئون الحياة الاجتماعية، وهو كتابة الدين.

وإلى جانب هذا، هو كتاب الإنسانية كلها، وكتاب الحياة كلها. ولهذا جعله الله للناس و«للعالمين» كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ (البقرة: 185) وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (التكوير: 27).

فليس هو كتابًا لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، ولا لطائفة من الناس دون أخرى.

ليس للعقليين دون العاطفيين، ولا العكس، وليس للروحيين دون الماديين ولا العكس، وليس للحكام دون المحكومين، ولا العكس، وليس للأغنياء دون الفقراء، ولا للفقراء دون الأغنياء.. إنه کتاب الجميع.

فالقرآن دستور شامل، وصفة القرآن لمحمد شدید. دستور الأخلاق في القرآن للدكتور دراز، الدستور القرآني لمحمد عزت دروزة، وغيرها وغيرها.

ج- الإعجاز العلمي: ونعني به ما يتعلق بإشارة القرآن في كثير من آياته إلى حقائق علمية كشف عنها العلم الحديث، ووافقت أحدث ما انتهى إليه هذا العصر؛ مع أنها كانت مجهولة في عصر النبوة، وما بعده لقرون عديدة.

ومثل هذا لا يتصور أن يصدر من بشر، لا يدري ماذا يكسب غدًا، فضلًا عما يكسب غيره، وما تكشفه البشرية بعد قرون وقرون. إنما يتصور أن يصدر هذا من خالق الكون ومدبره، فهو القادر على أن يودع كتابه من أسرار الوجود ما لا يعلمه غيره، وأن يصوغ ذلك في أسلوب يتسع لإدراك السابقين، وفهم اللاحقين. وقد عنى كثيرون من المعاصرين بهذا اللون من الإعجاز، وبخاصة المتخصصون في العلوم الحديثة، مثل الأساتذة: د. محمد أحمد الغمراوي، ومحمد جمال الدين الفندي، وعبد الرزاق نوفل، وقبلهم الشيخ طنطاوي جوهري، وغلا بعضهم في ذلك إلى حد التكلف والمجافاة للفظ القرآن وسياقه، وعارضهم آخرون على طول الخط، وتوسط فريق ثالث، وخير الأمور الوسط.

وسنعود إلى ذلك بعد.

ومن شمول القرآن: أنه لا يخاطب العقل وحده، ولا القلب وحده، بل يخاطب الكيان الإنساني كله، فيقتنع العقل، ويحرك القلب في وقت واحد كذلك. فإذا قرأ الإنسان أو سمع مثل هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (الانفطار: 6- 8) يجدها تخاطب الإنسان كله.. عقله ووجدانه وروحه، فلا يكتفي بخطاب القلب والضمير وحده، كما هو المعهود في كتب الدين واللاهوت قبل القرآن، ولا يخاطب الفكر والعقل وحده كما هو شأن كتب الفلسفة قديمًا وحديثًا، إنما هو يخاطب الذات الإنسانية بكل مقوماتها وخصائصها.

يقول المرحوم الأستاذ عباس العقاد:

«يخاطب الإسلام العقل، ولا يقصر خطابه على الضمير أو الوجدان. وفي حكمه أن النظر بالعقل هو طريق الضمير إلى الحقيقة، وأن التفكير باب من الإيمان: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا (سبأ: 46) ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (البقرة: 219).

وما كان الشمول في العقيدة ليذهب مذهبًا أبعد وأوسع من خطاب الإنسان، روحًا وجسدًا، وعقلًا وضميرًا، بغير بخس ولا إفراط في ملكة من هذه الملكات».

وهو لا يخاطب صنفًا واحدًا من البشر له اتجاه عقلي أو نفسي معين، مغفلًا من عداه من الأصناف ذوي الاتجاهات المتعددة.

كلا، إنه يخاطب كل الأصناف ويشبع كل الاتجاهات السوية.

أ- إن طالب الحقيقة العقلية يجد في القرآن ما يرضي منطقه، ويأخذ بلبه إذا سمعه يصيح بالعقل أن ينظر ويفكر، ويهيب به أن يرفض الظن والخرص واتباع الهوى والتقليد، وأن يعتمد على البرهان وحده.

ويكفي أن مشتقات العقل مثل: «يعقلون» و«تعقلون» ذكرت في القرآن 58 ثمانيًا وخمسين مرة، وذكر مشتقات في الفكر ۱۷ سبع عشرة مرة، وذكر الألباب أي العقول ١٦ ست عشرة مرة.

وهذا غير الآيات الكثيرة التي اشتملت على كلمات ومشتقات أخر مثل: النظر والاعتبار والتدبر والحجة والبرهان والنهي ونحو ذلك، مما يبحث عنه طلاب الحقائق العقلية، فلا يجدونه في كتاب ديني غير القرآن.

ب- والباحث عن الحقيقة الروحية يجد في القرآن ما يرضي ذوقه، ويغذي وجدانه، ويشبع فهمه وتطلعاته في آفاق الروح، في مثل قصة موسى والعبد الصالح الذي قال الله فيه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (الكهف: 65).

ج- والحريص على القيم الأخلاقية يجد في القرآن ضالته وطلبته، فالقرآن قد دل على الخير كما هدى إلى الحق، وقد جعل فعل الخير إحدى شعب ثلاث لمهمة المسلم: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج: 77) ولكنه لم يكتف من المسلم بفعل الخير، بل طلب أن يدعو إليه ويدل عليه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (آل عمران: 104).

والأخلاق في القرآن تحتل مساحة عريضة لا يتسع المقام للحديث عنها، ونوصي بالرجوع إلى «دستور الأخلاق في القرآن» للعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، رحمه الله.

د- وعاشق القيم الجمالية يجد في القرآن ما ينمي حاسيته الجمالية ويغذي شعوره الفني، وذلك بما لفت إليه القرآن الأنظار من الاستمتاع بجمال الطبيعة: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (الحجر: 16)، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (الملك: 5)، وجمال النبات: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ق: 7)، ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (النمل: 60)، وجمال الحيوانات: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (النحل: 6)، وجمال الإنسان: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (التغابن: 3)، وجمال المخلوقات كلها: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (النمل: 88).

ووراء ذلك كله ما احتواه أسلوب القرآن ذاته من جمال معجز في شكله ومضمونه.

تنبيهات للداعية في المجال القرآني 

وأود أن أنبه الداعية الذي يريد أن يعيش مع القرآن، ليأخذ منه زادًا لقلبه، ويقبس منه نورًا لعقله، ويستمد منه ريًّا لروحه، ثم يمد الآخرين بعد ذلك من فيض هذا الري، وذاك النور، وذاك الزاد.

جمع الآيات في الموضوع الواحد وتصنيفها:

فعلى الداعية إذا أراد أن يتحدث في موضوع ما -محاضرًا، أو مدرسًا، أو خطيبًا، أو كاتبًا- أن يجمع الآيات المتعلقة بموضوعه، ويعمل على تصنيفها بما يلائم الغرض، ويوضح نظرة القرآن إلى الموضوع.

وينبغي للداعية المتبصر هنا أن ينظر نظرتين:

إحداهما: تتعلق بالألفاظ القرآنية المتعلقة بموضوعه، وهذه يفيد فيها إلى حد كبير مراجعة المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ولا سيما لمن لم يكن مستظهرًا القرآن.

والثانية: تتعلق بالمعاني المتصلة بموضوعه، وهذه تحتاج إلى بصيرة وفطنة وحسن إدراك لما له صلة بالموضوع، وإن لم يرد بنفس اللفظ والعبارة.

والمهم في هذا وذاك هو حسن التصنيف والتقسيم الذي يوضح المعالم، ويبرز المقومات والخصائص، ويبين الأهداف والآثار.

ولنأخذ مثلًا لذلك -فبالمثال يتضح المقال-:

إذا أردنا الحديث عن القرآن والعلم، فإننا نجد أنفسنا أمام حشد هائل من الآيات يبلغ المئات، فلهذا بأخذ بعضها وتصنيفها مع عناوين لها كما يلي:

أولو العلم قرناء الملائكة:

﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ (آل عمران: 18) بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأولي العلم، مستشهدًا بهم على تفرده بالألوهية.

العلم يرفع أهله عن غيرهم:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).

العلم أساس خشية الله:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (فاطر: 28).

والواجب على الجاهل أن يتبع العالم ولو كان أصغر منه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: 43).

قد يدرك الأدنى من العلم ما لا يدرك الأعلى.. في قصة سليمان حين عزم على معاقبة الهدهد الغائب فجاء يخبره: ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (النمل: 22).

وفي قصة ابني آدم تعلم الإنسان من الغراب:﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (المائدة: 31).

التعليم يرفع قدر المتعلم ولو كان كلبًا:﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (المائدة: 4)، وبهذا امتاز الكلب المعلم على الكلب الآخر.

الأمر بالرجوع إلى أهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 43)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59) فسرت «أولي الأمر» في هذه الآية بالعلماء، كما فسرت بالأمراء.

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ (النساء: 83).

ويشير القرآن إلى أن الخبير بالشيء هو القادر على الإنباء بحقيقته دون شطط أو قصور؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (فاطر: 14)، ومن هنا يجب أن يسأل الخبير دون غيره: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الفرقان: 59).

العلم بحر لا ساحل له:

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: 85).

الازدياد في العلم مطلوب:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طه: 114)، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (يوسف: 76).

الأنبياء يطلبون العلم عند من هم دونهم:

في قصة موسى وفتاه قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (الكهف: 65).

الرحلة في طلب العلم:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا (الكهف: 60، 61)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا (الحج: 46).

 

الرابط المختصر :