; من تجارب أم.. أهمية تعويد الأبناء الاعتماد على النفس | مجلة المجتمع

العنوان من تجارب أم.. أهمية تعويد الأبناء الاعتماد على النفس

الكاتب حياة الجاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1111

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 09-أغسطس-1994

كنتُ ولا أزال شديدة الحب والتعلق بأطفالي؛ أجد في الجلوس إليهم والعناية بهم متعة، وأي متعة!

لقد دأبتُ على العناية بشؤونهم الشخصية منذ طفولتهم، فكنتُ أنا التي أطعمهم وأغسل لهم وألبسهم ثيابهم، ولا أُسند لأحد غيري إطلاقاً أمر العناية بهم. وحين كبر الصغار ودخلوا المدرسة، كنت أتولى -بالطبع- أمر تدريسهم، بل ما هو أكثر من ذلك؛ كنتُ أنا التي تقوم بزخرفة كراريسهم والرسم لهم.. إلخ. كنتُ أقوم بكل صغيرة وكبيرة، فقد كنتُ ضعيفة جداً أمام مطالبهم ونظرات توسلهم، بل إنني أحياناً لم أكن أنتظر هذا الطلب أو ذاك منهم لأدائه، بل أبادر لعمله بهمة وحماس. لقد كنتُ ضعيفة جداً أمام مشاعرهم، فما كنتُ أرغب برؤية الأسى مرتسماً على ملامحهم والدموع تترقرق في مآقيهم.

كنتُ أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم، ولكن يبدو أن هذا الأمر الأخير قد أخذ مني أكثر مما يجب؛ بحيث إنني حين كنتُ أرى أحدهم حزيناً أو مستاءً من أمر ما، كان يأخذني الحزن والأسى كل مأخذ، وتكاد الدموع تسيل من عيني على ما يكابده صغيري من أسى! ولأنهم كانوا صغاراً، فقد كانوا سرعان ما ينسون ما سبب الأذى والأسى لهم، لكنني لم أكن سريعة النسيان مثلهم، بل كنتُ أظل متأثرة بذلك بضعة أيام.

كل تلك الأحاسيس كانت تنتابني إلى جانب الإرهاق الجسدي الذي فرضتُه على نفسي من أمور دراسية وغيرها. هذه المشاغل الكثيرة والتراكمات الصغيرة والكبيرة صارت تثقلني مع مرور السنوات، وسببت لي إجهاداً نفسياً وجسدياً؛ أجل، فأنا في حركة دائمة لا تنقطع، من أعمال منزلية شاقة لا تنتهي، وأمور دانية (بسيطة) يفترض أن يقوموا هم بها وليس أنا، إلى جانب الإجهاد العاطفي والنفسي الذي كنت أعاني منه، حتى إنني صرتُ أحمل نفسي ما لا تطيق.

بدأ شعوري بمتعة العناية بأطفالي يتناقص تدريجياً، ويطغى عليه شعوري الحاد بالإرهاق الجسدي والنفسي، حتى وصلتُ إلى مرحلة شعرتُ فيها أنني مرهقة جداً وعاجزة عن عمل أي شيء أو التفكير في أي شيء. أقول الحق: لقد بدأتُ أشعر بالسأم والمرارة؛ فأنا في دوامة من الأعمال الصغيرة التافهة التي لا تكاد تنتهي، إلى جانب معاناتي من ضغوط مشاركة هذا حزنه وتلك غضبها.. إلخ.

نتيجة لكل تلك الضغوط وقعتُ طريحة الفراش، ليس بسبب مرضٍ ما، بل نتيجة لأسلوب انتهجته لمدة طويلة من حياتي. توقفتُ عن جميع الأعمال الصغيرة والكبيرة التي اعتدتُ القيام بها، ومنحتُ نفسي فرصة للتفكير: هل الأسلوب الذي أتبعه مع أطفالي صحيح أم خاطئ؟ هل أنا سعيدة بالوضع الحالي؟ هل ينفع هذا الأسلوب أطفالي مستقبلاً؟ هل هذا الأسلوب مفيد لي شخصياً؟

الإجابات عن تلك الأسئلة لم تكن في صالحي؛ فقد كان يجب أن أعترف أنني لم أكن أشعر بالسعادة في المدة الأخيرة بقدر ما كنت أشعر بالإجهاد والتعب والضيق النفسي. لقد كانت النتيجة التي وصلتُ إليها نتيجة طبيعية للأسلوب الشديد (المفرط) الذي انتهجته مع نفسي؛ أطفالي كانوا سعداء ولا شك لأنني كنت أتولى القيام بجميع شؤونهم، لكنني عن نفسي كنت أشعر بإجهاد شديد، وصار هذا الإجهاد يزداد كلما كبروا في العمر وازدادت مطالبهم. أما عن المشاركة العاطفية، فقد كنت أتساءل: لِمَ لا أدعهم يواجهون مشاكلهم بأنفسهم؟! الشعور بالحزن أمر طبيعي في حياة كل منا، وهل يُعقل أن يظل المرء يشعر بالسعادة والبهجة على الدوام؟!

لا بد من مواقف في حياتهم تثير فيهم الحزن والأسى والغضب والإحباط.. إلخ، إلى آخر هذه الأحاسيس العاطفية! من الطبيعي أن يحزن طفلي لهذا الأمر أو ذاك، ومن الطبيعي أن ينساه بعد مدة، فلماذا أثقل على نفسي وأحمّلها أكثر مما يجب؟! لماذا هذا القلق الطاغي الذي يكاد يقتلني ويأتي عليَّ؟!

جاء قراري في النهاية لمصلحة نفسي وصالح أطفالي؛ فقد توصلتُ إلى أن هذا الأسلوب الذي اتبعته معهم منذ سنوات كان أسلوباً خاطئاً، وعليَّ منذ اليوم أن أعوّد نفسي ألا أقوم بالأمور الصغيرة نيابة عنهم، وأن أعوّدهم كذلك القيام بها دون الاعتماد عليَّ. ومن جانب آخر، بدأتُ أدرب نفسي على تخفيف المشاركة العاطفية التي دأبتُ على ممارستها لمدة طويلة؛ فكنتُ حين أرى أحدهم يبكي أطيّب خاطره بكلمات بسيطة ثم أتركه، ما دام الموقف بسيطاً ولا يستحق أن يأخذ أكثر من حجمه.

في البداية لم يكن الأمر سهلاً، فالطبع يغلب التطبع، لكنني ثابرتُ على ما نويت؛ إذ إنني ما كنت أريد أن أكرر تجربة الضغوط النفسية والجسدية التي عانيتها مسبقاً. ولم يكن الأمر سهلاً مع أطفالي بالطبع، حيث اعتاد كل واحد منهم أن أقوم نيابة عنه بجميع شؤونه الشخصية. لقد دهشوا لقراري في البداية لما أطلعتهم عليه وترددوا في تنفيذه، وظنوا أن الوضع الجديد هو لمدة مؤقتة فقط، لكنهم فوجئوا بتصميمي على ما انتويت، ولم يكن تقبلهم للأمر سهلاً، لكنني مضيت فيه غير مبالية باحتجاجاتهم.

لقد تحسن الوضع الآن نوعاً ما، وصاروا يقومون ببعض شؤونهم وليس جميعها، ولكنني موقنة أنها مسألة وقت وأنهم سيعتادون الأمر في النهاية، أما عن نفسي فلا زلتُ أدربها على الوضع الجديد.. والله المستعان.

 

الرابط المختصر :