العنوان من فقه الحركة الإسلامية.. الداء والدواء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
مشاهدات 83
نشر في العدد 317
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
«هذه المقالة عبارة عن افتتاحية الأستاذ أبو الأعلى المودودي كتبها لمجلته الشهيرة: «ترجمان القرآن» إلى ما قبل مدة وهي إحدى الحلقات التي تناول فيها الأستاذ المحاسن التي يجب أن تتحلى بها الحركة الإسلامية وتنميها، والعيوب التي يجب عليها اجتنابها وإصلاحها وقد أفردنا حلقة منها تخص بالداء المعروف- بوهن العزيمة.
والأستاذ المودودي كقائد الحركة الإسلامية استعرض هذا الداء استعراض الطبيب النطاسي ووصف له علاجًا ناجعًا، يستطيع رجال الحركة أن يستفيدوا منه في كل زمان ومكان.. المترجم»
من العيوب الفردية في الحياة الاجتماعية- وهن العزيمة- وهو عيب فتاك للغاية، وحقيقته: أن الإنسان يستمع لدعوة الحركة ويلبيها بصدق وتجرد ويبدي لها في البداية القدر الكبير من الحماس. إلا أنه بمرور الأيام يأخذ حماسه في نقص وتضعضع إلى ألا يبقى له أي اهتمام حقيقي بالهدف الذي جاء لخدمته وتحقيقه، ولا يبقى له أي علاقة فعلية بالجماعة التي انضم إليها بدافع القلب والشعور وفيما يتعلق بذهنه فإنه لا يزال على جانب من الاطمئنان والقناعة بالدلائل التي بموجبها آمن بكون الحركة على طريق الحق، وكذلك لسانه لا يفتر عن ترديد الاعتراف بكونها حقًا.
وقلبه أيضًا يشهد بكون هذا الأمر ضروريًا وحقيقًا بالعناية، ولكنه إلى كل ذلك تنطفئ فيه حذوة الحماس وتتراخى قواه العملية، علمًا بأنه لا يكون لسوء النية أي ضلع في هذا التغير، ولا انصراف عن المرمى من ناحية الفكرة والمبدأ، ولأجل ذلك لا يتصور ذلك المرء أن ينفصل من أسرة الجماعة. وكل ما في الأمر هو- وهن العزيمة- الذي يبدي غرائبه بعد أن يبرد الحماس الذي كان عليه في أول الأمر، في أشكال متنوعة وظواهر مختلفة.
ويظهر أول ما يظهر الوهن في ظاهرة التملص من النشاط، حيث يبدأ المرء يتهرب من تحمل المسؤوليات ويمانع بذل الأوقات والجهود والأموال في سبيل الغاية، ويفضل كل شيء في الدنيا على ذلك الأمر الذي كان اتخذه نصب عينيه في الحياة.
ويصبح نصيب غايته من أوقاته ومن نشاطاته ومن أمواله يتناقص رويدًا رويدًا، والجماعة التي اتصل بها بعد أن استيقنها قائمة بالحق والصدق لا يتعلق بها إلا علاقة نظامية فقط، ولا يهمه ماذا ينفعها وماذا يضرها، ولا يبدي أي نوع من الاهتمام والعناية بشؤونها.
إن هذه الحالة يتدرج إليها المرء كتدرج الشباب إلى المشيب، وهو إن لم يفطن بنفسه إلى حالته هذه، ولم ينبهه عليها غيره لم يشعر، بحال من الأحوال، بحاجة إلى أن يتفكر في موقفه الذي اختاره نحو القضية التي جعلها نصب حياته وتنهد لمغامرة نفسه في سبيلها، وهكذا في دوامة من الغفلة وعدم الانتباه يأخذ اهتمام المرء بهدفه وعلاقته بجماعته في اضمحلال وانحلال إلى أن يأتيه يوم يوافي فيه وهو في نفس الغفلة وحالة اللاوعي.
ومن خصائص الحياة الجماعية أنه إذا لم يحسب لهذا المرض حسابه أي وهن العزيمة في أول ما يظهر في المرء، ولم تبذل العناية في منع نموه فإن عدواه يأخذ طريقه إلى كل شخص بدأت أسباب الوهن ترفع فيه رأسها. إن العامل النشيط ذا الفعالية المرموقة قد يتخلى عن نشاطه عندما يرى غيره من الزملاء لا يحرك ساكنًا ولعمري لماذا لا يفكر هذا العامل في أنه لم يدخل هذه الحلبة ليخدم هدف ذلك الغير، بل ليخدم هدف نفسه
فإذا كان الغير هو قد تخلى عن هدفه فماذا به أن يتخلى عنه، أليس مثله كمثل رجل عدل عن جادة الجنة بحجة أن غيره من الزملاء عدلوا عنها. كأن الجنة لم تكن مرماه، أو أنه أحب أن يتجه إلى الجنة بشرط أن يتجه إليها زملاءه. فهل يتجه إلى جنهم إن رأى زملاءه متجهين إليها؟ ولماذا منه كل ذلك؟ الجواب: أنه لا يملك له غاية. إنما غايته ما عند غيره من الغاية أو الهدف. فالمصابون بهذه الحالة النفسية الغريبة يحذون دائمًا حذو العاطلين المثبطين ولا يرون لأنفسهم قدوة في الذين يبذلون مهجهم ويستنفذون جهدهم دائبين.
ولا ضير، إلى حد كبير، في أن يساور الإنسان التقاعس ويعتريه التباطؤ بصورة عادية، إلى أن يخلد إلى الكسل نهائيًا. بيد أن الفطرة البشرية من شأنها أنها لا تصاب بعيب إلا وترفع فيها عيوب أخرى رأسها، وقليلون جدًا أولئك الذين يقدرون على منع نشوء العيوب الأخرى لتعزيز العيب الموجود.
حيث يخجل المرء في معظم الأحوال من إظهار نفسه في مظهر الضعيف، ولا يتحمل أن يراه الناس متبطلًا متعطلًا.
وهو لا يعترف- اعترافًا واضحًا لا التواء فيه ولا غموض- بأن الوهن أكسبه التقاعس والبرود. بل أنه بدلًا من ذلك يستر وهنه ويتخذ لذلك طرقًا عديدة يكون كل طريقة منها أشنع من أختها.
فمثلًا، هو يلجأ إلى أعذار وحيل تشفع له عدم النشاط. فيخلق كل يوم جديد عذرًا من الأعذار العرجاء يحاول به ذر الرماد في عيون زملائه على أن السبب الحقيقي لتقاعسه لا يرجع إلى قلة حماسه للدعوة، بل هناك عقبات واقعية تحول دون ذلك كأنه استدعى الكذب لنجدة الكسل، ومن هنا يبدأ الإنسان في انحطاط خلقي... الإنسان الذي توقف أول ما توقف في التقدم نحو أفاق العلا وإذا صار هذا العذر معتادًا وقديمًا وبالتالي غير مجد، ويشعر المرء بخطر تفشي سر الضعف والكسل يحاول بالتظاهر بأنه لم يتقاعس لضعف في نفسه في واقع الأمر، بل هناك من نقائص وعيوب في كيان الجماعة بعثته على هذا التذمر والوجوم. كأنه طالما أحب أن يحقق الكثير من الأعمال ويبذل القدر الكبير من الجهود، ولكن أنى له من ذلك، بينما فساد زملائه كسر خاطره وفتت كبده. وهكذا فإن الإنسان الآخذ في التدهور والانحطاط إذا لم يثبت له قدم في درجة يتنازل إلى درجة أسفل منها إلا أن حرصه على ستر عيبه وضعفه يدفعه إلى اقتراف جريمة كبيرة... جريمة هدم ما لم يستطع بناءه.
ثم إن حالة التذمر وانكسار القلب تكون في المرحلة الأولى أمرًا إجماليًا يحيط به الغموض. حيث لا يعرف ما هو سبب تذمر صاحب الفضيلة.
يجري على لسانه الشكاوى الغامضة نحو النقائص في الجماعة بأسلوب حكيم يمكن إيقافه عن المزيد النقط على الحروف. نعم، إذا أدرك زملاؤه مرضه الحقيقي وعالجوه بأسلوب حكيم يمكن إيقافه من المزيد من الانحطاط والتدهور، بل يمكن إنقاذه مما تورط فيه ورفعه، ولكنه كثيرًا ما شوهد أن الأصدقاء الحمقى يشرعون في التطلع في خبايا أمره، بدافع من الطيش المفرط مرة ولقضاء غريزة العجب مرة أخرى. ويرغمونه على تفصيل ما أجمله وتقييد ما أطلقه. فلا يسعه إلا أن يسعى وراء كل ما يساعده على إثبات تذمره حقًا وصدقًا، فيستجمع العيوب الفردية من مختلف الزملاء، ويتصيد النقائص التي جعلت هذا العبد الفقير يتذمر من دعوتكم. أي يدلل على موقفه بأن الشخص الكامل مثله المطهر من جملة العيوب أنى له يساير الدعوة برفقة هؤلاء الزملاء المصابين بهذا القدر من العيوب، وفي هذه الجماعة المملؤة بهذا القدر من النقائص، وفي الحين الذي يتخذ ذلك الرجل هذا النمط من الاستدلال ينسيه الشيطان ما لو كان الأمر كما قال: لاقتضى منه مضاعفة النشاط بدلًا من الخلود إلى الكسل. إذ إن الأمر الذي قام لتحقيقه بعد اتخاذه غاية حياته إذا رأى غيره يفسده بعيوبه ونقائصه كان عليه أن ينكب على بناءه وإصلاحه بالمزيد من الحرارة والنشاط وأن يتدارك مساوئ الآخرين بمحاسنه. إذا أصاب الحريق بيتك وتقاعس أفراد البيت عن إطفائه فما هو واجبك؟ فهل تجل أنت أيضًا متذمرًا منكسر الخاطر، أو تبدي جلادتك في إطفائه وتكون أكبر همة من أولئك قاصري الأيدي وفاتري العزم.
ومن أدهى الدواهي في هذا الباب أن الإنسان في صدد محاولته في ستر أخطاءه، وإثبات نفسه على حق في مواقفه يضيف كل ما في سجل أعماله إلى سجل أعمال الآخرين.- متناسيًا أن هناك محاضر الأعمال عند مليك مقتدر لا يستطيع أحد أن يبدل أي شيء منها بأي أسلوب من المكر والتضليل ويعد في غيره من العيوب ما هو نفسه مصاب بها ويدل على النقائص في الجماعة ما ليس له نصيب في إنشائها أقل من غيره، وينصب شاكيًا على أمور هو مصدرها وحينما يقول:- انكسر خاطره وتضجر قلبه من وجود كل ذلك في الجماعة فالواضح من ذلك جليًا أنه برا نفسه من كل ذلك.
ليس من جماعة بشرية تخلو من العيوب، وليس من عمل يقوم به البشر يطهر من النقص. لم يحصل في التاريخ- ولن يحصل- أن يتوفر لإصلاح المجتمع البشري وبنائه أرتال من الملائكة لإنجاز الأعمال بموجب مقياس الكمال. إذا خرجت تبحث عن الأخطاء والنقائص فأي مكان لم تجدها فيه من الطبيعي أن تقترن أعمال البشر بالنقائص والعيوب.
وعلى رغم مضرورة بذل المحاولات في بلوغ الكمال لا يتوقع في هذه الدنيا من أن يبلغ الإنسان مبلغًا من الكمال يلقب فيه بلقب السبوح والقدوس.
وإذا كان المراد من التدليل على الأخطاء والنقائص محوها، وبذل المزيد من الجهود نحو المقياس المطلوب من الكمال فأمر مبارك ألف مرة. إذ لا يمكن إصلاح وتطوير الأعمال البشرية إلا بهذه الطريقة. والتغافل عنه مهلك. ولكن إذا استجمعت العيوب والنقائص الجماعية لجعلها دليلًا على التخلي عن النشاط، والانعزال، والتخاذل، وانكسار الخاطر فما من شك أن هذا العمل نفخة من الشيطان وخدعة من النفس الأمارة بالسوء، وهذا الضرب من الأعذار لا يعدمه المعذر حتى في أحسن الأوضاع وأصلح الظروف، ولا يزول هذا العذر ما دام لا تنزل طائفة من الملائكة لتحل محل الجماعات البشرية. ثم لا ينبغي اللجوء إليه إلا لرجل يثبت أن شخصه الأقدس خال من جملة العيوب والنقائص. من الحقيقة أن هذا النوع من الكلام لا ينتهي أبدًا إلى أن يزول عيب أو يذهب نقص، بل هذا وصفة ناجحة لزيادة العيوب والنقائص، وليس محصله إلا أن يتبع أحد هذا الطريق ليكون مثالًا سيئًا لغيره من الضعفاء المتكاسلين حوله.
لأنه يشير الجميع من خلال موقفه على أن يحذروا من الاعتراف بما فيهم من الوهن والخور حتى لا يوصفوا بين أفراد الأسرة بالانهزامية وفقدان الأنفة فيأتي كل متبطل متقاعس يحذو حذوه ويتذرع بمكر التضجر حجة على انتكاسه، ومن ثم يأخذ في وضع القوائم بعيوب الزملاء ونقائص الجماعة بعد التقاطها من هنا وهناك ومن هنا تتحرك في الجماعة حلقة مفرغة من الزلات والسيئات. ففي جانب يتفجر في الجماعة وباء التقاط العيوب، وتصيد الهنات، وتبادل التهم. الأمر الذي يدمر طبيعة الطماعة الخلقية تدميرًا فظيعًا. وفي الجانب الآخر يتأثر أشخاص معروفون بالنشاط الكبير والصدق والإخلاص في الجماعة غير موبوئين بوهن العزيمة يتأثرون ويصابون أولئك الآخرون أيضًا بمرض- التبرد والتضجر وانكسار الخاطر- لما يسمعون من المناداة بالعيوب والنقائص والزلات والتهم والردود عليها. ثم إذا جاء نظام الجماعة يعمل على منع هذا الوباء يلتفت المصابون بالوهن والتذمر حول أنفسهم، ويشكلون كتلة في داخل الجماعة، ويتحول التذمر، والوهن والتضجر إلى حركة ترمي، كواجب ديني، إلى بث التضجر، والدعوة إليه، وتوفير الدلائل له، والذين قعدت بهم الهمة نحو الغاية الأصيلة والهدف الأساسي ينشطون لهذه الغاية المحدثة جدًا، بل يتضاعف نشاطهم فيها بصورة غريبة. كأن الحماس المنطفئ فيهم عاد اشتعالًا وفورة. نعم، تتقد فيهم جذوة النشاط من جديد ولكن بطريقة اتقادها وتجددها أشد أسفًا من انطفائها وموتها.