; من فقه الاختلاف | مجلة المجتمع

العنوان من فقه الاختلاف

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013

مشاهدات 80

نشر في العدد 2051

نشر في الصفحة 52

السبت 04-مايو-2013

مع إقرارها بمبدأ الاختلاف، تنشد أدبيات الإسلام جمع كلمة أبناء الأمة وتوحيد صفهم في وجه التحديات والأخطار المحدقة بهم، وعلى المشتغل بالعمل الإسلامي البحث عن المشتركات فيما بينهم، وعدم الوقوع في فخ الخلاف الذي قد يؤدي إلى  التشاكس وافتعال المعارك.

وهناك جدل واسع حولف الاختلاف والخلاف فقل: إن الاختلاف نقيض الاتفاق، والخلاف يعني التضاد. وقيل أيضاً: إن الاختلاف يكون في قول بُني على دليل، والخلاف فيما لا دليل عليه، ووقع في كلام بعضن والفقهاء ي عدم اعتبار الفرق بينهما، فكل أمرين خالف أحدهما الآخر، يعد خلافاً.

وقد يقال: إن الخلاف أعم مطلقاً من الاختلاف، وينفرد الخلاف في مخالفة الإجماع ونحوه، وهو من قبيل اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات.

والحقيقة أنه ليس كل تعارض بين قولين يعتبر اختلافاً حقيقياً بينهما؛ لأن الاختلاف إما أن يكون اختلافاً في العبارة، أو اختلاف تنوّع، أو اختلاف تضاد، وهو الاختلاف الحقيقي.

أما الاختلاف في العبارة كأن يعبّر كل من المختلفين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، مثال ذلك: تفسير الصراط المستقيم بالقرآن كما قال بعضهم، وبالإسلام كما قال غيرهم، وكذلك قول من قال: هو السُّنة والجماعة.

وأما اختلاف التنوّع، فكأن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود  في عمومه وفي نصوصه، مثاله ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثٍمَّ أّوًرّثًنّا پًكٌتّابّ الذٌينّ اصًطّفّيًنّا مٌنً عٌبّادٌنّا فّمٌنًهٍمً ظّالٌمِ لَنّفًسٌهٌ مٌنًهٍم مَقًتّصٌدِ مٌنًهٍمً سّابٌقِ بٌالخيًرّاتٌ بٌإذًنٌ اللَّهٌ﴾ (فاطر: 32).

فقد قال بعضهم: السابق الذي يصلّي أول الوقت، والمقتصد في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخّر العصر إلى الاصفرار!

وقيل: السابق: المحسنة، والمقتصد: بالبيع، والظالم: بأكل الربا. وروى ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم أمّة محمد ﷺ ورّثهم الله كل كتاب أزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنّة بغير حساب.

واختلاف التنوّع في الأحكام الشرعيّة قد يكون في الوجوب تارةً وفي الاستحباب أخرى: فالأوّل يقع في فروض الأعيان، مثل أن يجب على قوم الجهاد، وعلى قوم الصدقة، وعلى قوم تعليم العلم.

وفي فروض الكفايات، ولهاوّع يخصّها، وهو أنها تتعيّن على من لم يقم بها غيره، فقد تتعيّن في وقت أو مكان، وعلى شخص أو طائفة، كما يقع مثل ذلك في الولايات، والجهات، والفتيا، والقضاء.

قال ابن تيمية: وكذلك لكل نوّع في الواجبات يقع مثله في المستحبّات. الحكم التكليفي للاختلاف بحسب أنواعه: وأمور الدّين التي يمكن أن يقع فيها الخلاف إما أصول الدين أو فروعه، وكل منهما إما أن يثبت بالأدلة القاطعة أو لا، فهذه أربعة أنواع:

النوع الأول: أصول الدّين التي تثبت بالأدلة القاطعة، كوجود الله تعالى ووحدانيّته، وملائكته، وكتبه، ورسالة محمد ﷺ، والبعث بعد الموت، ونحو ذلك.. فهذه أمور لا مجال فيها للاختلاف، من أصاب الحق فيها فهو مصيب، ومن أخطأ فهو كافر.

النوع الثاني: بعض مسائل أصول الدّين، مثل مسألة رؤية الله في الأخرة، وخلق القرآن، وخروج الموحّدين من النار، يشابه ذلك، فقيل: يكفر المخالف، ومن القائلين بذلك: الشافعي، فمن أصحابه من حمله على ظاهره، ومنهم من حمله على كفران النعم. 

وشرط عدم التكفير أن يكون المخالف مصدّقاً بما جاء به الرسول ﷺ، والتكذيب المكفّر أن ينفي وجود ما أخذ به الرسول ﷺ، ويزعم أن ما قاله كذب محض أراد به صرف الناس عن شيء يريده، كذا قال الغزالي.

النوع الثالث: الفروع المعلومة من الدّين بالضرورة، كفرضيّة الصلوات الخمس، وحرمة الزنا، فهذا ليس موضعاً للخلاف، ومن خالف فيه فقد كفر.

النوع الرابع: الفروع الاجتهاديّة التي قد تخفى أدلّتها، فهذه الخلاف فيها واقع في الأمّة، ويُعْذَر المخالف فيها، لخفاء الأدلة أو تعارضها، أو الاختلاف في ثبوتها، وهذا النوع هو المراد في كلام الفقهاء إذا قالوا: في المسألة خلاف.. على أنه الخلاف المعتدّ به في الأمور الفقهيّة.

فأما أن يكون في المسألة دليل صحيح صريح لم يطلع عليه المجتهد فخالفه، فإنه معذور بعد بذل الجهد، ويعذره في ترك رأيه أخذاً بالدليل الصحيح الذي تبيّن أنه لم يطلع عليه.

فهذا النوع لا يصح اعتماده خلافاً في المسائل الشرعيّة؛ لأنه اجتهاد لم يصادف محلاً، وإنما يعدّ في مسائل الخلاف: الأقوال الصادرة عن أدلّة معتبرة في الشريعة.

ومعلوم أنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ما يؤدّي إلى الاختلاف بالمعنى السابق، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء، ردّوه إلى الرسول ﷺ،وكانوا لا يكثرون من المسائل والتفريعات، بل يعالجون ما يقع من النوازل في ظلال هدي الرسول ﷺ، ومعالجة الأمر الواقع - عادة - لا تتيح فرصة كبيرة للجدل.. فضلاً عن التنازع والشقاق.

وإذا وقع الاختلاف - رغم محاولة تحاشيه- سارعوا في ردّ الأمر المختلف فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله ﷺ، وسرعانا يرتفع الخلاف، لأنه من أدب الاختلا ففي عصر النبوّة سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله، وتسليمهم التام الكامل به.

وكان رسول الله ﷺ يصوب للمختلفين في  كثير من الأمور التي تحتمل التأويل، ولدى كل منهم شعور بأن ما ذهب إليه أخوه يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل بالحفاظ على احترام كل من المختلفَين لأخيه، حيث لا يهمّ أيّ منهما أن تظهر الحقيقة على لسانه، أو على لسان أخيه.

وفي منهج الصحابة عبر ودروس، فقد التزموا بأدب الإسلام، حيثوا ينتقون أطايب الكلم، ويتجنّبون الألفاظ الجارحة بين المختلفين، مع حسن استماع كل منهما للآخر،  وتنزههم عن المماراة ما أمكن، وبذلهم أقصى أنواع الجهد في موضوع البحث، يعطي لرأي كل من المختلفين صفة الجدّ والاحترام من الطرف الآخر، ويدفع المخالف لقبوله، أو محاولة تقديم الرأي الأفضل منه.


الرابط المختصر :