العنوان من دفاتر مسافر في العمل الخيري.. كويتي في مقديشو
الكاتب سعد مرزوق العتيبي
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2021
نشر في الصفحة 50
السبت 29-سبتمبر-2012
- صناعة البسمة على وجوه الآخرين فن لا يتقنه إلا أصحاب القلوب الرحيمة.. وقد تجسدت أمامي في شخص عبد اللطيف الهاجري يرحمه الله
- موجة الجفاف التي تعرض لها الصومال ظلت ما يقارب خمس سنوات توقف خلالها المطر حتى مات كل شيء
- نقوم بصناعة الحياة التي تستوجب توفير غذاء البطون وغذاء العقول وغذاء الروح
لا شك أن من يعمل في العمل الخيري تصبح أحداثه اليومية التي يشاهدها ويسمعها هي جزء مهم من حياة البشر، يحكي المآسي التي تلحق بالإنسان بشكل عام، وبالمسلمين بشكل خاص، وسيكون شاهدًا عليها، كما أنها تاريخ يجب أن يروى للأجيال؛ لما لها من الأثر البالغ في نفوس الشباب المسلم ليرى مدى المظهر الحضاري للإسلام، وأيضًا يحتاجها متلقي الخدمة من الفقراء والمساكين الذين يتجلى أمامهم هذا الترابط الأخوي بين المسلمين، وهي أيضًا للمتعاملين معنا كمتبرعين ليشهدوا أثر تبرعهم.
إن التغير السريع في المشهد السلوكي مع تلك الشخصيات تدعونا لتسجيل ما نراه من المواقف التي تحصل معنا سواء في الميدان، وهي كثيرة، وأيضًا مع أصحاب الأيادي الخيرة، وسيكون ذكر المواقف بشكل عفوي لما كانت لتلك المشاهد من عفوية التعامل، وأحببت أن تكون طريقة كتابتها لا تخرج من ذلك السياق.. وهنا أنقلكم معي إلى رمضان عام ١٤٣٢ هـ، لنبدأ معكم قصة هذا التاريخ الذي شهد مأساة القرن الأفريقي، وبالتحديد دولة الصومال وعاصمتها مقديشو.
وصلت إلى هناك في ظل الأزمة الصومالية الأمنية التي كان يعرفها كل من راقب تلك المأساة، والانفلات الأمني الكبير الذي كان سببًا في عدم وصول الكثير من منظمات الإغاثة الغربية منها والإسلامية والعربية إلى هناك؛ مما أدى إلى تفاقم المشكلة بشكل أكبر، وبسبب وجودنا بالصومال منذ ما يقرب من سبع عشرة سنة، فإننا كنا من أوائل المنظمات وصولًا للمحتاجين هناك، بل أكاد أجزم أننا أول منظمة خيرية كويتية وصولًا لمقديشو في الوقت الذي لم تستطع بعض المنظمات من الوصول.
عينه تدمع
انتقلنا إلى مقديشو بداية على الخطوط الإثيوبية من الكويت إلى البحرين ثم أديس أبابا ثم توجهنا إلى جيبوتي لنستقل طائرة شحن ليس فيها ركاب وليس فيها أي مظهر من مظاهر إجراءات الأمن والسلامة، في رحلة استمرت ست وثلاثين ساعة، لنتوجه لمقديشو مستعينين بالله ومتوكلين عليه سبحانه، وصلنا بحمد الله إلى هناك، وكان في استقبالنا مدير مكتبنا في جنوب الصومال شيخ بشير، الذي بذل جهدًا يشكر عليه في تجهيز كل ما نحتاجه هو والفريق الإداري الذي كان معه، لنبدأ رحلة إغاثية خطرة، فقد كانت جميع تحركاتنا تحت غطاء أمني كبير لما نحمله من كميات كبيرة من مواد غذائية تكفي كل أسرة محتاجة لمدة شهر، وقد سبقنا المكتب لعمل دراسة لحاجات الأسر، وتنظيم العمل وتوزيع بطاقات استلام وكان التنظيم جميلًا جدًا.
وكنت أحرص على سماع قصص ومشاهدات هؤلاء الذين أصابهم القحط والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فكانت قصصهم عبرًا نحتاج أن نتفكر بها، فقد أبدل الله حالهم وأصبحوا مشردين بعد أن كانت لهم ديار يعيشون فيها، وأصابهم قحط استمر في بعض الأماكن إلى خمس سنوات لم يمطروا، مما تسبب في فقد الزرع وبالتالي ماتت الماشية ثم بعدها مات الإنسان، وكان الموت يحصد الأموات بشكل يومي.
ومازلت أذكر ذلك الأب الذي كان متواجدًا في المخيم الطبي الذي أقمناهفي العاصمة مقديشو، فقد التقيت به وقد وضع ابنه بين يديه مصابًا بضعف شديد وهزال، وكانت تملأ وجهه الفطريات وكأنه مقبل على الموت، قلت له: هذا بلاء من الله سبحانه فاصبر واحتسب الأجر من الله تعالى، وبإذن الله سيشفي الله ابنك، فقال لي وعينه تدمع: أنا أتمنى فقط أن يحفظ الله ابني، وألا يموت بين يدي، أنا مستعد أن يبقى هكذا، ولكن لا أريد أن أفتقده.. يا الله، يا له من مشهد أبوي كريم، لم أستطع فعل شيء سوى الدعاء له ولابنه، كنا ننتقل من مخيم للنازحين إلى غيره من المخيمات التي كانت منتشرة في العاصمة مقديشو، فهي أصبحت ملاذًا لكل محتاج أصابته الفاقة، وها هي المرأة العجوز تقول لي وقد أصابها من الوهن ما الله به عليم: كنت أملك الكثير من الماشية وقد ماتت جميعها.
قتل الأبرياء
ينتشر في الشوارع الكثير من الحيوانات التي لم يعد واضحًا منها إلا عظامها ويستخدمها البعض للتنقل، وأيضًا لم أجد مبنى لم يصبه الدمار جرّاء الأحداث الدموية التي كانت تجري بين بعض القوات المناوئة للحكومة المركزية، فها هو مدير مكتبنا يخبرني قبل مغادرتي للفندق أنه قد تم تنفيذ عميلة تفجيرية بالفندق الذي كنت أسكن فيه، وتسبب التفجير في قتل أربعة وزراء بالحكومة الصومالية، وعدد كبير من الحضور الذين كانوا يحضرون حفلًا للطلبة.
حقًا كانت مآسي تدمي القلب قبل العين، فنحن بين ما كنا نشاهده من جوع يقتل الأطفال، وفهم سقيم يقتل الأبرياء، وللعلم حينما أردنا الخروج من العاصمة لنتفقد المكان لم نستطع ذلك؛ لأن مسؤول الأمن أخبرنا أنه لا يستطيع أن يقوم بالتغطية الأمنية معنا، وأحسست خلال تواجدي في مقديشو وأثناء مرورنا بالطرق التي تملؤها الحفر بنعمة الطرق التي نمشي عليها، فالطرق ليست ممهده لمرور السيارات، لذلك كنا نحتاج سيارة جيب كبيرة لتسهل علينا التنقل بين أهل الحاجة.
ربما يقول البعض: ما الذي يدفعكم للذهاب إلى هناك؟ وهل هناك سر لوجودكم في عمق الأزمة؟ فأقول: لا يخفى عليكم الأجر من الله سبحانه، وهو بلا شك عامل مهم ودافع أساسي ليجعل العاملين في العمل الخيري يتجاوزون الصعاب والأخطار ليصلوا إلى هناك، وبجانب ذلك ما يحمله الكثيرون من العاملين في هذا المجال من رغبة في صناعة البسمة على وجوه الآخرين، وهي فن لا يتقنه إلا أصحاب القلوب الرحيمة، وقد تجسدت أمامي في شخص أخينا عبد اللطيف الهاجري يرحمه الله تعالى الذي علمني هذا المعنى الجميل الذي يصف روحه النقية، فرحمك الله يا أبا عبدالرحمن، إن إحياء النفس وإدخال السرور يرتبط بعقيدة تربينا عليها وجبلنا على فعلها ﴿ وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَاٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ ﴾ ( المائدة: ٣٢ ).
مسؤولية نستشعرها
حقيقة العمل الخيري بطريقته التقليدية ليست مشكلة وليست صعبة، فهو لن يتجاوز أن تكون وسيطًا بين دافع للخير ومتلقيه، لكن في صرحنا تعلمنا أن فعل الخير عقيدة ومنهج يستوجب التفكير بسعة أفق، فلم يقتصر دورنا فقط على أن نطعم ونرحل، فنحن نقوم بصناعة الحياة والتي تستوجب توفير غذاء البطون وغذاء العقول وغذاء الروح، وهذه أجمل ما كان يقع في قلبي عندما أذهب إلى إحدى مؤسساتنا الخيرية في الخارج، فعطاؤنا بفضل الله تعالى ثم بدعم الخيرين تتنوع مشاربه بين مؤسسات تعليمية تنشئ المدارس، فها نحن نمتلك في الصومال سبع مدارس للتعليم، إحداها مدرسة للتعليم الزراعي ومشاريع للتنمية، ومنها حفر الآبار التي تساهم في إعادة الحياة لتلك المناطق وفق خطة مدروسة تساهم في إعادة النازحين لديارهم.
ففي ظل الأزمة الصومالية تم حفر أكثر من ثلاثمائة وخمسين بئرا، ومؤسسات صحية ترعى وتتطبب، لقد استطعنا أن نؤسس في عدة بلدان جامعات ومستشفيات كبرى ومدارس متميزة تنافس الأداء الحكومي، ومنها على سبيل المثال مستشفى «الرحمة» الذي أقمناه في دولة جيبوتي، قد تفوق على المستشفى الحكومي والمستشفى الفرنسي هناك - سيكون لي مقال عن العمل في جيبوتي -إن شاء الله تعالى - والذي يؤكد أن ما يقوم به العاملون في العمل الخيري ليس «دروَشَة»، وإنما هو عمل متقن وعلى أعلى مستوى من الحرفية في الأداء والرقابة الإدارية والمالية، والتي تجسدت في حصول مؤسستنا على المركز الأول في الشفافية على مستوى الوطن العربي في تصنيف مجلة « فوربس » العالمية، أكدت في نتيجتها ما ذكرته لكم.
ويبقى أن أقول: إن العمل الخيري هو تضافر للجهود وليس نتاجًا لعمل فردي، وهو ما يجب أن يكون عليه هذا العمل، مما يستوجب التزامنا بالمهنية العالية التي ترفع من أدائنا من خلال العمل المؤسسي وفق رؤية واضحة وخطة عالية المستوى والطموح، وما يترتب عليه من اختيار لمقومات النجاح.