; مقاصد القرآن الكريم للشيخ حسن البنا - يرحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد القرآن الكريم للشيخ حسن البنا - يرحمه الله

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 56

الجمعة 24-سبتمبر-2004

من سنن الله في تربية الأمم

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

قال قتادة والسدي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى. وقيل: نزلت في حرب أحد. وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة الرسول الله وأسر قوم النفاق، فنزلت الآية الكريمة تطييبًا لقلوب المسلمين. 

وأيا ما كان سبب النزول، فإن الآية الكريمة تقرر سنة من سنن الله في حياة الأمم. ذلك أن كل أمة بين طورين لا ثالث لهما يخلف كل منهما الآخر متى توافرت دواعيه وأسبابه، هذان الطوران هما طور القوة وطور الضعف:

فالأمة تقوى إذا حددت غايتها وعرفت مثلها الأعلى ورسمت منهاجها وصممت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج ومحاكاة المثل مهما كلفها ذلك من تضحيات، إذا صدقت عزيمة الأمة وقويت إرادتها في ذلك، فقد قويت قوة مطردة لا تزال تزداد حتى تتسنم غوارب المجد، ولا يمكن لأية قوة في الأرض أن تضعف هذه القوة أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال. 

ولا تزال الأمة كذلك بخير حتى تنسى الغاية وتجهل المثل وتضل المنهاج وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية وتهن العزائم وتضعف الإرادات وتنحل الأخلاق ويكون مظهر ذلك الإغراق في الترف والقعود عن الواجب، وحينئذ تأخذ الأمة في الضعف ويدب إليها دبيب السقم الاجتماعي ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد، وسبيل التجدد أن يتيح الله لها الطبيب الماهر فيهتدي إلى الدواء الناجع وتتبعه الأمة في تناول هذا الدواء فتموت جراثيم المرض وتعود إليها القوة، وتلك مهمة المصلحين والقادة مصابيح الهدى وشموس النهضات، بهم تنجلي كل فتنة عمياء، وسبيل الإبادة أن تسدر الأمة في غيها وتظل هائمة على وجهها لا تصيخ لناصح، ولا تسمع المرشد حتى تحين فيها ساعة الفناء.

هذه السنة الربانية في بناء الأمم تقررها هذه الآية الكريمة فلابد للمصلحين المجاهدين في سبيل إحياء الأمم وإعادة قوتها ومجدها أن يصمدوا لكل خطب ويحتملوا آلام الجهاد حتى تتحقق غايتهم، فيكون جزاؤهم النصر، ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)، ولم تتخلف هذه السنة أبدا في قديم ولا حديث حتى مع أفضل الرسل وخير الأنبياء وصفوة الخليقة سيدنا محمد ﷺ وأصحابه الغر الميامين. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾(العنكبوت: 1- ٣). 

وفي الصحيح أن هرقل حين سأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ قال: هل قاتلتموه؟

قال: نعم.

قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟

قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه. 

قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة.

وفي الصحيح عن خباب بن الأرت رضي الله عنها قال: قلنا: يا رسول الله ﷺ ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه»، ثم قال: «والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذنب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون».

ولقد صدقت نبوءة رسول الله ﷺ فتم الأمر وظهر الدين وقويت الأمة وأدال الله للمسلمين من أعدائهم. وفي حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا الدقل وحسك السعدان حتى تقرحت أشداقنا. ولقد شققت نمرةً «أي: عباءة» بيني وبين سعد، وهأنذا أنظر فلا أرى منا إلا أمير قطر أو مصر. 

إن في ذلك لعبرة لأمم الإسلام في نهضتنا الحالية - لو أرادت أن تعتبر- ولا مجال لليأس وهذه سبيل القوة، حددوا الغاية واعرفوا المثل وارسموا المنهاج واصبروا على الجهاد وأعدوا له عدته، والنصر من وراء ذلك إن شاء الله: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 129). (١)[1]

من وسائل إعداد الأمة

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥- ١٥٧).

يقول المربون: إن أعظم مظاهر القوة في الإنسان أن يتغلب على ما يحيط به وأن يخضع الصعاب لإرادته، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحد فلم تتأثر بالحوادث ولم تبال بالعقبات وكان عندها من المناعة الطبيعية ما يحول بينها وبين تسرب الوهن إليها، كانت خليقة بأن ترث الأرض وتسود الدنيا وتحسنا لخلافة في الكون.

والآية الكريمة تشير إلى «التدريبات» الربانية التي تنشئ في الأمة هذه المناعة وتطبعها بطابع القوة الحقيقية وتجعلها أسمى من ظروفها وأقوى مما يحيط بها، ويجمع هذه التمرينات الابتلاء أو الاختبار الذي يبتلي الله به الناس لتصفو به نفوسهم وتتطهر من الأدران أرواحهم ويعتادوا مقاومة الصعاب وتحمل الصدمات، فإن صبر العبد على اختبار الله إياه وشغلته الغاية عن ألم الوسيلة، كانت العاقبة خيرًا وأبدله الله بهذا الصبر قوة في الدنيا وثوابًا في الآخرة، وكان مثله كمثل من يصبر على مرارة الدواء أملاً في الشفاء، وإن جزع وتألم أفسد على نفسه العلاج وكان الاختبار وبالًا عليه.

وأساس الصبر على الابتلاء الإيمان بالله والاشتغال بمراقبة عظمته والتسليم لحكمة تصرفه ولهذا ورد في الأثر: «الصبر شطر الإيمان» وفي قول الله تبارك وتعالي: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1- ٣)، ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبًا على المقاومة يكون دليلًا على الإيمان والتسليم، فإذا صبر العبد وسلم كان ذلك دليل إيمانه فيرفع الله درجته ويعلي منزلته وكان الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل، وربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10). والتمرينات التي ذكرتها الآية الكريمة أنواع منها:

الخوف: وإنما بدأ القرآن به؛ لأنه غريزة مستقرة في النفس لاصقة بالفؤاد تولد مع المرء منذ يولد وتتحرك لأدنى مؤثر وتتولد عنها الأوهام والخرافات، فإذا استطاع الإنسان أن يكبح جماحها، وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت وذهب من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة، وصار شجاعًا قوى النفس بعد أن كان رعديدًا خائر العزيمة، وبذلك يحسن استعداده النفسي وتكون الصدمات التي تلي هذه الصدمة أقل منها أثرًا وأضعف خطرًا.

يلي ذلك الجوع: وإنما ثنى به القرآن؛ لأنه ألم الجسم فإذا تعود الإنسان مقاومة دواعيه والصبر على حرارته قوي جسمه وصلب عوده وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف فكان إنسانًا كاملًا جسمًا وروحًا.

يأتي بعد هذين التدريب الثالث في قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155) وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص الحبيبة إلى النفس، وللألفة على القلب سلطان ولها في النفس منزلة، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول:

خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبا 

لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا 

هذه المألوفات التي تعوق الإنسان عن العظائم وتحول بينه وبين الجد في المطالب يريد القرآن أن يعود الأمة الصبر على مفارقتها وعدم الركون إليها حتى يتحرر الإنسان حرية كاملة وحتى لا يقف شيء من دون وصوله إلى الغاية.

فإذا دربت نفسه الصبر، وقويت روحه بمقاومة الخوف، وقوى جسمه بمقاومة الجوع، وتحرر من أغلال البيئة وقيود المألوفات، تحقق له قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155) يبشرهم بحسن الأجر وجزيل الثواب في الدنيا بالمناعة التي تخفف وقع المصائب، وفي الآخرة بالنعيم المقيم.

ولما كان أعظم شيء يساعد على الصبر ويتقوى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات  اللجوء إلى الله تبارك وتعالى وتذكر الغاية السابقة وتمثل المثل الأعلى: «وقد يهون على المستنجح العمل»، لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء أن يضع مراقبة الله نصب عينيه وأن يهتف من أعماق قلبه مسترجعًا، وأن يحقق معنى قوله تعالى:﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) وفي هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدق ويرق وما هو بهذا النظام أليق وأخلق. وحسب الإنسان أن يذكر في محنته أن لله بدأه ولله نهايته ليكون لله ما بينهما:

﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لله﴾.

أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 157) سمعها عمر رملة فقال: نعم العدلان ونعمت العلاوة.

والصلاة من الله على عبد الثناء والتشريف والتكريم والرحمة والعفو وإغداق النعم ظاهرة وباطنة.

فالأولى: إشارة إلى اللطائف الروحية ولهذا عبر عنها بلفظ الصلاة.

والثانية: إشارة إلى اللطائف الحسية ولهذا عبر عنها بلفظ الرحمة، ومن جمع الله له هذه الصفات في الدنيا وهذه المنح في الآخرة فقد هدي إلى صراط مستقيم، ولنافي الصبر وثوابه والدوافع إليه كلمات أخرى إن شاء الله (۲).[2]

أول كتاب مطبوع للشيخ حسن البنا منذ استشهاده يصدر عن دار الوثيقة للطباعة والنشر- الكويت

[1](1)      جريدة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية السنة الرابعة- العدد ٧ في ٥ ربيع أول ١٣٥٥هـ/ ٢٦ مايو ١٩٣٦م.

[2](2)      جريدة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية- السنة الرابعة- العدد ۱۳ في ۱۸ ربيع الثاني ١٣٥٥هـ/ ٧ يوليو ١٩٣٦م.

“أول كتاب مطبوع للشيخ حسن البنا منذ استشهاده يصدر عن دار الوثيقة للطباعة والنشر - الكويت.”

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل